خاص

كارلـوس غصـن … أفـول نجـم

من منقذ شركات يتهافت عليه كبار الصناعيين إلى هارب تلاحقه تهم الاختلاس وخيانة الأمانة

كارلوس غصن، أو الرجل المنقذ، كما يحلو لبعض الإعلاميين تسميته، تحول من أشهر رجال الأعمال والقادة الإداريين إلى شخص تلاحقه “الأنتربول” والعدالة اليابانية. لم يكن يتخيل في أي وقت من الأوقات أنه سيقبع في غياهب السجون اليابانية، وهو الذي ساهم في إنقاذ “نيسان” أهم شركة للسيارات العريقة في اليابان من الإفلاس، وتمكن من رفعها، في ظرف وجيز، إلى مصاف المجموعات العالمية لصناعة السيارات، ما جعله أول مدير تنفيذي أجنبي ينال، خلال 2004، ميدالية الشريط الأزرق من يد “آكيهيتو”، إمبراطور اليابان، ليتحول إلى رمز النجاح لدى اليابانيين. وأصبح، على غرار المشاهير، يتهافت عليه المعجبون من أجل التقاط صورة بجانبه أو الحصول على توقيع منه. لكن كل هذا المجد سيتهاوى بعد قرار العدالة اليابانية متابعته بتهم الفساد المالي والتهرب الضريبي، ليتحول في أعين اليابانيين إلى رمز للفساد. لكن تظل هناك نقط ظل كثيرة في قضية “غصن” ما بين الاتهامات الموجهة إليه وردوده عليها، فمن هو كارلوس غصن؟ وما هو مساره المهني؟ وما هي التهم الموجهة إليه؟ وماهي انعكاسات هذه القضية على مشروع “رونو المغرب” الذي يعد أحد أبرز مهندسيه؟

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي

ينتمي كارلوس غصن لأسرة لبنانية هاجرت إلى البرازيل، حيث رأى النور وعاش طفولته، قبل أن ينتقل إلى بيروت ليتابع دراسته الثانوية، وينتقل، بعد ذلك إلى باريس ليواصل مسار تكوينه في التعليم العالي، إذ تخرج، خلال 1974، من المدرسة متعددة التقنيات “بوليتكنيك” بباريس، ليلتحق بالمدرسة الوطنية العليا للمناجم بالمدينة ذاتها، خلال 1978. وأصبح يحمل ثلاث جنسيات، الجنسية اللبنانية الأصلية لجذور أسرته، والبرازيلية، حيث ازداد، والفرنسية بعد أن قضى بفرنسا مساره الجامعي والمهني.

تألق في المسارين التكويني و المهني

التحق غصن، مباشرة بعد تخرجه، خلال 1979، بشركة “ميشلان” الفرنسية، التي سيتمكن فيها في ظرف وجيز من كسب ثقة مسؤوليها والتدرج في الرتب الإدارية بسرعة كبيرة، إذ عين بعد ثلاث سنوات من تعيينه، مديرا لمصنع الشركة، ثم مديرا لقسم الأبحاث والتطوير، ولم يتجاوز حينها عمره الثلاثين ربيعا. تواصل تألق غصن، في بداية مساره، لتعينه الشركة رئيسا تنفيذيا لعملياتها في أمريكا الجنوبية، ليعود إلى مسقط رأسه (البرازيل)، وكان مطلوبا منه تطوير عمليات الشركة بهذه المنطقة، إذ لم تسجل أي أرباح، وتمكن، بعد تشكيل فريق عمل متعدد الجنسيات، من تحقيق الأرباح في ظرف عامين بعد توليه المسؤولية. وتقرر، بعد أربع سنوات قضاها في البرازيل، تعيينه مديرا تنفيذيا للشركة في أمريكا الشمالية، من أجل إعادة هيكلتها وتأهيل نشاطها.
أصبح “غصن” بعد نجاحه في عدد من المهام التي أوكلت إليه، محط اهتمام العديد من المجموعات الصناعية التي تعاني صعوبات، على غرار المجموعة الفرنسية لصناعات السيارات “رونو”، الذي عين فيها، خلال 1996، نائب رئيس تنفيذي مسؤولا عن المشتريات والأبحاث والتصنيع، إضافة إلى إدارته العامة لفرع الشركة بأمريكا الجنوبية.
وتمكن في ظرف سنة من تعيينه، بعد مخطط إعادة هيكلة وتقليص النفقات من تحقيق أرباح، ما جعله يزداد شهرة، ولقب من قبل وسائل الإعلام المتخصصة بـ”قاتل النفقات”، بسبب اعتماده على تخفيض حجم النفقات إلى الحد الأدنى. وتمكن من تسلق مراكز القرار بالمجموعة إلى أن استقر به المقام على رأس هرم السلطة داخل مجموعة من أعرق شركات السيارات بفرنسا.

“نيسان”…طلب الإغاثة

أثار قرار كارلوس غصن، بحكم منصبه نائب رئيس تنفيذي لمجموعة رونو، تخصيص 5.4 ملايير دولار لاقتناء 36.8 % من أسهم شركة “نيسان”، ضجة إعلامية ونقاشات في أوساط المال والأعمال والسياسة، بالنظر إلى أن الشركة اليابانية كانت على حافة الإفلاس، إذ وصلت ديونها إلى 20 مليار دولار، وكان جل المحللين يعتبرون أنه من شبه المستحيل إنقاذ الشركة، وأن تحالف “رونو معه” مجازفة، مصيرها الفشل.
لكن، رغم كل ذلك، قرر رجل المهمات الصعبة الانتقال إلى اليابان، ليشرف شخصيا على إعادة هيكلة شاملة، تطلبت اتخاذ إجراءات تقشفية صارمة ضمن خطة أسماها “مخطط إنقاذ نيسان”، تعهد غصن، من خلاله، معالجة مديونية الشركة في ظرف قياسي لا يتجاوز ثلاث سنوات والشروع في تسجيل الأرباح، وتعهد بتقديم الاستقالة إذا لم يحقق هذه الأهداف وفق السقف الزمني المحدد.
وشرع غصن في تنفيذ إجراءات الإصلاح، بإغلاق 5 مصانع رئيسية للشركة وإلغاء 21 ألف منصب شغل في مختلف مصانع المجموعة، واعتمد أسلوبا جديدا في تحديد الأجور والترقيات يعتمد على المردودية، واعتماد حوافز مبنية على عدد من مؤشرات الأداء. وتمكن في السنة الأولى من تنفيذ المخطط من تحقيق مليارين و 700 مليون درهم من الأرباح، بعد نتيجة خسارة، في العام السابق، تجاوزت 6 ملايير دولار. وأصبحت “نيسان” بعد ثلاث سنوات من إطلاق إجراءات الإصلاح إحدى الشركات الأكثر ربحية في مجال صناعة السيارات باليابان، وبعد 6 سنوات من توليه مهمة الإنقاذ، تجاوزت الشركة منافستها “هوندا”، لتصبح ثاني أكبر شركة سيارات في اليابان. وتضاعف رأسمالها خمس مرات، وارتفع هامش ربحها عشرة أضعاف، لتتجاوز وضعيتها، وتتحول إلى فاعل رئيسي، ليس فقط في سوق السيارات باليابان، بل حتى في الولايات المتحدة الأمريكية.
مكنه النجاح في عملية إنقاذ “نيسان” والنتائج المبهرة التي حققها، من أن يصبح الرجل الذي يشار إليه بالبنان في المجتمع الياباني، خاصة بعد تكريمه من قبل إمبراطور اليابان وحصوله على ميدالية الشريط الأزرق. وتحول غصن بعد ذلك إلى نموذج في إدارة الأعمال يقتدى به، من قبل أغلب رجال الأعمال اليابانيين، ليس فقط في مجال التدبير، بل حتى في طريقة لباسه وحديثه. وستقرر المجموعة الفرنسية ترقيته إلى منصب الرئيس التنفيذي، ما جعله أول شخص يرأس، في الآن ذاته، شركتين ضمن أقوى 500 شركة في العالم. وسيمتد تحالف “رونو” إلى شركة “ميستسوبيشي” اليابانية، خلال 2016، ليصبح تحالف “رونو –نيسان-ميتسوبيشي” رابع أكبر تحالف شركات صناعة السيارات في العالم.

لعنـة النجـاح

الإجراءات التي اتخذها غصن تركت ضحايا وغاضبين، إذ أن عملية إعادة الهيكلة أزاحت أشخاصا كانوا يتقلدون المناصب ويستفيدون من الامتيازات، فكان من الطبيعي أن يتصيد هؤلاء أخطاء الرجل ويبحثون له عن أي زلة للانتقام منه ويصفون حساباتهم معه. وستأتي الطعنة من المقربين إليه “طوشياكي أنوما”، الذي كان يشغل، في الطابق المخصص لرئاسة مجموعة “نيسان”، رئيس الكتابة، الذي مد النيابة العامة اليابانية بـ”طوكيو”، في إطار اتفاقية تم توقيعها بين الطرفين، بالوثائق التي قادت القضاء الياباني إلى اتخاذ قرار إيقاف غصن، مباشرة بعد هبوط طائرته الخاصة في مطار طوكيو، بناء على شكاية من شركة “نيسان”، التي أنقذها من الإفلاس، وتتهمه، استنادا إلى خلاصات تحقيق داخلي، بعدم تصريحه، ما بين 2009 و 2017، بمبالغ إجمالية تصل إلى 94 مليون دولار (ما يتجاوز 90 مليار سنتيم)، ما يتنافى مع قواعد الشفافية التي تلزم بها الشركات المدرجة في البورصة، إذ يعد إلزاميا التصريح بأجور مسؤولي هذه الشركات والدخول التي يحصلون عليها، كما تتهمه الشركة بالتلاعب بنفقات الشركة وتحويلها لأغراض شخصية، وتتجاوز المبالغ الإجمالية التي تتهمه “نيسان” بالتلاعب فيها والاستفادة منها بطرق غير قانونية، 322 مليون دولار أمريكي.
وتتابعه النيابة العامة اليابانية، قبل هروبه، بأربع تهم، اثنتان تتعلقان بإخفاء مداخيل على فترات متباعدة، وأخريان تهمان خيانة الأمانة.

المنقـذ الهـارب

تلاحقت الأحداث بسرعة، بعدما قررت السلطات القضائية اليابانية إيقافه، في نونبر 2018، والتحقيق معه في التهم الموجهة إليه، إذ قرر مجلس إدارة “نيسان”، بعد ثلاثة أيام من إيقافه، إقالته من منصبه، وحذت حذوها شركة “ميتسوبيشي”، التي أقالته، بدورها، بعد أربعة أيام من قرار “نيسان”، في اجتماع مجلسها الإداري، وانتظرت مجموعة “رونو” الفرنسية أسابيع قبل قبول استقالته في يناير من السنة الماضية.
أمضى كارلوس غصن أزيد من 100 يوم رهن الاعتقال، خضع خلالها لجلسات تحقيق طويلة حول التهم الموجهة إليه، قبل أن يتم إخلاء سبيله ووضعه تحت المراقبة بعد أدائه الكفالة المطلوبة، ثم أعيد إلقاء القبض عليه مجددا من أجل تعميق البحث ووجهت له تهم إضافية تتعلق باستخدام أصول الشركة لمصلحته، وتقديم عمولات بـ 101.2 مليون دولار لعملاء بالسعودية وسلطنة عمان والأردن ولبنان والإمارات العربية المتحدة، وتقررت متابعته في حالة سراح، على أن يظل تحت المراقبة بمقر إقامته.
أصبح الطوق يشتد على كارلوس غصن، وتيقن أنه لن ينجو من المتابعة وربما الحبس لمدة قد تتجاوز 15 سنة، بالنظر إلى التهم الثقيلة الموجهة إليه، فأصبح يفكر بجدية في الهرب خارج اليابان، للإفلات من ظروف التحقيق معه. وقرر غصن في 29 دجنبر الماضي مغادرة منزله بطوكيو، ليلتقي بشخصين يحملان الجنسية الأمريكية في أحد الفنادق، قبل أن يستقل الثلاثة القطار إلى “أوساكا”، ولم يظهر له أثر بعد ذلك إلا عندما تبين أنه غادر اليابان في اتجاه تركيا قبل أن يتوجه إلى لبنان، الوجهة التي خطط لها بعناية، إذ يعتبر بلده الأصلي، كما أنه لا توجد أي اتفاقية بينه وبين اليابان لتسليم المتابعين قضائيا.
وسيتبين، لاحقا، استنادا إلى تسجيل كاميرات المراقبة، أن الشخصين الأمريكيين خرجا من فندق بالقرب من المطار محملين بصناديق، يرجح أن أحدهما كان يختبئ فيه كارلوس غصن، وهو الأمر الذي سيؤكده، عندما سأله محاوره من القناة الأمريكية “CNN” عن وضعه خلال الساعات التي قضاها داخل الصندوق، فأجابه أن الحرية حلوة المذاق، مهما كانت وسيلة الوصول إليها.
واتهم كارلوس غصن في المؤتمر الصحافي، الذي عقده لمدة ساعتين بالعاصمة اللبنانية بيروت، شركة “نيسان”، التي أنقذها من الإفلاس، بالتواطؤ مع النيابة العامة اليابانية، بهدف إزاحته من منصبه ومنعه من تنفيذ خطته في توسيع التحالف بين شركات السيارات الفرنسية واليابانية. وأكد أن الشركة تخسر 40 مليون دولار يوميا منذ إيقافه، وفقدت أزيد من 30 % من قيمة أسهمها، كما خسرت “رونو”، أيضا، 34 % من قيمة أسهمها.

لا تأثير على “رونو المغرب”

أثار إلقاء القبض على كارلوس غصن، الرئيس التنفيذي، سابقا، لـ “رونو”، تساؤلات حول مصير مشاريع المجموعة بالمغرب، خاصة أنه من مهندسي الاستثمار في مصنعي “رونو” بطنجة و”صوماكا” بالمغرب. وأكد مسؤولو “رونو المغرب”، خلال ندوة عقدوها، أخيرا، أن المجموعة تواصل تنفيذ التزاماتها، إذ أكد مسؤولوها أنه منذ التوقيع على اتفاقيات إنجازات “رونو”، خلال 2016 و 2017، بهدف تدعيم محيط أعمال قطاع السيارات، تعمل المجموعة، أكثر من أي وقت مضى، على الوفاء بالتزاماتها تجاه المغرب. ونجحت مجموعة “رونو”، في مضاعفة مزوديها المحليين مرتين، وتعتزم أن يصل عددهم إلى ثلاثة أضعاف في أفق 2023، ما سيمكن من تحقيق الأهداف.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق