خاص

كيش الوداية … ترحيل مع وقف التنفيذ

400 أسرة تنتظر بقعا لإعادة إيوائها ومنازلها القديمة مهددة بالسقوط

أراضي كيش الوداية كانت إلى وقت قريب عبارة عن هكتارات فلاحية خصبة، يستغلها ذوو الحقوق من السلاليين،فتحولت إلى منطقة إستراتيجية بحكم قربها من حي الرياض بالرباط شمالا، وتمارة جنوبا. هذه الأرض مازالت تقطنها أسر منذ عقود إلى اليوم في مبان قديمة، فتداخل معها المجال القروي بالحضري، واخترقها السكن العشوائي من كل الواجهات. ومع تزايد الزحف الإسمنتي شرع المنعشون العقاريون في التهافت عليها، كما تحولت إلى مصدر ريع يستفيد من أراضيه بعض من المحسوبين على جهات الصحراء الثلاث، ورجالات الدولة والرياضيين والفنانين، ومازالت 400 أسرة من سكان أولاد امطاع وأولاد جرار تقطن بيوتا غير آمنة، طوقتها “البراريك” والعمارات من كل الواجهات.

إنجاز: عبدالحليم لعريبي- تصوير (عبدالمجيد بزيوات )

أولاد جرار وأولاد امطاع بمنطقة كيش الوداية الواقعة بين الرباط وتمارة، كانت في السنوات الماضية أراضي شاسعة يستغلها ذوو الحقوق من الجماعة السلالية في الفلاحة. ومع تزايد التوسع العمراني بالرباط وتمارة، زحف الإسمنت على المنطقة، ما أحدث مفارقات مجالية غريبة، ومازالت 400 أسرة تحاصرها عمارات ومشاريع سكنية، تنتظر إعادة إيوائها عن طريق منحها بقعا أرضية، كما طوق البناء العشوائي المباني القديمة لذوي الحقوق من مختلف الواجهات.
ونظرا للموقع الجغرافي للمنطقة التي باتت تستقطب الراغبين في الحصول على بقع سكنية وعمارات غير بعيد عن حي الرياض، مازال ذوو الحقوق يعانون في صمت، بعد سنوات من النضال للحصول على التعويض والبقع سكنية تضمن لهم كرامتهم، وتعيد لهم الاعتبار.
ووجد السكان القدامى ذوو أنفسهم محاصرين ببنايات شاهقة، فيما تحولت منازلهم إلى دور آيلة للسقوط، تنهار بين الفينة والأخرى، وأصبحت معها حياة السكان معرضة للخطر، فكلما حل فصل الشتاء يحبس القاطنون بهذه الدور أنفاسهم.

قرارات الهدم والترميم
عائلات ساسبو والشلخة وفرحون…تقطن بيوتا آيلة للسقوط، تخترق الأمطار أسقفها كلما حل فصل الشتاء. هي معاناة حقيقية لمسنين وعائلات تعاني الهشاشة الاجتماعية والفقر المدقع.
“با إدريس” رجل عجوز يلقبه سكان المنطقة بهذا الاسم،فخانه البصر، دون أن يشهد على حلمه في التعويض والسكن بمنزل يحفظ كرامته،ومازال يعيش في بيت تتساقط الأتربة فيه بين الفينة والأخرى، وسطح منزله زاد في التصدع مع مرور الزمن. هذا الموظف المتقاعد كلما أشرقت الشمس تساعده أسرته على الخروج من غرفته المهترئة للجلوس بجنبات البيت الآيل للسقوط، خوفا من انهياره في أية لحظة.
مع تزايد المخاطر المحدقة بالمنازل القديمة بأولاد جرار، دق السكان ناقوس الخطر، فحلت بالمنطقة لجنة تضم رؤساء مصالح مختلطة بعمالة الصخيرات تمارة، والتي حددت العديد من المنازل المهددة بالسقوط فوق رؤوس قاطنيها، وأوصت باتخاذ قرارات عاجلة للترميم أو الهدم أو الدعم لفائدة ذوي الحقوق، وبعدها أصدرت جماعة تمارة قرارا لمعالجة الأمر، للحيلولة دون إبقاء الوضع على ما هو عليه.
ويقول مصطفى الثابتي الكاتب العام لجمعية أولاد جرار للتنمية، في لقاء مع “الصباح” إن العديد من المنازل المهددة بالسقوط يفوق عمرها 60 سنة، وإن قاطنيها ظلوا ينتظرون الحل من السلطات الوصية حوالي 40 سنة، باعتبارها منطقة إستراتيجية تفصل بين الرباط وتمارة وقريبة من حي الرياض الراقي.
وأضاف الكاتب العام للجمعية أن ثمن المتر المربع بالمنطقةيتراوح ما بين 15 ألف درهم و30 ألفا، ما جعلها وجهة للشركات العقارية والباحثين عن الريع للاستفادة من خيراتها، في الوقت الذي تأخرت فيه مصالح العمالة وجماعة تمارة لحل المشكل.

حلول مع وقف التنفيذ
مع تزايد مطالب أولاد جرار تدخلت السلطات الوصية لحل المشكل، بعدما بات العديد من الهكتارات محسوبة على الأراضي السلالية بكيش الوداية. وقامت مديرية الشؤون القروية بوزارة الداخلية بتخصيص “كوطة” من البقع الأرضية لفائدة ذوي الحقوق على رسم الملكية 22747 ر، واستخرجت منه جماعة تمارة رسمين عقاريين 1125 و11226، بعدما فوتت لهم مديرية الشؤون القروية هذين العقارين، وبلغ عدد الهكتارات 110 التي حصلت عليها الجماعة وحولتها إلى تجزئات وعمارات سكنية ومرافق عمومية منذ 20 سنة. ويقول الثابتي ابن المنطقة الذي حفظ أسرارها منذ نعومة أظافره، أن قانون التفويت في بنده الثالث رغم تنصيصه على أنه “لا يجوز حيازة العقار إلا بعد تعويض ذوي الحقوق وإخلائهم من أماكنهم بالتراضي” إلا أن مصالح عمالة تمارة والبلدية ما زالت تتلكأ في حل المشكل.
وأثار تأخر المصالح الوصية في ترحيل القاطنين وإعادة إيوائهم في بقع أرضية بالمنطقة احتقانا وسط السكان الذين يخرجون بين الفينة والأخرى لتنفيذ وقفات احتجاجية أمام مجموعة من مصالح عمالة تمارة الصخيرات وجهة الرباط سلا القنيطرة وملحقة وزارة الداخلية بحي الرياض بالرباط، دون أن يتمكن رؤساء الجماعة الحضرية لتمارة الذين تعاقبوا منذ 20 سنة على تسيير البلدية من حل المشكل.
وفي الوقت الذي مازال فيه ذوو الحقوق ينتظرون حل المشكل منذ عقود، منحت الجماعة رخصا للبناء بالاتفاق مع مسؤولين بقسم التعمير، وفقا لما استخرجته من عقارات أثناء التفويت من قبل مديرية الشؤون القروية. هذا القرار زاد من انتشار اليأس والإحباط وسط المتضررين نتيجة التأخر في تعويضهم ومنحهم بقعا أرضية لإعادة الإيواء.
ولا يخفي الكاتب العام للجمعية أن المباني تنهار بين الفينة والأخرى والكل يتفرج ويتهرب من المسؤولية، وأصبحت حياة القاطنين معرضة للخطر “ونحمل السلطات الإقليمية والمحلية المسؤولية في ذلك، ولا حل غير الهدم والتعويض بالبقع في أقرب الآجال” يقول المتحدث نفسه.
وغير بعيد عن المباني السكنية التي شيدت فوق أرض أولاد جرار على مساحة 110 هكتارات، مازالت 65 هكتارا تسيل لعاب شركات عقارية، تأمل العديد من الأسر تعويضها عنها والحصول على بقع أرضية تحفظ كرامتها..

معاناة مستمرة
في الوقت الذي تعاني فيه أسر كيش الوداية بتمارة بسبب الخوف نتيجة تصدعات في منازلها، لا تتوفر أسر أخرى على الماء والكهرباء ما حول حياتها إلى جحيم، رغم تفويت بقع لعمارات حاصرت سكان المنطقة من كل الواجهات.
وتضطر عائلات إلى البحث عن الماء والحصول على الكهرباء بالتضامن في ما بينها، في انتظار ما ستجود به عمالة المدينة والبلدية من بقع تضمن للسكان كرامتهم.
وبعدما نصت قرارات البلدية على الهدم أو الترميم، رفضت مصالح البلدية تعيين خبير لإجراء المعاينات وتقييم مدى حجم الضرر الحاصل قصد علاجه بعد فوات الآوان. واعتبرت جماعة تمارة أن الخبرة يجب أن يقوم بها السكان المتضررون، لكن الأسر التي تعاني الفقر والهشاشة الاجتماعية لم تستطع توفير ثمن إجراء الخبرة، وصمتت مصالح البلدية عن مطالب السكان.

الريع
دخلت شركات عقارية لتجهيز بقع أرضية وتشييد عمارات سكنية بمنطقة كيش الوداية، لكن منطقتي أولاد امطاع وأولاد جرارأصبحتا كذلك مصدر ريع استخدمته الدولة في العقدين الماضيين قصد إرضاء خواطر العديد من العائدين من جبهة بوليساريو. أعيان كبار ومسؤولون في جبهة الانفصال حصلوا على بقع بالمنطقة في ظروف غامضة، بعضهم شرع في بنائها وآخرون حولوها إلى مشاريع تدر مالا كثيرا عليهم، كما حصل رجالات للدولة بدورهم على بقع أرضية فوتت لهم بقرارات جزاء لهم على النجاح في مهامهم، إلى جانب فنانين وأبطال رياضيين.

العشوائي ينتعش
مع تأخر إعادة تعويض وإيواء القاطنين بأولاد امطاع وأولاد جرار بكيش الوداية، فتحت الوضعية القائمة الباب لانتعاش السكن العشوائي الذي اخترق المنطقة من كل الواجهات، فاختلطت البنايات القديمة التي شيدها فلاحون بعد الاستقلال مع “البراريك” الجديدة، بعدما حول وسطاء عقاريون هذه الأراضي الخصبة إلى بقرة حلوب شجعت العديد من الفارين من جحيم الجفاف بقلعة السراغنة وبنكرير واخميس الزمامرة وسيدي بنور وخريبكة ووادي زم والرماني، إلى البحث عن سكن قصديري يقطنونه بصفة مؤقتة أملا في الحصول على بقع أرضية في المستقبل.
ويقول بوشعيب فرحان رئيس جمعية أولاد جرار للتنمية، إن هذه الأرض كانت فلاحية منذ القدم، ويتوجه ذوو الحقوق من قصبة الوداية لرعي الماشية فيها وزراعتها، لكن مع مرور الزمن اخترقها السكن العشوائي من مختلف الواجهات، كما شيدت بها عمارات ومشاريع سكنية ومرافق عمومية بعد 1997، فور تفويت مديرية الشؤون القروية ل110 هكتارات للجماعة الحضرية.
ورغم تعاقب العديد من رؤساء البلديات منذ 1997 لم يستطع أحد حل المشكل، وراسلت الجمعية مجموعة من السلطات المختصة حول مخالفات التعمير، بعدما انتشرت المباني العشوائية في السنين الأخيرة وغطت على المباني القديمة لذوي الحقوق.

مطالب لعامل تمارة
مع تزايد مطالب السكان، ومراسلة مديرية الشؤون القروية لعامل عمالة الصخيرات تمارة، لتعيين النواب السلاليين عن أولاد جرار، تأخرت المصالح المختصة في مباشرة المساطر المعمول بها للمصادقة على النواب المقترحين، ما دفع ب19 لائحة تضم 323 توقيعا التفويض لجمعية أولاد جرار للتنمية من أجل ملء الفراغ النيابي الذي تعيشه استثنائيا هذه الجماعة منذ فترة طويلة.
ولجأ أعيان الجماعة إلى اختيار من ينوب عنهم لتدبير شؤونهم وتقدم كل نائب حسب ملحقته الإدارية بطلب الحصول على الشهادات الإدارية لإنجاز لفيف عدلي محدد في النصوص الواردة في دليل النائب السلالي بمديرية الشؤون القروية، لكن مصالح العمالة لم تحرك ساكنا، رغم مرور سنة، ما دفع المتضررين إلى إعادة تذكير يوسف اضريس، العامل الجديد للمدينة، قصد حل المشكل، من أجل اتخاذ الإجراءات اللازمة كسائر الجماعات السلالية على الصعيد الوطني.
واعتبرت الرسالة الموجهة إلى المسؤول الأول عن الإدارة الترابية بالمدينة أن الهيأة النيابية هي الجهة الوحيدة المخول لها تدبير وتسيير شؤون أراضي الجماعة، تماشيا مع مقتضيات القانون الجديد الذي حدد بدقة تقدير المصالح الخاصة والمشتركة لذوي الحقوق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق