ملف الصباح

وزارة الداخلية … حرب صلاحيات مع رئاسة الحكومة

بدأها اليوسفي واعترف بأسباب اختياره للبصري ضمن حكومته وبقوة الداخلية في مواجهة التناوب

لم تتوقف حرب الصلاحيات بين وزارة الداخلية وحكومة التناوب، التي قادها زعيم الاشتراكيين عبد الرحمان اليوسفي، إلا بطي صفحة “التناوب التوافقي” ومغادرة الوزارة الأولى إلى فرنسا، معلنا اعتزال السياسة.
ظلت كثير من تفاصيل علاقة حكومة اليوسفي ووزير الداخلية القوي إدريس البصري طي الكتمان، باستثناء ما عبر عنه اليوسفي نفسه بحديثه المتكرر عن جيوب مقاومة التغيير، أو عجزه عن مباشرة ملفات كبرى، مثل الاجتماع بالولاة أو بسط اليد على التلفزيون العمومي.
وسلطت مذكرات اليوسفي التي جمعها صديقه المقرب، المحامي والسياسي والحقوقي مبارك بودرقة، وحملت عنوان “أحاديث في ما جرى”، الضوء على العلاقة المعقدة التي جمعت الوزير الأول بوزير الداخلية، فالمذكرات التي خصصت فصولا كثيرة لحياة الوزير الأول السابق، من طفولته إلى اعتزاله للسياسة، مرورا بمعارضته للنظام وقيادته لحكومة التناوب التوافقي في 1998، لم تغفل العراقيل التي واجهته، سيما مع إدريس البصري الذي كان في أوج قوته.
تقول أحد فصول المذكرات إن “جيوب مقاومة التغيير” وضعت كل المتاريس لمنع الحكومة من الإصلاح، ويؤكد أن “الجميع يدرك أن من تمكن من بناء مصالح أثناء العهود السابقة أو لا يزال، ويرى في التغيير والتجديد تهديدا لمركزه الاقتصادي أو مركزه السياسي، سيكون منخرطا في بنية هذه الجيوب”، ثم يتحدث عن وزارة الداخلية التي يقول إنها كانت مهيمنة على هندسة الانتخابات في تلك الفترة من تاريخ المغرب، فمنذ اختيار الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية نهج النضال الديمقراطي، والمشاركة في جميع الاستحقاقات المحلية والتشريعية، كان إدريس البصري يهيمن على كل ما أطلق عليه “أم الوزارات” التي كانت لها اليد الطولى في تزوير الانتخابات، وفي صنع أحزاب إدارية قبل أي استحقاق لتحتل الرتب الأولى فيه، يردف اليوسفي في مذكراته.
ولم يفت اليوسفي الإشارة في مذكراته إلى قوة البصري، فرغم التعليمات التي أعطاها الملك الراحل الحسن الثاني لوزير الداخلية، بعد تعيين اليوسفي وزيرا أول، وتحثه على ضرورة تقديمه واجب الدعم من أجل إنجاح تجربة حكومة التناوب، إلا أن البصري استمر في السير عكس توجهات الحكومة، التي كان يقودها اليوسفي، لأن “الطبع يغلب التطبع”، حسب الوزير الأول السابق.
ويشرح اليوسفي جانبا ظل لغزا بقبوله الاحتفاظ بوزير الداخلية في الحكومة، وقال :”عندما اقترح علي المرحوم الملك الحسن الثاني، الاحتفاظ بإدريس البصري وزيرا للداخلية في حكومة التناوب التوافقي، لأن مجلس الأمن كان ينوي إجراء الاستفتاء في أقاليمنا الجنوبية في 1998، ولأنه كان ماسكا بهذا الملف لأزيد من 15 سنة، فضلت أن يكون ضمن الطاقم الحكومي، بدل أن يلتحق بالديوان الملكي، ويصبح آنذاك في موقع لن يتردد في استغلاله، من أجل وضع عراقيل من شأنها تعقيد طرق الاتصال بجلالة الملك، وبالتالي عرقلة النشاط الحكومي… كان قراري أن بقاءه داخل التشكيلة الحكومية، يمنحنا فرصا أكثر لمواجهة أي محاولة من شأنها التأثير على البرنامج الحكومي. وهذا ما حصل فعلا، إذ لم يعد يقوم بالدور الأساسي والرئيسي الذي كان يعتقد أنه الوحيد القادر على إنجازه”.
ولم يعد سرا أنه في الحكومات السابقة، لم يكن الوزير الأول يتجرأ على افتتاح أشغال أي مجلس حكومي إلا بعد حضور وزير الدولة في الداخلية، وكان يسري الأمر نفسه في المجالس الأخرى، مثل المجلس الاستشاري لحقوق الإنسان الذي كان عضوا فيه، وكانوا ينتظرونه، بالساعات إلى حين وصوله لافتتاح أشغال الجلسة، وبذلك كان اليوسفي يسعى إلى احتواء الرجل القوي، حتى يضمن نجاح التجربة.

“مطبخ” القرار

في كتاب آخر لإدريس الكراوي، الذي اشتغل مستشارا في ديوان اليوسفي، يكشف ما عاينه شخصيا من حالات أدرجها ضمن خانة جيوب المقاومة، ف “فضلا عن الملفات المعروفة لدى المتتبعين ممن عاشروا جزئياتها من داخل “مطبخ” القرار، مثل الخطة الوطنية للمرأة، والاجتماع مع الولاة والعمال، وتنظيم مؤتمر منظمة العفو الدولية، هناك ثلاثة ملفات كنتُ مسؤولا شخصيا عن تدبيرها تظهر بما لا يدع مجالا للشك عن وجود هذه الجيوب، وعن قدرتها ليس فقط، على المقاومة، بل وعرقلة ونسف مشاريع مهمة بأكملها، وأخرى ذات وقع رمزي تنم عن درجة وطبيعة التشويش بهدف إفشال تجربة التناوب عبر الحد من فعالية الإصلاحات الكبرى، التي كان يقودها عبدالرحمان اليوسفي”.
طويت صفحة البصري، لكن كل من عايش تجربة التناوب الحكومي يتذكر أن “أم الوزارات” كانت المحرك الأساسي لكل المعارك الجانبية، التي كانت تستهدف اليوسفي، وتعرق كل إصلاحاتها.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق