fbpx
خاص

وجدة … جسد ميت ينخره “البلوكاج”

حسابات سياسية عطلت مشاريع التنمية وغياب بدائل للتهريب ملفات بقيت مستعصية على الحل

«قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل …»، مطلع معلقة امرؤ القيس، يصلح إسقاطه على حال وجدة اليوم، ففي الوقت الذي تعيش خلاله ربوع المغرب على إيقاع الأوراش الكبرى والمشاريع التنموية الاقتصادية والاجتماعية، توقفت عجلة التنمية بعاصمة الجهة الشرقية، التي كانت إلى حدود الأمس قبلة للتجارة وللباحث عن فرصة في الحياة، لا لشيء سوى لحسابات سياسية ضيقة بين أحزاب الأغلبية والمعارضة المُشكلة للجماعة الحضرية وجدة، وهو ما جعل سكانها يستحضرون المعلقة الشهيرة لرثاء مدينة صارت أسيرة لـ «بلوكاج» يصعب الخروج منه.
إنجاز: محمد بها وتصوير عبد اللطيف مفيق (موفدا الصباح إلى وجدة)
أصبحت وجدة سوداوية في كل مناحي حياتها اليومية. كيف لا وشبابها وسكانها يعانون البطالة وتجارتها تعاني كسادا جراء غياب بديل لوقف التهريب المعيشي! وهو ما ينذر بكارثة اجتماعية خطيرة، كما أن فضاءاتها وشوارعها رغم ما تتميز به من نظافة تعج بالمتشردين والمدمنين على المخدرات والمهمشين وأيضا المهاجرين الأفارقة، وصار انتظار الخروج من عنق الزجاجة أمل الوجديين وضيوفهم، بعدما كانت المدينة تعتبر منطقة جذب وعبور مهمة في المغرب.

بنيات تحتية متهالكة
الطرق المهترئة، والإضاءة الباهتة في معظم أحياء ودواوير وجدة، وقلة الفضاءات والمرافق العمومية، وتراجع المساحات الخضراء أمام انتشار المشاريع الإسمنتية بفعل مشكل التوسع العشوائي للنسيج العمراني، واحتلال الملك العمومي، واقع يمكن جمعه ليعطينا لوحة مشكلة تحت عنوان «نفق مظلم».

مشاريع موقوفة التنفيذ
من بين المشاريع التي لم تخرج إلى النور بعد، المصانع والمعامل المختصة بصناعة السيارات والأسلاك الكهربائية والتجهيزات الإلكترونية على شاكلة البيضاء والقنيطرة وطنجة، إذ عبر عدد من سكان وجدة في حديث مع “الصباح”، عن أملهم في استقطاب الحكومة للمستثمرين المغاربة والأجانب لوجدة وتشجيعهم للاستثمار فيها لانتشال شباب المنطقة من براثن البطالة والتعاطي للمخدرات.
وأجمع عدد من المتدخلين أنه على المسؤولين وضع مخطط استعجالي يصحح الاختلالات التي تعيش على وقعها وجدة، ويقوم بتحسين مستوى عيش الأفراد والجماعات، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه للنهوض بالمدينة وجعلها عاصمة للجهة الشرقية حقيقة، وليس مجرد شعار يرفع، حتى يتم تصحيح الصورة السوداوية التي كونها السكان عن مدينتهم.

بكاء على الأطلال
يسترجع سكان وأهالي وجدة ذكريات الأيام الغابرة التي كانت تعرف فيها المنطقة توهجا كبيرا وحركية اقتصادية، بفعل موقعها الإستراتيجي بوابة لعبور المسافرين والسلع المهربة القادمة من الجارة الجزائر.
وطالب سائق سيارة أجرة في حديث مع “الصباح”، بأن تتحرك وزارة الداخلية لإيفاد لجنة للتحقيق في الخروقات والعشوائية التي يعرفها تسيير شؤون الجماعة الحضرية لوجدة، وكذا من أجل إخراج عاصمة الجهة الشرقية من البلوكاج وتضارب المصالح الانتخابية، التي جعلتها حبيسة مستنقع الفوضى والبؤس.

“بلوكاج” الميزانية
“مسلسل إنا عكسنا” جملة يصلح إسقاطها على حال مشروع ميزانية وجدة التي تقدر ب 43 مليار سنتيم، والتي صارت معلقة، بعد أن صوتت غالبية مجلس جماعة وجدة على رفض مشروع ميزانية المجلس ل 2020، ففي المرة الثانية على التوالي، بعد عقد دورة استثنائية تضمنت نقطة فريدة متمثلة في الدراسة والتصويت على مشروع الميزانية يتم رفض الميزانية.
وتميزت الدورة الاستثنائية بتصويت 24 عضوا ينتمون لحزب العدالة والتنمية برفض مشروع ميزانية 2020، بينما امتنع 22 مستشارا ينتمون إلى حزب الأصالة والمعاصرة عن التصويت، مقابل التصويت بنعم من قبل ستة مستشارين من حزب الاستقلال، وهو ما جعل المجلس الجماعي يفشل في المصادقة على ميزانية المدينة.
وسبق أن قدمت ميزانية وجدة للتصويت في دورة عادية في أكتوبر الماضي، إلا أنه تم رفضها بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني لغياب مستشاري حزب “البام”، فاضطر عمر حجيرة رئيس المجلس الجماعي إلى عقد دورة استثنائية للمجلس، للمصادقة على ميزانية وجدة، قبل أن تعرف الفشل نفسه.
وبهذا التصويت، تستمر حالة “البلوكاج” التي يعيشها مجلس جماعة وجدة منذ انتخابات 2015، بعدما فقد رئيس الجماعة عمر حجيرة، أغلبيته المسيرة بتحالف مع حزب الأصالة والمعاصرة، إثر خلافات عميقة نشبت بين طرفي التحالف، ولذلك تبقى المشاريع التنموية بعاصمة الشرق معلقة إلى حين أن يتفق الإخوة الأعداء على إيلاء مصالح المنتخبين الأولوية والتحرر من هاجس الحسابات السياسية الضيقة.

