fbpx
ملف الصباح

“سيكيريتي” … عبيد الصنك

آلاف حراس الأمن الخاص يعيشون بلا كرامة في وضعية اجتماعية تحت الصفر

تشبه حكايات حراس الأمن الخاص بالمغرب كتاب حياة الفنان «الشعبي» المصري الراحل حسن الأسمر الذي لا يتجاوز حيز الفرح فيه سطرين فقط، والباقي كله عذاب.
حكايات ألم وحرقة وكثير من «الحكرة» والامتهان، يداريها، في صمت، آلاف الأعوان والمستخدمين «المسمرين» ساعات طوال، بملابس عمل موحدة، أمام الإدارات والشركات والمرافق الحكومية والمستشفيات والفضاءات التجارية الكبرى والمطاعم والفنادق والمسابح والنوادي الرياضية، وغيرها من المؤسسات التي لا تدخل في نطاق قطاعات الجمارك والأمن والجيش والدرك الملكي والقوات المـساعدة.
حراس من فئات اجتماعية وأعمار مختلفة، وأحيانا من الجنسين، تشعر أن القدر رمى بهم إلى أسوأ مهنة بالمغرب، هي أقرب إلى العبودية منها إلى عمل «محترم» ينظمه قانون ومراسيم ومذكرات وزارية وتحكمه ضوابط مدونة الشغل، إذ لا حديث إلا عن أجور متدنية واقتطاعات عشوائية ومزاجية، وطرد تعسفي وغيره، وساعات شقاء دون تأمين في أغلب الأحيان، أو تسجيل في صناديق الحماية الاجتماعية والــــــصحية.
ي.س

تشريع قانوني يشجع على الجشع

عشرات الشركات تناسلت منذ 2007 مستغلة وضعية البطالة وخوف المغاربة من الإرهاب واللأمن
لأسباب متعددة، ظلت بعض شركات الحراسة منفلتة من القانون، تطبق منه ما ينسجم مع مخطط رفع الأرباح وأرقام المعاملات السنوية التي حولت أشخاصا عاديين بدون شهادات وديبلومات وكفاءات ومهاجرين سابقين ومقربين من مسؤولين ورؤساء جماعات ومديري مؤسسات عمومية، إلى أثرياء يتحركون في أحدث أنواع السيارات، ويجوبون «ضيعات العبيد»، ويصدرون الأوامر والتوجيهات والسباب من نوافذ هذه السيارات، دون أن تطأ أقدامهم الأرض.
واستغل عدد من الأشخاص، في سياقات محددة، حاجة مؤسسات وقطاعات ونواد ومطاعم وفنادق إلى يد عاملة تؤمن لهم حراسة المداخل والأبواب، للهرولة إلى تأسيس شركات بدون رأسمال تقريبا، وبعدها وضع ملفاتهم لدى هذه المؤسسات للاستفادة، إما بشكل مباشر، من الصفقات وطلبات العروض، أو عن طريق مسطرة منافسة مشبوهة.
وشهدت 2007، طفرة كبيرة في هذا النوع من الشركات التي تأسس بالمئات في مختلف المدن المغربية، مستغلة ارتفاع نسبة العطالة في صفوف الشباب، وحاملي الشهادات العليا الذين يقبلون بأي شيء مقابل إنقاذهم من جحيم «قلة ما يدار»، كما استغلت مناخ الخوف والرعب الذي فرضته الضربات الإرهابية لماي 2003 وأبريل 2007.
وتزامن تنامي شركات الحراسة أيضا، مع بدء انسحاب عدد من الموظفين المصنفين من السلالم الدنيا الذين كانوا يقومون بوظائف الحراسة في عدد من الإدارات العمومية، وعجل حذف هذه السلالم ووصول عدد من الأعوان إلى سن التقاعد، بدخول هذه الشركات إلى مجال الشغل، لسد الفراغ.
ومع التزايد اللافت لهذه الشركات، تنبه المشرع إلى الفراغ القانوني الذي يحيط بهذا القطاع، إذ ظل أصحاب الشركات «يحتكمون» إلى نصوص قانونية قديمة، مثل الظهير الصادر في 7 أبريل 1933 المتعلق بالمشروعات، أو الشركات الراجعة للحراسة، أو المراقبة الخصوصية، وكذا ظهير 10 ديسمبر 1951 في شأن الحراس الخصوصيين.
وانتظر المغرب إلى 2007، لوضع مشروع تشريع منظم لشركات الحراسة الخاصة ونقل الأموال، لم يدخل حيز التنفيذ إلا في 22 شتنبر 2012، بهدف تقنين وهيكلة نشاط الحراسة والأمن الخاص، وسد الفراغ القانوني الذي يعود عهد الحماية الفرنسية.
وسبق دخول القانون حيز التطبيق، صدور مرسوم تطبيقي ومجموعة من القرارات الوزارية، ويتعلق الأمر، بالنسبة إلى شركات الحراسة، بالقرار المشترك لوزير الداخلية ووزير التشغيل والتكوين المهني رقم 900.12 صادر في 24 فبراير 2012 المتعلق بشروط نيل دبلوم أو شهادة تثبت الأهلية المهنية للقيام بأعمال الحراسة، كما صدر قراران يهمان أعمال نقل الأموال، ويتعلق الأمر على سبيل الذكر بالقرار المشترك لوزير الداخلية ووزير التجهيز والنقل ووزير التشغيل والتكوين المهني رقم 2898.12 صادر في التاريخ نفسه، ويتعلق بشروط نيل دبلوم أو شهادة تثبت الأهلية المهنية للقيام بأعمال نقل الأموال، والقرار المشترك لوزير الداخلية ووزير التجهيز والنقل رقم 899.12 الذي يحدد الخصائص التقنية لعربات نقل الأموال.

نظام عبودية مقنن
يعرف القانون شركات الحراسة الخاصة، الشركات التي تروم تقديم خدمات، بجميع الوسائل المأذون فيها قانونا، بمراقبة، أو حراسة أماكن عامة، أو خاصة أو منقولات، أو عقارات وكذا سلامة الأشخاص الموجودين بالأماكن، أو العقارات. ويشمل هذا التعريف فقط الأعمال التي يمارسها أشخاص آخرون غير أحد المرافق العامة الإدارية التابعة للدولة، خاصة منها مصالح الدرك الملكي والأمن الوطني والقوات المساعدة والجمارك.
وألزم القانون رقم 27.06 الشركات المزاولة لنشاط الحراسة الخاصة بضرورة التصريح للإدارة بوجودها ونوعية نشاطاتها وعدد ومؤهلات مستخدميها، وذلك تحت طائلة سحب الرخصة منها، كما أعطاها المشرع مهلة ستة أشهر من أجل تصحيح أوضاعها والاستجابة للمقتضيات التي جاء بها القانون.
ويقع القانون 06-27 في خمسة أبواب و23 مادة تضع شروطا وأحكاما صارمة لمزاولة المهنة، خصوصا في ما يتعلق بجانب الموارد البشرية، إلا أن ما يجري في الواقع هو عكس ذلك تماما، إذ يشتكي عدد من الحراس من جور في الأجور لا يصل، في أغلب الأحيان، إلى الحد الأدنى، ناهيك عن الساعات الطويلة من العمل في ظروف أمنية ومناخية صعبة، دون تعويض عن الساعات الإضافية.
ويشتكي عدد من الحراس من نظام العبودية المقنن، إذ يفرض عليهم الاشتغال وقوفا طوال النهار، وفي حالة الإخلال بهذا الشرط، يجري اقتطاع أجرة يوم من رواتبهم، كما يحرم عدد منهم من التغطية الاجتماعية والتسجيل في الصندوق الضمان، ويهددون بالطرد في كل حين.

يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق