سيـدي عابـد تتشـح بالسـواد

من مخيم مفضل لجماعات إسلامية إلى معبر للموت في المحيط

منذ خروجها من رحم جماعة أولاد عيسى بموجب التقسيم الإداري 1992، ظلت جماعة سيدي عابد (33 كيلومترا جنوب الجديدة)، تراهن على مؤهلاتها الطبيعية التي تزاوج بين البحر والغابة، كي تصبح رقما مهما في معادلة السياحة الداخلية، قبل أن تسقط في المحظور، وتتحول شواطئها حضنا لتجار يبيعون الموت في قوارب بعضها مسروق وبعضها الآخر صنع في مستودعات سرية.

على مساحة 122 كيلومترا مربعا، وبسكان يصلون إلى 23 ألف نسمة، لم تتجاوز جماعة سيدي عابد عتبة الفقر، رغم تجربة "التعاونيات الفلاحية" القصيرة التي آلت كلها إلى الإفلاس، بسبب انسداد آفاق التصدير نحو أوربا، كما ظلت الجماعة تختزل مجدها الماضي في سوق عشوائي للخضر يعرف باسم "عمارة "، كما أن الشركة الشريفة للملح التي كانت تشغل بعضا من اليد العاملة اغلقت أبوابها منذ 2015. وتتوفر سيدي عابد على شاطئين جميلين، هما الحرشان والغويركات. ومنذ 1999 وطيلة أزيد من ثلاث سنوات كانا قبلة لحركة تطرف ديني، أقيمت فيه مخيمات صيفية جماعية، كما الشأن بشاطئ سيدي بونعايم بهشتوكة.
وأضحت الأمور مقلقة للدولة إلى حد بعيد، وصدر الأمر أولا بمنع التخييم، ثم أعقب ذلك ومنذ 2006 الحديث عن مشروع بلادي السياحي ضمن المجموعة المغربية الكويتية للتنمية، وحدثت حركة تحفيظ إداري استعمل فيه اليزيد زلو، العامل الأسبق، قوات عمومية لردع عصيان قبائل الجماعة، كما عقدت اجتماعات مجدت المشروع الذي راهن على أزيد من 3000 سرير لإنعاش السياحة الداخلية ضمن المخطط الأزرق، لكن اصطدام مسطرة التحفيظ بمجموعة من العراقيل، حالت دون تحقيق المشروع.

الجماعة في فم التلوث
وعرفت الجماعة وبالضبط مشيخة عباس بن قاسم وفرعها أولاد عياد في 1996، تلوثا خطيرا لما انتشر "الفليور" بالفرشة المائية وأثر ذلك على أسنان الحيوانات وخاصة الأبقار والمواشي ولم تعد قادرة على الأكل وظهرت عليها أورام قاتلة، كما قيل ساعتها إن "الفليور" يؤثر على الأداء الجنسي.
ونقل الوضع في إطار أسئلة شفوية آنية إلى قبة البرلمان على عهد مولاي أحمد العراقي، كاتب الدولة في البيئة الأسبق، وعقد العامل الأسبق للإقليم أحمد عرفة عدة اجتماعات خلصت إلى ضرورة إناطة الأمر بتحاليل مخبرية لمعهد الحسن الثاني للزراعة والبيطرة، كانت كلفتها 91 مليون سنتيم، لم يكتب إجراؤها لأن الجماعة كانت غير قادرة على توفير المبلغ المذكور، واستمر "الفليور" في "طحن" البشر والحيوان.

البحر أفق أحلام
بعد انسداد آفاق البر، حول شباب الجماعة وجهتهم صوب البحر، في إطار أنشطة صيد تقليدي، وجني طحالب في واقع الحال لا تسمن سوى محتكرين ووسطاء وشركات تصدير، إذ جرى امتصاص دماء غطاسة من أبناء الجماعة وعلى أكتافهم بنى المستفيدون من ريع الطحالب مجدهم المالي، مقابل ذلك، باءت تجربة محطة تفريغ الأسماك التي بنيت بثلاثة ملايير سنتيم ضمن إطار جمعية الألفية الثالثة بالفشل وأضحت مكانا مهجورا. وتحولت سيدي عابد إلى جماعة تنام عشرة أشهر وتستيقظ شهرين، خلال فصل الصيف عندما يمتهن سكانها بيع خضر وأسماك للمصطافين.
وأمام حالة اليأس، انطلقت موجات هجرة نحو الصحراء المغربية وبالضبط صوب الداخلة، ونقل الكثير من شباب سيدي عابد من قبائل معروفة منها العسارة والسقورة وكواكة وأولاد ليسيري والسهامنة والمهانات والزنانبة، قواربهم لممارسة أنشطة صيد تقليدي، واستمروا كذلك قبل أن تضيق بهم السبل مجددا، بفعل عمليات إحصاء القوارب وترقيمها، إذ قفل عدد كبير منهم عائدا في رحلة جديدة نحو المجهول.
وعرفت سيدي عابد بنشاط عصابات متخصصة في سرقة الرمال، خاصة في منطقة الفونصوة والحرشان والغويرغات، التي تحولت إلى ما يشبه مقالع سرية تستعمل فيها الشاحنات والدواب وغيرها.
ولم تفلح الحملات التطهيرية للدرك الملكي للجديدة سابقا في قطع دابر الظاهرة، التي أفسدت جمالية الشريط الساحلي للجماعة. وفي الكثير من الأحيان بات أمنيون ورجال سلطة على مرمى حجر من خطر تلك العصابات، وإن أدت عملية التصدي الأمني، حاليا، إلى تقديم متورطين أمام جنايات الجديدة.

تجارة الموت
تناسلت أنباء في السابق عن أن بعض النقط البحرية بسيدي عابد، أضحت في أجندة مهربين للمخدرات والسجائر المهربة، خاصة في منطقة الفونصوة، وكان فاعلون أبعدوا نشاطهم من شاطئ الحرشان، خوفا من ردة فعل جنرال متقاعد في الجيش يمتلك ضيعة مخزنية شاسعة الأطراف مجاورة له. وفجأة اضحت سيدي عابد منصة هامة في تصدير البشر نحو الضفة الأخرى، خاصة شبابا من المنطقة ووافدين من مناطق أخرى. وتتم الرحلات بحسب ما استقته "الصباح"، بواسطة قوارب موت تصنع في مخادع سرية خاصة بجماعة مولاي عبدالله المجاورة، وبواسطة قوارب تسرق في غفلة من أصحابها، علما أن الذين ينظمون رحلات الموت ليسوا كلهم من أبناء سيدي عابد، كما ساعد الترويج للرحلات ومواعدها على شبكات التواصل الاجتماعي وتوثيقها على "المباشر"، على استقطاب مرشحين جدد يدفعون أقساما مالية ترتفع أو تنخفض، حسب العرض والطلب.
تتبع سيدي عابد أمنيا لمركز الدرك الملكي بسيدي بوزيد، الذي يبعد عنها بقرابة 28 كيلومترا، إذ يتم فتح مقر للدرك مؤقتا بسيدي عابد خلال فصل الصيف سرعان ما يقفل أبوابه بنهايته، ويتم الاكتفاء بمداهمات بين الفينة والأخرى، أو بسدود قضائية متى دعت الضرورة إلى ذلك، وهذا الفراغ الأمني أسقط الجماعة في أنشطة محظورة.
وحاليا، استقر رأي السلطات على فتح مقر دائم للدرك الملكي بالجماعة، مع تمكينه من الموارد البشرية والوسائل اللوجستيكية الضرورية للتصدي لكل الأنشطة الممنوعة.

عقوبات رادعة
على امتداد تاريخ الجماعة كانت العقوبات التي تصدر في حق عصابات سرقة الرمال، لا تتعدى غرامات مالية، قبل أن يتم تجريم هذه الأفعال عندما صارت الأحكام سالبة للحريات وقبل أشهر قليلة ضربت غرفة الجنايات لدى محكمة الاستئناف بقوة، في حق ضالعين في تنظيم هجرات سرية لم يكتب لها النجاح وحكمت عليهم بأربع سنوات حبسا نافذا لكل واحد منهم، في إشارة قوية تتوخى تحقيق الردع العام في صفوف حالمين بمواصلة تجارة الموت.

مقاربة تنموية

اقتنعت سلطات الإقليم أن أحسن سبيل لتنمية الجماعة وتلميع صورتها وأيضا جعل شبابها ينخرط في هذه التنمية، ينطلق من مقاربة تنموية تنخرط فيها مؤسسات اقتصادية كبرى مجاورة.
وانطلقت المبادرات قبل شهر عندما أشرف عامل الإقليم على تهيئة مركز الجماعة بمبلغ أزيد من 400 مليون سنتيم وفرها المجمع الشريف للفوسفاط، وهي إشارة إلى باقي الفاعلين الاقتصاديين للالتحاق بالركب في إطار مبادرات مواطنة تصالحهم مع محيطهم. والتفكير أيضا في بعث الأمل في شباب سيدي عابد بنقاش موسع، حول قطاعي الصيد التقليدي وجني الطحالب يضمن لهم حقوقهم في منظومة أنشطة ساحلية لحد الآن متنكرة لهم ولا يجنون منها سوى الأمراض، عندما يحدث ذلك حتما سيتمسك هؤلاء الشباب بجماعتهم وتنتهي إلى الأبد قصة قوارب اسمها يدل عليها.

عبدالله غيتومي (سيدي عابد)

share شارك

0 أضف تعليقك

التعليق
الإسم
البريد الإلكتروني
الموقع