تراشق واتهامات
في بلاغ شديد اللهجة، هاجم مكتب فرع حزب الاستقلال بوجدة، حزبي العدالة والتنمية والأصالة والمعاصرة بمجلس الجماعة، بسبب التصويت بالرفض للمرة الثانية على مشروع ميزانية المجلس ل2020، خلال الدورة الاستثنائية التي عقدت أواخر الشهر الماضي.
واعتبر فرع حزب الاستقلال بوجدة في البلاغ ذاته، قرار اصطفاف حليفه في الأغلبية (حزب البام) مع المعارضة (حزب العدالة والتنمية) “إخلالا خطيرا وصورة جديدة من العبث الذي عرفه المجلس الجماعي منذ اليوم الأول، وحلقة جديدة من تبخيس العمل السياسي الناضج والمسؤول”.
وتأسف رفاق عمر حجيرة على بلوغ مهمة الانتداب الجماعي مستوى مماثلا من “الاستخفاف والحربائية”، محذرين في الوقت نفسه من تأثير الخلافات والانقسامات الداخلية لمكونات المجلس على السير العادي للجماعة.
ولم يسلم حزب “المصباح من هجوم فرع حزب الاستقلال بوجدة، فقد استهجن ما اعتبرها “المواقف الغريبة للفريق المحسوب على المعارضة”، والتي لا تقدم، حسب وصفه، بدائل موضوعية لخطة التسيير، بقدر ما تمعن في الغوغائية المكشوفة، مستغربا من استفادة جزء من فريق العدالة والتنمية من التسيير، وذلك بترؤسه عددا من اللجان الدائمة، ثم “يستعير في جلسات المجلس خطاب المظلومية والمعارضة ويصوت كذلك ضد ميزانية المدينة”.

احتلال الملك العمومي… حل مؤقت
دفع غياب مشاريع صناعية وتراجع عائدات التجارة بعد قرار محاصرة التهريب المعيشي بإغلاق كافة المعابر الحدودية التي يمكن أن يتسلل منها المهربون، شباب وأرباب الأسر الوجدية إلى الارتماء في أحضان جنبات الطرق والأرصفة والساحات العمومية بافتراش الأرض، لعرض سلعهم المتنوعة وابتداع حرف ومهن جديدة لتوفير قوتهم اليومي.
ورغم استفحال هذه الممارسات الفوضوية في واضحة النهار إلا أن السلطات لم تحرك ساكنا، بسبب وقوفها على ما يعيشه أبناء المدينة من أزمة اقتصادية خانقة، جراء وقف التهريب المعيشي، بإغلاق وتشديد المراقبة على كافة منافذ التهريب.

غياب بديل للتهريب
ولأنها مدينة كانت تعيش على عائدات التهريب المعيشي بفضل موقعها الحدودي الهام، وفي غياب مشاريع استثمارية وطول مسلسل “بلوكاج الميزانية” فإن معدل البطالة بوجدة بدأ في ارتفاع صاروخي.
ويصل المعدل الجهوي للبطالة إلى أكثر من 19 في المائة، بسبب اقتصاد المدينة المرتبط بالحدود مع الجزائر، وينتعش عند فتح المعابر وينكمش عند إغلاقها.

صــرخــة وتــظــلــم
قال عدد من سكان وجدة الذين التقتهم “الصباح”، إنه لم يتبق اليوم من إشعاع المدينة التي تعتبر منفذا لعدة مدن وأقاليم إلا تحولها إلى البؤس، مشيرين إلى أن واقعها المتردي يجعل الغيورين عليها يقررون عدم السكوت، لأن الصمت مشاركة في جريمة إهمالها وتهميشها.
ومن خلال رحلة المعاينة التي قام بها طاقم “الصباح” يمكن استنتاج أن ما تعرفه وجدة من مظاهر الفوضى والتسيب في جميع المجالات واستفحال الأزمة الاقتصادية بسبب غياب بدائل لوقف التهريب المعيشي، وتردي مستوى خدماتها الذي ينعكس سلبا على حياة سكانها، تجعلها أسيرة “زمن القرون الوسطى” وتنتمي إلى المغرب غير النافع الذي يحتاج إلى نموذج تنموي، يعيد الاعتبار إلى المدن والحواضر المهمشة، حتى يكون هناك إقلاع اقتصادي وتنمية يستفيد منهما المغاربة بالتساوي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق