fbpx
حوادث

مختلسو البنوك … إعادة الأموال مقابل السراح

أطر بنكية وزبناء يلجؤون إلى إعادة المبالغ المختلسة للاستفادة من السورسي

إنجاز: عبدالحليم لعريبي

تزايد اختلاس أموال المؤسسات البنكية التابعة للدولة، ما يدفع القضاء إلى التشدد في ملاحقة المتورطين، ومتابعتهم في حالة اعتقال احتياطي. ورغم تشدد غرف التحقيق والجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بالرباط، في قراراتها القضائية، إلا أن إرجاع المتابعين للمال العام والحصول على تنازلات مكتوبة من الممثلين القانونيين للمؤسسات البنكية المشتكية، يدفع المحكمة إلى متابعتهم في حالة سراح وعقوبات حبسية موقوفة التنفيذ.

قاعة غرفة جرائم الأموال الابتدائية لدى محكمة الاستئناف بحي الرياض بالرباط، لا تبعد عن غرفة التحقيق الخامسة المكلفة بالأبحاث مع المتهمين المتورطين في قضايا تبديد الأموال العمومية واختلاسها والتزوير في المحررات البنكية، سوى بأمتار قليلة. هذه الغرفة تستقبل كل اثنين مختلسي أموال المؤسسات البنكية التابعة للدولة كالقرض الفلاحي والعقاري والسياحي والبنك الشعبي وبريد بنك. الاختصاص الترابي لهذه الغرفة يمتد من العاصمة الرباط نحو طنجة وتطوان، مرورا بالقنيطرة وسيدي قاسم وسيدي سليمان وسلا والخميسات. قضايا مثيرة لهذه الملفات اختلفت طرق الجرائم فيها لكن عنوانها الأبرز يبقى هو “الاختلاس وتبديد المال العام”.
لم تقتصر المتابعات فقط على مديري الوكالات البنكية أو مستخدميها فقط، بل تطيح هذه القضايا بزبناء، ضمنهم الشركات التي تحصل على قروض بدون ضمانات، وباستعمال “الكمبيالات” المشكوك في مصدرها وتواريخ صرفها، لكن الفضيحة حينما تتفجر أثناء إجراء أبحاث داخلية للمؤسسات البنكية، تجر وراءها الزبناء المستفيدين من أموال الدولة عن طريق التدليس، ويجدون بدورهم أنفسهم أمام ردهات الاعتقال.

القرض الفلاحي في المقدمة
الملفات المعروضة على قضاء جرائم الأموال بالرباط يحتل فيها القرض الفلاحي نصيب الأسد، إذ هناك متابعون من الجماعات الترابية لحد كورت وسيدي قاسم وسيدي علال التازي والقنيطرة، حيث يوجه قضاء التحقيق للمسؤولين البنكيين تهم اختلاس وتبديد الأموال العمومية والخاصة والتزوير في محررات بنكية، فيما الزبناء يتابعون بجرائم المشاركة في هذه الجنايات.

داخل القاعة الرابعة يحتل المتهمون المتابعون في حالة سراح الصف الخاص بالحضور داخل الجلسة، فيما يملأ المعتقلون الجناح الخاص بالمتابعين في حالة اعتقال احتياطي.

إرجاع الأموال مقابل السراح
نادى رئيس الغرفة، الاثنين الماضي، على متابع في جريمة المشاركة في اختلاس وتبديد أموال القرض الفلاحي بوكالة “الساكنية” بالقنيطرة. نهض المتابع في حالة سراح وهو مطمئن البال، وقف أمام القاضي الذي تلا عليه اسمه العائلي والشخصي واسمي والديه، وبعدها انتقل إلى التعريف بالتهمة المنسوبة إليه. بعدما أنهى رئيس الهيأة التهم المكيفة للمتابع حتى رد “أنا السيد الرئيس عندي تنازل من القرض الفلاحي ورديت الفلوس”، وبعدها أكد دفاعه تسوية الوضعية المالية مع المؤسسة البنكية.
بعدما انتهت المحكمة من الاستماع إلى المتهم غادر القاعة برأس مرفوع، وبعد الزوال عاد إليها ليسمع منطوق الحكم في حقه بسنتين موقوفة التنفيذ وغرامة مالية لفائدة خزينة الدولة.
استفاد هذا المتهم من متابعة في حالة سراح أمام قاضي التحقيق المكلف بالبحث التفصيلي مع المتابعين في الجرائم المالية، بعدما عبر عن حسن نيته في تسوية الخلاف المالي مع المؤسسة، إذ أشرف دفاعه وعائلته على استرداد المبلغ المالي والحصول على التنازل المكتوب، ثم غادر الزبون المشارك في الجريمة ردهات الاعتقال الاحتياطي بالسجن أثناء مرحلة التحقيق التفصيلي.

عقوبات موقوفة التنفيذ
حالة المتهم في وكالة “الساكنية” تشبه حالات كثيرة، فكلما وصلت المؤسسة البنكية إلى حل ودي مع المتهم وينتهي الأمر بتنازل واسترداد ما ضاع منها من أموال، إلا واستفاد المتورط من السراح ومن عقوبات حبسية موقوفة التنفيذ. ولا يعترض الممثل القانوني للبنوك التي تملك فيها الدولة أسهما كبيرة، على طلبات التنازل من المؤسسة التي يمثلونها مقابل شرط أساسي، هو استرجاع الأموال لفائدة الجهة المطالبة بالحق المدني.

عقوبات مشددة لرافضي إعادة الأموال
في الوقت الذي يلجأ فيه العديد من المتابعين في حالة اعتقال إلى طلب التنازل، مقابل إعادة الأموال إلى المؤسسات البنكية، يرفض آخرون هذا الاتجاه، خصوصا من قبل المسؤولين البنكيين الذين أثبتت في حقهم الخبرات الحسابية المنجزة وكذا تقارير لجن التفتيش، سطوهم على مبالغ مالية مرتفعة، فيفضلون البقاء بالسجن للتمتع بالأموال المختلسة ما بعد مرحلة الاعتقال.
وتصدر غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال عقوبات سجنية مشددة وصلت في حق مدير وكالة تابعة للبنك الشعبي بطنجة إلى ثماني سنوات سجنا نافذا، بعدما رفض تسوية الخلاف مع المؤسسة البنكية. وتلجأ الغرفة إلى الحكم في المطالب المدنية للمؤسسات المشتكية بمبالغ مالية تقترب من الخبرات الحسابية المنجزة، كما تلجأ المحاكم في العديد من القضايا المعروضة عليها، من قبل البنوك إلى إجراء خبرات حسابية مضادة على خبرات هذه المؤسسات، للتحقق من القيمة الحقيقية للأموال المختلسة، وحتى تكون الخبرات النهائية مرجعا رئيسيا في الاستجابة لملتمسات الجهات المشتكية في المطالب المدنية.

الاستئناف فرصة أخرى
بعد صدور الأحكام الابتدائية المشددة في حق المتورطين في اختلاس الأموال العمومية وتبديدها، يجد هؤلاء أنفسهم أمام غرفة الاستئناف الجنائية ملاحقين بالتهم ذاتها، لكن ما يطبع مراحل المحاكمة أمام الدرجة الثانية من التقاضي بجناح الجرائم المالية بالرباط، أن المتهمين الذين يرفضون إعادة الأموال، يراجعون أنفسهم قصد فتح باب الصلح والتنازل.
التفكير في قضاء العقوبات السجنية المشددة وأداء الغرامات المالية والأحكام بالتعويضات لفائدة المطالبين بالحق المدني، كما يجد المتهم نفسه أمام الأمر الواقع أمام أحكام التعويضات والتفكير في قضائها بموجب الإكراه البدني والإيمان بأن الدولة لا تسمح في مالها، يدفع شريحة عديدة من المعتقلين إلى طلب التسوية مقابل التسهيلات في الأداء.

أحكام غيابية بسبب الفرار
تصدر غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بين الفينة والأخرى أحكاما نافذة غيابيا في حق أطر بنكية وزبائن ومديري مقاولات، بعدما يختفون عن الأنظار ويتخلفون عن الحضور إلى قاعة المحاكمة رغم الاستدعاء، وغالبا ما تكون العقوبات مشددة في حقهم بسبب رفض الحضور ووجود وسائل الإثبات.

“السورسي” لتشجيع رد الأموال
قال أحد المحامين المهتمين بالترافع عن المتورطين في الاختلاس والتبديد، إن الأحكام التي تصدر عن الغرفة الجنائية الابتدائية بالحبس موقوف التنفيذ “السورسي”، هو تشجيع من قبل العدالة للمتهمين قصد استرجاع الأموال المسروقة، مقابل حصولهم على تنازل، من قبل المؤسسات البنكية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى