خاص

الحدائق في المغرب … الوجه والتاريخ

ندوة وطنية بالمحمدية تستعيد علاقة المغاربة بالبستنة

احتضنت كلية الآداب والعلوم الإنسانية بالمحمدية، أخيرا، ندوة وطنية في موضوع “البستنة والحدائق في تاريخ المغرب” من تنظيم فريق الأركيولوجيا والتراث الثقافي الساحلي ومختبر الترجمة والعلوم الإنسانية، وبمشاركة مجموعة من الباحثين. في هذا الخاص اختارت “الصباح” بعضا من أبرز مداخلات الباحثين الذين تطرقوا إلى جوانب مختلفة لحضور الحدائق في تاريخ المغرب.
إنجاز: عزيز المجدوب

معيار الحضارة والمدنية

اعتبرت الورقة التقديمية للندوة أن “الحدائق تمثل المعيار الأنسب للحضارة والمدنية في تاريخ الشعوب، والرمز الأسمى لمدى مدنيتها، ونظرتها الفنية والجمالية في تدبير الفضاء العام وتكسير الرتابة العمرانية”.
وأضافت أن تبني نظام الحدائق وابتداعه أمر استفز الإنسان منذ القدم في سعيه إلى محاكاة الطبيعة، واقتباس أفضل مظاهرها، ومحاولة تملكها بأفضل الطرق الممكنة تجاوبا مع غاياته الوجدانية المباشرة أولا، ثم للتعبير عن كفاءته التقنية ثانيا، انتهاء بخلق الصورة الفنية المبتغاة وسط مجال العيش المشترك، وأحيانا حتى بمحاكاة المتخيل الدنيوي أو الأخروي.
وشددت الورقة ذاتها على أن المغرب باعتباره نقطة التقاء مختلف الحضارات المتوسطية، تأثر كثيرا بتداعياتها على هذا المستوى حتى وإن عرف تأخرا على مستوى انبعاث التجمعات المدينية الفاعلة أساسا في مجال استنبات الحدائق وتأطيرها العملي، وتأثر بتنظيماته السوسيو-اقتصادية القبلية، ومن ثم ظل فضاء الحديقة العامة حكرا على فترات الوجود الأجنبي (القرطاجي، والروماني، والقوطي …)، وظل حتى في فترات ازدهار دوله المركزية وفيا لأنظمة شبه حدائقية غزت نقطا مختلفة من حاراته وأزقته طمعا في استكمال الإنتاجية الغذائية قبل كل شيء، ومن ثم كانت مدنه ” جامعة بين الحضارة والبداوة “، ونادرا ما اعتملت الحديقة لذاتها إلا تأثرا بأفكار ومشاغل العنصر الأندلسي، كما تجلت في رياضات وبساتين بعض القصور والديار العامرة، ومن بينها قصور السلاطين وكبار مستوزري المخزن دون بقية الفئات.
غير أنه من المؤكد أن اختناق الفضاء المديني كاد أن يكون مستفحلا لولا الاستعاضة عن ذلك بالأحزمة المحيطة بالمدينة، والمتمثلة في المقابر والسواني والبساتين المنتجة، وهي على العموم فضاءات خضراء كانت، حتى بطبع ملكيتها الخاصة (خواص وأوقاف) دفقا بيئيا مشتركا، أمكن للعنصر المغربي تعويض نقصه الحاصل في هذا المضمار.

حدائق العالم القديم… أساطير ووقائع

اختار الباحث عبد الرزاق العسري العودة إلى جذور فكرة الحدائق والبستنة، في المجتمعات الإنسانية القديمة، إذ قال إن الحديقة وجدت حينما وجد الإنسان.
وتوقف العسري عند مفهوم الحديقة في العالم القديم، مؤكدا أن هذا المفهوم توزع بين صنفين، الأول ميثولوجي وأسطوري خالص، والثاني حقيقي وواقعي.
واستعرض الأستاذ بكلية الآداب بالمحمدية أن فكرة الحدائق الميثولوجية كانت تشترك فيها العديد من الشعوب والأديان، وأعطى مثالا بحدائق عدن أو جنات عدن، التي قال إنها خضعت لمجموعة من التأويلات، كما أن هذه الحديقة طرحت إشكالا آخر تحديد المكان الذي وجدت فيه على الأرض، مشددا على أن هذا النوع من الحدائق ظلت حبيسة الشعوب التي أنتجتها.
كما توقف الأستاذ الباحث عند “حديقة جلجامش”، وهي القصة التي تتحدر من القرن السابع من الألفية الثالثة قبل الميلاد، وتتحدث عن البطل الأسطوري جلجامش الذي يذهب في رحلة فضائية متخيلة بحثا عن نبات الخلود، إضافة إلى استحضار الكتابات المنسوبة إلى الشاعر اليوناني هوميروس وهو يتحدث عن حدائق “أدونيس” و”ألكينوس”.
أما الصنف الثاني والواقعي من الحدائق، فيقول العسري إن هذا النوع كان كثيرا في العالم القديم، واعتبر أن الظهور الأول موثق في التجربة المصرية من خلال مجموعة من الرسوم، التي احتوتها المقابر الفرعونية والتي تشير إلى وجود عناية خاصة بالحدائق خاصة أن المصريين القدماء ارتبط الحياة لديهم بعنصر الماء ونهر النيل على وجه التحديد، الذي كان له حضور مركزي في الحضارة المصرية القديمة، إضافة إلى النموذج الآشوري والبابلي في حضارة ما بين النهرين بالعراق، وكذلك الحدائق الرومانية.
من جانبه توقف الباحث محمد العيوض عند موقع لكسوس الموجود قريبا من الموقع الحالي للعرائش ويضم آثارا فينيقية ورومانية وإسلامية، تشمل عملات فضية وبرونزية وذهبية وأواني فخارية، إضافة إلى حلي ذهبية.
وتحدث الأستاذ بالمدرسة العليا للأساتذة بالرباط، عن أسطورة حدائق الهسبريد التي تقول إن هرقل جاء لقطف تفاحات ذهبية من حدائق هيسبيريدس، وهي حدائق توجد بالقرب من ليكسوس، وكان يحرسها تنين مخيف، معتبرا أن خصائص هذه الحدائق هي أنها مخصصة للآلهة.
وتأسست مدينة ليكسوس على يد التجار الفينيقيين، في القرن الثامن قبل الميلاد، وظلت عامرة على مدى 22 قرنا، من القرن الثامن قبل الميلاد إلى الرابع عشر الميلادي، حيث انتقلت من الحقبة الفينيقية، ثم الحقبة القرطاجية، ثم الحقبة المورية، فالرومانية، وصولا إلى الحقبة الإسلامية.
وبعد إنشائها بقرون، وابتداء من القرن الثالث قبل الميلاد، تطورت المدينة مع بناء حي سكني يحدّه من الناحية الغربية سور ذو طابع يوناني، ومعبد على قمة الأكروبول.
ومع بداية القرن الأول قبل الميلاد، تم تشييد معامل لتمليح السمك، والتي كانت تعتبر من أهم المنشآت الصناعية في غرب البحر المتوسط، ما يدل على المكانة التجارية التي كانت تحظى بها المدينة.

فضالة… المدينة المرجعية للحدائق

توقف الباحث عادل يعقوب عند تجربة المدينة الحدائقية التي انطبقت على المحمدية، أو “فضالة” كما كانت تسمى قديما، إذ قال إن المصالح البلدية منذ تأسيس المدينة، حرصت على تخصيص وعاء عقاري هام لهذا الغرض، فتنوعت المساحات المخصصة له كما تنوعت الحدائق، إضافة إلى العديد من المغروسات.
وأضاف الأستاذ الباحث من كلية الآداب بالمحمدية، أن مجموعة “هرسون” خلال بدايات بناء المحمدية الحديثة خلال المرحلة الاستعمارية، تبنت سياسة التشجير في الشوارع والمساكن الخاصة ومحيط المدينة، كما تم غرس 1500 شجرة على جنبات الطرق بالمدينة قبل 1934، ضمن ما مجموعه 6600 شجرة ونخلة إذ أضيفت إليها أشجار المنتزهات العامة.
واستعرض يعقوب أهم حدائق المحمدية الموروثة عن المرحلة الاستعمارية، منها “الحديقة المركزية” التي حملت عدة أسماء كان آخرها حديقة “المدن المتوأمة”، وتقع امتدادا للكازينو، قبالة الكنيسة، وأنشئت مع بدايات المدينة، وصممت الحديقة على النموذج الفرنسي أو الكلاسيك، والذي يتميز بتصميم هندسي متناظر مستقيم الخطوط حيث محاور التصميم بسيطة وواضحة مظهرة المحور الأساسي قويا ومتعامدا مع المحاور الثانوية، وفي زواياه كانت تنشأ أحواض الأزهار منسقة بشكل زخرفي، كما كانت الأشجار تقلم حسب عرض الممرات ونوع المباني وتتوسطها النافورات أو أحواض المياه، كما كانت تستخدم وسائل تعطي الإحساس باتساع الحديقة، ومنها عدم إنشاء أسوار للحديقة للاستفادة بالمناظر الطبيعية حول الحديقة، وكذلك تضييق عرض الطرق فيضيق مع البعد.
كما تحدث الباحث عن حديقة “المحطة” بمدينة الزهور، إذ قال إن حديقة المحطة أنشئت على النمط الإنجليزي على خلاف الحديقة المركزية، والذي يتميز بغياب التماثل وتموج الممرات، إضافة إلى استغلال المساحات المائية على شكل برك تربى فيها الأسماك وحتى بعض الطيور المائية، إضافة إلى وضع أسوار منخفضة.
وحملت بالإضافة إلى اسم حديقة المحطة أسماء أخرى منها “الحديقة البلدية” و”حديقة الإوز” ثم تحمل اليوم اسم حديقة “18 نونبر”، إذ قامت البلدية، على عهد الحماية الفرنسية، بتجهيزها بالنباتات والورود، وتفصل بينها ممرات مغطاة بالنباتات المتسلقة على شكل عرائش.
ولم تقتصر المجالات الخضراء في المحمدية، يؤكد الباحث نفسه، في فضالة على الحدائق، بل تم استغلال فضاء آخر لنشر الخضرة وهو المدارات، وقدم أمثلة على ذلك منها المدار الواقع قبالة المصالح البلدية، ومدار الجنرال بيتان، بساحة محمد الخامس حاليا، المنشأ سنة 1934 إذ رغم صغره النسبي فقد تم إعداده على شكل حديقة صغيرة، تتخد شكلا دائريا تماشيا مع موقعها وسط ساحة بالشكل ذاته، في تناسق مع البنايات المحيطة بها.
أما شوارع المحمدية، يتابع عادل يعقوب، فقد حفتها مختلف أنواع الأشجار في صفوف تصل إلى اثنين وثلاثة حسب عرض الشوارع، وقد خصت أغلبها بأشجار النخيل، دون أن يمنع ذلك من استخدام أنواع الأشجار الأخرى منها، مع التركيز على الأنواع الدائمة الخضرة والقادرة على التكيف مع المناخ المغربي.

الـربـاط… الـحـمايـة والإرث الـحـدائـقي

خصص الباحث حسن أميلي مداخلته للتطرق إلى الكيفية التي تفاعلت بها إدارة الحماية الفرنسية مع الموروث الحدائقي بالرباط، والذي يختزن قرونا من الحضارات والدول التي تعاقبت عليها، وخلفت رصيدا مهما من الحدائق والرياضات و”الجنانات”.
واستحضر أميلي مجموعة من الفضاءات الخضراء التي كانت تتميز بها الرباط قديما، منها بساتين أكدال خارج الأسوار الموحدية، إضافة إلى حدائق “المنبهي” و”مولينا” و”المامونية” ثم منزه برق الليل ومنزه “بنغبريط”.
وتتبع أميلي تطور الرباط العصرية خارج أسوار المدينة وكيف أن البنايات الأولى التي تشكلت خلال السنوات الأولى للحماية، فاجأت الماريشال ليوطي الذي اعتبرها “فظاعة معمارية”، ليشرف على تهيئة مدينة قائمة على مبدأ عدم المساس بالطبيعة وشكلت الحدائق منطلقها الأساسي.
وقال أميلي إن مصلحة التعمير التابعة للحماية الفرنسية تبنت الرباط باعتبارها إحدى المدن التي ستطبق فيها نظرية جان كلود فورستييه، “مدينة حدائقية” وحسبما سيتبين فإن هذا الاختيار كان نابعا من مقومات مشهدية.
وأشار المتحدث نفسه إلى أن ثقافة الحدائق دخلت مع دخول الثقافة الأوربية إبان فترة الحماية وكيف أثثت فضاء المدن الكبرى، بإدراجها في التخطيط العمراني الحديث وظهور المنتزهات الحضرية في المدن الكبرى، كحديقة للاعائشة بوجدة وحديقة جنان السبيل بفاس، ولحبول بمكناس، ومردوخ بالبيضاء، وحدائق التجارب بالرباط، والحدائق العجيبة ببوقنادل وغيرها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق