ملف الصباح

الراديكالية السياسية تخترق الجماهير

أناشيد و”تيفوات” بطعم ثوري لا يفقه رمزيته ملايين عشاق الكرة
لم يكن أحد يعتقد أن ملاعب كرة القدم المغربية، وخاصة في المدن الكبرى، ستردد أغاني وأناشيد، وترفع شعارات، و”تيفوات” ولافتات، تعبر عن آراء سياسية، إزاء المؤسسات الدستورية القائمة، فيما كان النقاش العمومي في عقود سابقة، منصبا على ضرورة إبعاد الفاعلين السياسيين من رئاسة الأندية المغربية.
فما الذي حدث حتى تصبح الملاعب الرياضية، فضاء للاحتجاج؟ والتعبير عن آراء تجاوزت سقف مطالب الأحزاب، لتدخل مستنقع “حشيان الهضرة”، والتشكيك في المؤسسات الدستورية القائمة، و”تيفوات” غارقة في الرمزية، لن يفقه في فك طلاسمها أو مدلولها حتى أساتذة التعليم الجامعي، فبالأحرى جمهور يعاني الفقر، والبؤس المعرفي.
وجاء هذا التحول الجديد في سياق التهجم على الأحزاب السياسية، والمركزيات النقابية، والبرلمان، والمجالس المنتخبة، واعتبارها مجرد وسائط صورية، يستفيد منها الذين ساعدتهم أجهزة الدولة كي يصبحوا أغنياء، وهم الذين باعوا الوهم لكبار مسؤولي البلاد، بأنهم قادرون على التحكم في المجتمع، ولديهم قدرة خارقة على ترويضه، ما رفع من حجم الاحتجاجات والحقد الطبقي، وجعل بعض المنتمين إلى أحزاب اليسار الراديكالي، خاصة النهج الديمقراطي الماركسي، والإسلاميين المتشددين، بينهم أعضاء العدل والإحسان، يتبنون قيادة السلطة المضادة، ضد الأغنياء الجدد الذين استفادوا من الدولة، وراكموا الأموال.
وأدى إضعاف الأحزاب والنقابات والبرلمان والحكومة والمجالس المنتخبة في الجهات والبلديات، وشن حرب على رؤسائها، والباحثين في مجال علم الاجتماع، وعلم النفس، والفلسفة، والآداب، وإعلاء شأن “الشطيح والرديح” والافلام الرديئة والمدبلجة، إلى فراغ سياسي، استغله الراديكاليون الذين فشلوا في إقناع الشعب، بالقيام بثورة في شمال المغرب بالحسيمة، أو جنوب المغرب من العيون، أو من المناطق المهمشة في جرادة، وزاكورة، وطاطا، فقرروا النزول إلى ما تطلقه عليه أدبيات كارل ماركس “الجماهير الشعبية”، لعلها تشعر بالوعي، وترفع شعار مناهضة المؤسسات الدستورية والنظام برمته.
ولا يعرف لحد الآن من كتب الأغنيات التي تؤديها الجماهير، بل إن جماهير أندية وطنية رددت شعارات الحراك الشعبي ل2011، ومنها من لا يعرف حتى معانيها.
وتم تدويل أغنية “في بلادي ظلموني” فتغنت بها جماهير غاضبة في الدول العربية، لينتقل المحرضون إلى رسم لوحة قاعة التعذيب “روم 101″في مباراة الرجاء والوداد، التي تحيل على نص روائي متخيل لجورج أورويل، وهي الرواية التي تم تأويلها من قبل النقاد، ولم يستقروا على معنى واحد، فبالأحرى أن يستوعبها جمهور كرة القدم، الراغب في تحقيق الانتصار بهزم خصمه.
كما رفع المشجعون “المغنية الصلعاء”، وهي للكاتب الروماني يوجين يونسكو، التي تعكس مسرح العبث والتمرد على الأوضاع، والكلام التافه، النابع من شخصيات تعيش الهوس والأمراض، والتي تظهر الاستهتار بكل ما يجري حتى في كرة القدم.
وحينما يجتمع الذين يتفقون على رفع “تيفو”، يفعلون ذلك في “سرية تامة”، وهو ما كانت تقوم به الحركات السياسية السرية ضد النظام في السبعينات، كما يجمعون الأموال على طريقة الجماعات الدينية.
أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق