fbpx
خاص

الحكامة القضائية … الولوج إلى الرقمنة

محاكم المملكة في طريقها لتطبيق المحاكمة عن بعد وتحديات للقضاء على الورق والولوج للإدارة الإلكترونية

أجمع مسؤولون قضائيون في ندوة نظمتها الودادية الحسنية للقضاة، بشراكة مع وزارة العدل بمقر المعهد العالي للقضاء بالرباط، أخيرا، حول “الإدارة القضائية وقواعد الحكامة الجيدة”، أن التكنولوجيا باتت تفرض نفسها بقوة، وأن المحاكمة عن بعد رهان قوي وغاية رفيعة. كما اعتبر عبد العزيز وقيدي رئيس محكمة الاستئناف بالرباط، أن التفتيش يعتبر حلقة مهمة في الحكامة القضائية، وفي العلاقـة بين المسؤول القضائـي ابتدائيـا ومحكمة الاستئناف.
إنجاز: عبدالحليم لعريبي

فارس: التكوين رافعة أساسية

قال مصطفى فارس، الرئيس الأول لمحكمة النقض والرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، إن الحكامة القضائية أصبحت تكتسي أهمية إستراتيجية في مشاريع المجلس الأعلى للسلطة القضائية،  بالنظر إلى دورها في تدعيم تدبير الشأن القضائي وتقديم خدمة عمومية للمتقاضين وفق المعايير المعمول بها وطنيا ودوليا.
‎وأوضح فارس أن الحكامة تطرح إشكالات كبرى ذات ارتباط بالضمانات الحقيقية لاستقلال السلطة القضائية وبعلاقاتها التنظيمية والقانونية والواقعية مع باقي السلط والمؤسسات، ومدى تفاعلها مع المجتمع المدني والحقوقي ومدى كفاية الموارد البشرية والمادية والتقنية الموضوعة رهن إشارتها وكيفية تدبيرها لها ومدى مساهمتها في كسب الثقة العامة، من خلال آليات الشفافية والتتبع والرقابة والمحاسبة، “وهي أيضا تجعلنا نضع النصوص التنظيمية والتشريعية سواء منها المسطرية أو الموضوعية المطبقة على المتقاضين تحت مجهر الفحص والتدقيق للبحث في مدى نجاعتها وجودتها وعدالتها”.
ويؤكد فارس أن الحكامة تتيح أيضا التساؤل عن دور التكوين رافعة أساسية في مجال تفعيل المكتسبات التي راكمتها التجربة القضائية المغربية، من أجل ممارسة سليمة للمهنة بكل حمولاتها الأخلاقية والقيمية.
وكشف الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية أن التحدي الكبير اليوم هو توفير الآليات الملائمة والحقيقية لتجسيد هذه الحكامة، والبحث عن “الميكانزمات” وتوفير الشروط الكفيلة بإيجاد نموذج مغربي متميز، ينهل من التجارب الإنسانية العالمية، ويراعي في الآن نفسه خصوصيات “تراثنا ومقوماتنا الأصيلة”، والتراكمات الحقوقية والإصلاحية التي عرفتها بلادنا على مدى السنوات الماضية ، مضيفا أن 2019 أعطيت أهمية كبرى لموضوع الحكامة من خلال تنظيم دورة تكوينية لفائدة المسؤولين القضائيين في مجال تطوير المهارات وتنمية القدرات في مجال الإدارة القضائية “كما بعثنا عددا من قضاتنا في دورات تدريبية بمجموعة من الدول الرائدة  في مجال الخدمات القضائية الإلكترونية”، فضلا عن الحرص على إتمام عدد من المشاريع الخدماتية الإلكترونية  وإعطاء الانطلاقة لاتفاقية التوأمة مع المجلس الأعلى البلجيكي، ضمن برنامج الدعم الأوربي للعدالة ببلادنا مستهدفين من ذلك بناء ممارسات فضلى لعمل المجلس، خاصة في مجال تقوية القدرات والتكوين وتعزيز آليات النجاعة وضمان الاستقلال الإداري والمالي وتكريس قيم التواصل والتحسيس.  

‎ بنعبد القادر: الحكامة ترتبط بالمسؤولية

قال محمد بنعبد القادر، وزير العدل، إن النظام الدستوري للمملكة المغربية يقوم على أساس فصل السلط، وتوازنها وتعاونها، والديمقراطية المواطنة والتشاركية، وعلى مبادئ الحكامة الجيدة، التي ترتبط بالمسؤولية بالمحاسبة.
ومن هذا المنطلق، فإن الحكامة القضائية تكتسي أهمية وراهنية كبرى في مخطط الإصلاح الشامل والعميق لمنظومة العدالة، إذ لا يمكن أن تتحقق إلا بالتنزيل الكامل لأهم الأحكام الدستورية، ومنها ما يهم ضمان استقلالية السلطة القضائية، وتقريب القضاء من المتقاضين، والحرص على الحماية الكاملة لحقوقهم، وإيلاء الأهمية اللازمة لنجاعة التدبير الإداري والمالي لمرفق العدالة.
وشدد الوزير على أن الحكامة هي أداة لتدبير الإدارة القضائية، وإقامة النظام القانوني والقضائي، استنادا إلى مفهوم الشراكة، فهي بهذا المعنى تعد ممارسة لا تتم إلا بتوفر أركانها الأساسية المتمثلة في الشفافية والفعالية وحسن التدبير، ثم التقييم والتتبع للرقي بأداء الإدارة القضائية، كما أنها آلية جوهرية في التواصل مع كافة المتدخلين في العملية القضائية، بهدف الوصول إلى مقومات المحكمة النموذجية.
وأكد بنعبد القادر على أن منظومة العدالة يشارك في تدبيرها في إطار يحكمه روح التعاون والتوازن والتنسيق بين كل المؤسسات المعنية بهذا التدبير من سلطة مكلفة بالعدل، وسلطة قضائية، بما فيها رئاسة النيابة العامة، فمن أهم مبادئ الحكامة القضائية، حسب منظور المنظمات والهيآت واللجان المتخصصة في مجال تقييم الأنظمة القضائية عبر العالم، يوجد مبدأ المشاركة والتشاركية، والذي يقوم على أساس التعاون والتنسيق، وتكامل الجهود بين كل الفاعلين المعنيين بتدبير منظومة العدالة.

نحال: رهان المحاكمة عن بعد

قال عمر نحال ، رئيس المحكمة الابتدائية بسلا، إن المحاكمة عن بعد هو رهان قوي وغاية رفيعة، يمكن الوصول إليها وتحقيقها على أرض الواقع رغم الصعوبات، إن على مستوى تعقيد الإجراءات المسطرية، أو على مستوى الواقع، دون إغفال الجانب التقني واللوجيستيكي، مضيفا أنه يمكن السير فيه بخطى تدريجية من خلال البدء في المحاكمة عن بعد في القضايا البسيطة، ثم القضايا المدنية، التي تعتمد على الوثائق بعد نجاح التجربة في عدة دول، بعد تعميمها على كافة القضايا مع الأخذ بعين الاعتبار المحاكمات في المجال الزجري، التي تتقاسمها التيارات.
وشدد نحال على أن البعض يسير في اتجاه المحاكمة عن بعد بما في ذلك البحث والتحقيق، و”هناك من يستوجب الحضور المباشر للشهود لتعلق ذلك بوجدان القاضي وقناعته ولتحقيق المحاكمة العادلة على أساس ارتباطها بالأحاسيس، ويكون فيها الحضور المباشر للأطراف أكثر عدلا وإنصافا من الحضور عن طريق الآلة”، مضيفا أن الحكامة الجيدة لا يمكن تصورها في العصر الراهن إلا بناء على اعتماد الإدارة القضائية بشكل كلي، على تكنولوجيا المعلوميات والاتصال، التي تطورت بشكل مبهر، وأصبح العامل الزمني في تدبير الأمور قاطرة التنمية السريعة والمستدامة.
فلا مجال لليوم يقول رئيس محكمة سلا “سير حتى لغدا”، فرهان المحكمة الرقمية لا بد من كسبه، وجعله من الأولويات الكبرى، التي يتعين تحقيقها في أقرب الآجال.
وأضاف المتحدث ذاته، أن الحكامة الجيدة تقتضي أساسا تأهيل العنصر البشري والمستمر، مع الاستعمال الأمثل للموارد البشرية والمادية، وتقديم الخدمة للمواطنين وفق قواعد المساءلة والمحاسبة، إلى جانب تعميم النظام المعلوماتي وقوة البنية التحتية المعلوماتية والاستغلال الأمثل للأجهزة المعلوماتية.
وشدد على أنه لا بد من توظيف المواقع الإلكترونية لتقديم الخدمات القضائية للمتقاضين، والإقلاع عن العمل اليدوي والورقي في تصريف الإجراءات، وتقوية القدرات والمهارات التواصلية مع الفاعلين في الحقل القضائي، مع الشفافية والوضوح وتدبير الزمن.
ونبه المتحدث ذاته إلى إشكال عويص يرتبط بصعوبات تأهيل المتقاضين وترسيخ ثقافة التواصل الالكتروني، مقارنة مع حجم تغلغل الثقافة الورقية وصعوبة التعامل مع فئات من مساعدي القضاء التي لم تعمل على تأهيل البنية الاجتماعية لمكاتبها لاحتضان طموح المحكمة الرقمية وضرورة المواكبة التشريعية.
وأضاف نحال أن المحكمة الابتدائية بسلا شرعت منذ 2008 في تطبيق مشروع “ميدا” الرقمي، وجرى تنزيل برمجة المشروع للعمل به وتجربته وعند نجاحه تم تعميمه على باقي المحاكم، ومن الأسس التي جرى التركيز عليها لإنجاح هذا المشروع، الأنظمة اللوجستيكية والتكوين والتحسيس والتنظيم، وتم وضع مجموعة من الأنظمة المعلوماتية لإدارة القضايا تضمن حوسبة الشعب المدنية والزجرية وأقسام قضاء الأسرة وصناديق المحاكم والرفع من مستوى البنية التحتية المعلوماتية للمحكمة.

‎وقيدي: التفتيش القضائي حلقة مهمة

قال عبد العزيز وقيدي، الرئيس الأول لمحكمة الاستئناف بالرباط، في موضوع الحكامة، إن التفتيش القضائي للمحاكم يعتبر حلقة مهمـة في العلاقـة بين المسؤول القضائـي ابتدائيـا ومحكمة الاستئناف، مضيفا أن التفتيـش يعتبـر وسيلـة لتقييـم سير المحاكـم وتسييـر المصالح التابعـة لها والتنظيمات المستعملة وكيفية تأدية موظفيها من قضاة وكتاب الضبط، مهامهم.
ويهدف التفتيش التسلسلي، برأي وقيدي، إلى توحيد مناهج العمل بالمحاكم وإذكاء الثقة في نفـس القاضـي وجعلـه يؤمـن بأن التفتيـش لا يهدف بالضرورة إلى التنقيب عن الأخطاء وإقامة الدليل عليها، ولكن بالأساس الإرشاد والتأطير، إضافة إلى رصد الإخلالات المهنية وكل ما من شأنه أن يمس سمعة القضاء. ويؤكد المتحدث ذاته أنه جرت العادة على أن الرئيس الأول يشعر رئيس المحكمة بتاريـخ التفتيش بخمسـة عشر يومـا، ويوجـه إليـه استمـارة تتضمـن معطيات حول تسيير المحكمة وكيفيـة سيـر مرافقهـا ونشـاط القضـاة وكتابــة الضبـط، كـل فـي مجـال اختصاصـه من خـلال تقديـم إحصائيـات عن كل شعبـة، كما تعتبـر هـذه الاستمـارة منطلقـا لعمليـة التفتيــش، إذ أن تصفيتهــا تعطـي نظرة للرئيس الأول على نقـاط القـوة بالمحكمـة التي يتعيـن الإشـادة بها ونقـاط الضعـف التي يجـب تقويتهـا.
ونبه وقيدي إلى أن التخليق يعتبر ورشا مهما من الأوراش التي يضطلع بها المسؤول القضائي بالمحكمة، وتظهر أبرز تجلياته في الاختلالات على مستوى المهام الموكولة لكل واحد من العاملين بالمحكمة، حيث تطفو سلوكات التماطل والتقاعـس في أداء الواجب واللامبالاة، وإسـاءة استعمـال السلطـة التقديريـة والتغيـب بدون مبـرر أو بمبرر مفتعل، كما أن المادة 44 من النظـام الأساسـي للقضـاة تنـص على أن القاضـي يلتـزم باحتـرام المبادئ والقواعـد الـواردة في مدونـة الأخلاقيات القضائية، كمـا يحرص على احتـرام تقاليـد القضـاء وأعرافـه والمحافظـة عليهـا، كما أن المادة 45 تحيـل على الفصـل 120 من الدستور بخصـوص البت في القضايـا داخل أجل معقول من قبل القاضي، ودور المسؤول القضائي في التخليق أساسي ويتم طبعا بتنسيـق مع الرئيـس الأول لمحكمـة الاستئنـاف.
وأشار وقيدي إلى أن بعضا من آليات التدبير والتسيير اليومي لمحكمة الاستئناف بالرباط، يجعلها المعلمة القضائية التي يشهد لها تاريخهـا القضائي لأكثر من 100 سنة، إذ مازالت تحتفظ بريادتها، إن على مستوى العمـل القضائـي أو التدبيـري أو الخدماتـي، وإن عملهـا ونشاطهـا اليومـي يصـب دائمـا في تجسيـد شعـار القـضاء في خدمـة المواطن، كما تحدث عن محـاور تحديـث عمل المرفق القضائي، من خلال برامج الرقمنة بوجه عام التي تباشرهـا المحاكم على صعيد المملكة، أو من خلال مشاريع النصوص القانونية المعروضة على القنوات التشريعية، خصوصا قانون التنظيم القضائي للمملكة، ونظام التفتيش القضائي، وكذا ما يتعلق بإعادة النظر في هيكلة كتابات الضبط بالمحاكم.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى