fbpx
ملف الصباح

الشعودة … ولّادة يا خرافة

الفرنسي دوتي يفكك طقوس الشعوذة في شمال إفريقيا

اعتقد الإنسان، منذ فجر البشرية، في ربط الظواهر الخارقة للطبيعة بالسحر والشعوذة، في الوقت الذي لم تكن له القدرة على ربط الأسباب مع بعضها، من أجل إيجاد تفسير معقول لما كان يجري أمامه.
وشكل هذا الاعتقاد الخرافي والذي يمثل مرحلة بدائية في العقل البشري، البذرة الأولى لسيادة الإيمان بالسحر والشعوذة وقدرتهما على التدخل في مصائر الناس والطبيعة وبقية الكائنات، لدرجة أن ما بلغه العلم من تقدم وقدرة فائقة على تفسير ظواهر كانت إلى الأمس القريب تدخل في دائرة الغيبيات، لم يحل دون استمرار الاعتقاد في قدرة السحر على حل المشاكل أو اختلاقها.
وفي كتابه “السحر والدين في إفريقيا الشمالية” يتوقف الباحث الفرنسي إدموند دوتي عند ممارسة طقوس السحر بالبلدان المغاربية خاصة الجزائر والمغرب اللذين خصهما بنصيب وافر من تحليل واستقراء الممارسات الغيبية فيهما.
ويعتبر هذا الكتاب أول دراسة شاملة من وجهة نظر إثنوغرافية وسوسيولوجية للسحر ببلدان شمال إفريقيا. إذ نشر سنة 1908، في وقت كانت الدراسات السوسيولوجية والأنثربولوجية عن البلدان العربية والإفريقية لا تزال خاضعة للإثنوغرافيا العرقية الموافقة للنظرة الاستعمارية ومقاصدها.
وهو يتناول هذه الظاهرة بالتقصي والبحث بالرجوع إلى المصادر العربية والإسلامية وإلى البحث الميداني، ويعيد النظر في رأي شائع آنذاك، مفاده أن السحر ظاهرة مخصوصة بغرب العالم العربي، ليؤكد أن السحر ظاهرة تشمل مجمل العالم العربي، وأن مرجعياته المكتوبة مشرقية ومغربية في الآن نفسه. كما ينفلت الكاتب بذكاء وقاد من كل الأحكام الجاهزة التي كانت سائدة حينها عن العرب والإسلام، بالنظر إلى معرفته العميقة بالنصوص المرجعية الإسلامية وتاريخ العرب.
ويصف دوتي السحر بأنه “علم زائف” ومع ذلك يقول إنه “يتضمن في داخله فلسفة للإحساس والإرادة سيصدر عنهما الدين”، ويميز في هذا السياق بين السحر البدائي المفتقد إلى الطقوس، وهو سحر العين الشريرة.
ويرى الباحث الفرنسي أن الطقوس عبارة إما عن حركات أو كلمات أو رسوم أو صور، والطقوس المصورة هي أولا قبل كل شيء كتابات، ونموذجها هو التميمة، التي قبل بها الإسلام، إذ تشكل التميمة القرآنية إحدى سمات التدين الشعبي الإسلامي، والطقوس اللفظية هي العزائم التي أصبحت بسرعة من أهم الطقوس في السحر وهي التي صدرت عنها الدعوات والابتهالات، حسب الباحث نفسه.

“السحر الأسود”

يرى صاحب كتاب “مهام في المغرب بين القبائل” أن السحر البدائي اندثر أمام سيادة الإسلام، إلا أنه بالإمكان إعادة تشكيلة انطلاقا من الأنقاض التي ظلت باقية منه، وبعضها عبارة عن ممارسات شعبية وأنقاض تقبلها الإسلام، وأخرى ظلت محرمة ومرفوضة باعتبارها سحرا شريرا يتعارض مع مرامي الدين، وهو “السحر الأسود”.
ويقول دوتي إن “القوة التي كان البدائي يحركها في السحر والتي ما يزال الساحر يستخدمها في السحر الأسود، أي تلك الرغبة أو الخوف اللذين يعبر عنهما نصادفهما في الدين”. ويضيف أن الديانات، بشكل عام، قامت بامتصاص كافة المعتقدات السحرية، ففي الوقت الذي تتغير فيه المعتقدات، يظل الطقس باقيا كتلك المحارات المستحثة للرخويات المنقرضة التي تساعدنا على تحديد تاريخ العصور الجيولوجية.

عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى