fbpx
ملف الصباح

بياض: الاستقلال فرض تملكه للذاكرة

المؤرخ أكد وجود تعتيم على وثيقتي المنطقة الخليفية ووثيقة الشورى والاستقلال

أكد الطيب بياض، المؤرخ المتخصص في تاريخ المغرب المعاصر، أن تملك الماضي والذاكرة من قبل حزب الاستقلال هو ما سمح له بترسيخ محطة 11 يناير عنوانا مرجعيا لمطلب الاستقلال، والرقي بها إلى مستوى العيد الوطني.وأوضح بياض في حوار مع «الصباح» أن هناك أكثر من وثيقة للمطالبة بالاستقلال، أشهرها، وثيقة الجبهة القومية للوطنية المغربية، المؤلفة من حزب الإصلاح الوطني، وحزب الوحدة المغربية، ووثيقة المطالبة بالاستقلال باسم الحركة القومية التي كان يتزعمها محمد بن الحسن الوزاني. في ما يلي نص الحوار:
> تثير وثيقة 11 يناير جدلا حول دورها في تحقيق الاستقلال. هل كانت الوثيقة لوحدها كافية، أما أنها جاءت تتويجا لمسار الكفاح المسلح؟
> لا يمكن فهم وثيقة 11 يناير ودورها في تحقيق الاستقلال خارج السياق الذي جاءت فيه، ثم ما أعقبها من أحداث. فقبل تقديمها بعقد من الزمن، أي سنة 1934، قدم الوطنيون المغاربة مطالبهم الإصلاحية، التي تلزم فرنسا باحترام تعهداتها الواردة في نص معاهدة الحماية الموقعة مع المغرب يوم 30 مارس 1912.
والحال أن فرنسا لم تكتف بالاستخفاف بهذه المطالب الإصلاحية، بل أمعنت في اضطهاد المغاربة والتضييق عليهم، فلما تغيرت المعطيات الدولية مع الحرب العالمية الثانية، وبعد إصدار ميثاق الأطلسي، وانعقاد مؤتمر أنفا في 1943، انتبه الوطنيون المغاربة إلى أن شروطا جديدة قد نضجت، ما سمح لهم برفع سقف مطالبهم إلى الاستقلال، عوض الاكتفاء بإصلاحات في ظل نظام الحماية.
هذا الاختيار أدخلهم في اصطدام مباشر وعنيف مع الاستعمار، خاصة بعد مواجهة مطالبهم السلمية بالعنف المسلح، فظهرت المقاومة المسلحة في المدن وجيش التحرير في البوادي خاصة في الشمال، ما أربك حسابات المستعمر وعجل برحيله.

> يتهم البعض حزب الاستقلال باستغلال وثيقة 11 يناير. ما هي الأسباب التي تحكمت في هيمنة الحزب على الوثيقة؟ ولماذا تم تغييب الوثائق الأخرى؟

> أعتقد أن تملك الماضي والذاكرة مرتبط بدرجة الحضور في مواقع تسمح بتثبيت هذا التملك، فكون حزب الاستقلال كان قوة مؤثرة خلال مرحلة النضال الوطني، ثم استمر حاضرا بقوة في التسيير الحكومي خلال تدبير تركة الاستعمار، سمح بترسيخ محطة 11 يناير عنوانا مرجعيا لمطلب الاستقلال يرقى إلى مستوى العيد الوطني، وبالتالي حصل نوع من التعتيم على وثيقتي المنطقة الخليفية السابقة عنها بحوالي سنة، ووثيقة حزب الشورى والاستقلال التي جاءت بعدها بيومين.

> لماذا لم تنل وثائق المكي الناصري وعبد الخالق الطريس والحزب الشيوعي الاهتمام الذي نالته وثيقة 11 يناير؟
> هناك في الواقع أكثر من وثيقة للمطالبة بالاستقلال، لكن أشهرها، والتي قدمت بشكل رسمي، هي تلك التي قدمتها الجبهة القومية للوطنية المغربية، المؤلفة من حزب الإصلاح الوطني بزعامة عبد الخالق الطريس، وحزب الوحدة المغربية بزعامة المكي الناصري يوم 14 فبراير 1943 إلى السلطان والحكومة الإسبانية وقنصليتي الولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا، ثم وثيقة المطالبة بالاستقلال للسلطان والإقامة العامة يوم 11 يناير 1944 باسم حزب الاستقلال، وبعد يومين، أي يوم 13 يناير من السنة نفسها، تم تقديم وثيقة المطالبة بالاستقلال باسم الحركة القومية التي كان يتزعمها محمد بن الحسن الوزاني، والتي تحولت إلى حزب الشورى والاستقلال.
أما لماذا ترسيخ وثيقة 11 يناير لوحدها دون غيرها، فيرجع في تقديري للأسباب التي بسطتها سابقا والمتعلقة بمؤثرات تملك الذاكرة.

> يرى بعض المؤرخين أن التاريخ الفعلي للمطالبة بالاستقلال هو 29 يناير. ما هو السياق الذي وقعت فيه الانتفاضة الشعبية وكيف تعاطت السلطات الفرنسية معها؟
> بعد تقديم كل هذه الوثائق التي عكست التقاء مختلف المرجعيات والتوجهات داخل الصف الوطني على مطلب الاستقلال، ثارت ثائرة الإقامة العامة، خاصة مع تزايد لوائح التأييد لمطلب الاستقلال، وخروج مظاهرات مؤيدة لهذا المطلب الشعبي، واجهتها بقمع رهيب، كما حصل بين 29 يناير و8 فبراير سنة 1944 بعدد من المدن، خاصة سلا والرباط وفاس.

زخم في الكتابة التاريخية
> يواجه المؤرخ تحديات في عمله الأكاديمي في ظل انحياز رجال السياسة وضعف التوثيق. كيف تعاطى المؤرخون المغاربة مع هذه المرحلة؟
> هذه المرحلة اتسمت بتنوع في الكتابات التي حاولت معالجة أحداثها، هناك الأرشيفات الأجنبية، وهناك كتابات لعدد من مسؤولي إدارة الحماية، ودراسات أكاديمية لمؤرخين مغاربة وأجانب، ثم هناك مذكرات الوطنيين والمقاومين الذين عاشوا جوانب من أحداث هذه المرحلة باعتبارهم فاعلين أو شهودا. هذا الزاد المرجعي أتاح للمؤرخ تقديم قراءات تستحضر السياقات وتربط الأحداث بالبنيات.

في سطور
-أستاذ التاريخ المعاصر بكلية الآداب والعلوم الإنسانية عين الشق بالبيضاء
-منسق فريق البحث في ثقافات البحر الأبيض المتوسط
-عضو المركز المغربي للعلوم الاجتماعية
-عضو المكتب المديري لمركز محمد بنسعيد أيت يدر للدراسات والأبحاث
-مستشار علمي بهيأة تحرير مجلة زمان
-صدرت له مجموعة من الكتب والدراسات من بينها:
«المخزن والضريبة والاستعمار» و»رحالة مغاربة في أوربا بين القرنين 17 و20» و»الصحافة والتاريخ»
أجرى الحوار: برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى