حوار

بنعبد الله: الأحزاب غير مستقلة

أمين عام التقدم والاشتراكية قال إن التدخل لتنصيب قادة أفقد الأحزاب مصداقيتها وإقالة الوزراء غير مرتبطة بتقارير جطو
استضاف نادي مجموعة ” إيكوميديا” الصباح، وليكونمست، محمد نبيل بنعبد الله، أمين عام التقدم والاشتراكية، والذي تناول قضايا تهم مستجدات الوضع السياسي العام بالمغرب، وتحايل الحكومات في تأكيد أولوية البرامج الاجتماعية في قوانينها المالية، وملف التعديل الحكومي بدون علم الأغلبية، ومدى تأثير تقارير إدريس جطو، الرئيس الأول للمجلس الأعلى للحسابات، في إقالة الوزراء من عدمه، وإلى القراء نص الحوار.
أجرى الحوار: أحمد الأرقام وعبد الحليم لعريبي – تصوير: (عبد المجيد بزيوات)
> تصر حكومة العثماني على أن ميزانيتها ذات أولوية اجتماعية ما رأيكم؟
> كل الحكومات تقول إن قوانين ماليتها ذات أولوية اجتماعية، وهل في نظركم سيصعد وزير إلى المنصة ويقر أن ميزانية الحكومة تفتقد للبعد الاجتماعي. ومنذ سنين نطلب من الحكومة جرأة سياسية؟ لكن عوض ذلك خاضت مكوناتها حربا داخلية في تراشق بالكلمات غريب وصراع وهمي لمن هو الأفضل. ولم يصدر يوما ما بلاغ يعبر عن وجود تضامن حكومي وتفاعل وزاري مع مطالب المواطنين بتنسيق جهود كل الوزراء، لذلك حصل فراغ سياسي كبير في الساحة السياسية، واتسعت الهوة بين الأحزاب والمواطنين، واستمر الزعماء في عقد تجمعات أسبوعية يتحدثون فيها إلى أنفسهم، معتقدين أنهم حلوا مشاكل المواطنين.

> تقول ذلك ضد سعد الدين العثماني لأنك أقلت من الحومة؟
> أنا لا أشخص الأمور بهذا الشكل، ولكل واحد منهما أسلوبه، فحكومة بنكيران كانت منسجمة رغم وجود بعض الاختلالات الطفيفة التي كانت تعالج في الحين، إلا من اضطراب أحدثه حميد شباط، الأمين العام السابق للإستقلال، وانتهى بمغادرة الحكومة، ودخول التجمع الوطني للأحرار، فاستقر الوضع على تسريع وتيرة العمل، بخطاب سياسي قوي لرئيس الحكومة له بوصلة واحدة ورؤية إصلاحية . أما في الحكومة الحالية فلا تجد ذلك .

> واقع الحال يقول العكس إذ أن بنكيران خصص وقته للخطابة السياسية والعثماني على الأقل عقد اجتماعات بمختلف الجهات بحضور الولاة لإنجاز مشاريع تنموية؟
> طالبنا مرارا من حكومة العثماني أن تشتغل بنفس ديمقراطي جديد وإصلاحي متميز، منذ 2017 إلى الآن عبر إصدار عشرات البلاغات وقلنا لهم ” بركة” من الخلافات الثانوية، والتراشق العقيم، والضرب والطعن، حتى ضاق بنا الحال، ولم نعد نحتمل أن نحمل خطابا معارضا داخل الحكومة. وجاء الخطاب الملكي الذي دعا الحكومة إلى الاشتغال بعيدا عن الصراعات. كما دعاها إلى وضع نموذج تنموي جديد، وانتقد ضعف آليات الإنتاج الاقتصادي في إحداث فرص عمل، وعدم قدرة الاقتصاد الوطني على إنتاج الخيرات، وتوزيعها بشكل عادل لمحو الفوارق المجالية بين الجهات وداخل الجهة والإقليم الواحد.

> هل تحدثتم مع العثماني في ذلك؟
> كنا ننتظر أن يقع التجاوب مع الخطاب الملكي، والتفاعل مع نداءاتنا التي أصدرناها عبر بلاغات المكتب السياسي، فلم نلمس أي جديد. والأخطر من ذلك التقينا بالعثماني فتحدث في موضوع تقليص الحقائب الوزارية، ورغم إلحاحنا على ضرورة إضافة نفس سياسي جديد، ومراجعة توجهات ووضع أولويات لم نسمع منه مع الأسف، شيئا يستحق الذكر، بل حتى الآن لا نرى أي توجه باستثناء أجوبته في جلسة المساءلة الشهرية وفي قانون المالية المقبل.

> هل هذا يعني أن الأغلبية لم تجتمع لوضع هيكلة وتصور جديد للحكومة بعد منتصف ولايتها؟
> لم نجتمع قط أغلبية حكومية ولم نناقش أي شيء يخص التعديل الحكومي، والدليل أنه لم يصدر أي بلاغ لرئاسة الأغلبية، والحكومة بخصوص التحضير للتعديل الحكومي، والمغزى منه، وأهدافه وأولويات الحكومة الجديدة بعد التعديل، بل تم تغييب الشحنة السياسية كأننا أمام حكومة تقنية لا برنامج لها.

> وأين حكومة الكفاءات التي تم الترويج بأنها جاءت لتسريع وتيرة العمل وضمان التقائية البرامج؟
> أنتم تابعتم عملية التعديل الحكومي، وانتظر الجميع الجديد. لكن ماذا رأينا؟ لا شيء تقريبا، سوى تقليص الحقائب الوزارية، واستمرار الأشخاص أنفسهم في تدبير الحقائب الوزارية الثقيلة، رغم ملتمسات الخطابات الملكية. رغم احترامي للوجوه الجديدة، وكيفما كانت قدراتها، فنحن أمام فريق يشتغل كل واحد على طريقته مثل فريق كرة قدم، حتما سينهزم.

> هل مشاكل اللاانسجام الحكومي نابعة عن نمط الاقتراع الانتخابي أم ترهل الأحزاب ؟
> اعتقد أن الأمر لا علاقة له بنمط الاقتراع فهو وسيلة مساعدة وتسهل عمليا تشكيل الحكومة، لكن السؤال الأساسي هو أن نترك الأحزاب تقوم بواجبها بكل استقلالية، وأن تنظم مؤتمراتها، وأنشطتها، وتتخذ مواقفها كما تريد، وتصارع من أجل ضمان استقلاليتها لحماية مصداقيتها في المجال السياسي، كي تخوض غمار الانتخابات في تنافس شريف تنبثق عنه أغلبية، فحكومة منسجمة تضع السياسات العمومية ويشعر معها المواطن أن صوته له قيمة . كما على الأحزاب أن تفتح أبوابها وتستقطب المزيد من الكفاءات وأن تطور تواصلها وتقترب أكثر من المواطنين وتراجع تنظيماتها.

> هل أسمعت هذه الانتقادات لكبار مسؤولي الدولة؟
> فعلا وقعت تدخلات كثيرة في مؤتمرات أحزاب لوضع أشخاص دون آخرين بطريقة واضحة خلال العشر سنوات الأخيرة، وهذا أضر بالأحزاب. وقلت هذا مرارا لكبار المسؤولين في الدولة، ونحن في الأغلبية، وأيضا ونحن في المعارضة، فكان له صدى لديهم.

هذه أسباب تحالفنا مع “بيجيدي”
> كيف هي علاقتكم الآن مع العدالة والتنمية التي كانت جيدة مع بنكيران بخلاف العثماني رغم أن خطاب الإسلاميين مزدوج بخصوص الحريات الفردية ؟
> أكشف لكم السر الأساسي الذي ربط التقدم والاشتراكية، بالعدالة والتنمية والذي كان تحالفا ظرفيا مرحليا وليس إستراتيجيا، إذ بعد إنشاء الأصالة والمعاصرة ومحاولة الهيمنة وضرب الأحزاب، اتصلنا بحلفائنا التقليديين في الكتلة، للقيام برد فعل حفاظا على المكتسبات الديمقراطية في مواجهة النكوص، كما كانت تفعل أحزاب الكتلة منذ استقلال المغرب إلى تعيين حكومة التناوب، فأصدرنا بلاغات تحذر من المد التراجعي. راسلنا الاتحاد الاشتراكي، ولم نتلق أي جواب، فيما استقبلنا الاستقلاليون كعادتهم وبما أن عباس الفاسي، الأمين العام، كان وزيرا أول استعصى عليه مواجهة هذا الأمر، وتبين من الصعب علينا أن نواجه لوحدنا، فجاء الحراك الشعبي، والدستور الجديد، والانتخابات التي منحت للإسلاميين الرتبة الأولى، أكدوا من خلالها أنهم سيواصلون الإصلاحات فكان علينا من الصعب معاكسة توجه الشعب الإصلاحي، فقررنا المشاركة ولم نرفض كما آخرين بأن هؤلاء مجرد إسلاميين لا يستحقون أن تتوافق معهم، بل على العكس كان لدينا تحليل عميق للأحداث، فالتقت الإرادات على شرط أن لا يقع أي مساس بالحريات الفردية، وكان أول سؤال وضعته على بنكيران، فرد بواجب مقنع «أنا جئت للإصلاح ولن أفتش في طول تنورة الشابات المغربيات»، وفرضنا عليه أن لا يقع أي خلل في هذا المجال تحت طائلة مغادرة الحكومة، فحصل اتفاق على أن يصوغ الرفاق ميثاق الأغلبية، وكان أول ميثاق يجعلها أقرب إلى الاشتغال على أمور واقعية لتقوية الديمقراطية، والعمل سوية.
ولم يظهر على الحكومة أو يصدر عنها في أي يوم من الأيام سواء على عهد بنكيران أو العثماني قوانين مجحفة تمس بالحريات الفردية والجماعية. وأخشى من الذين واصلوا المسيرة الحكومية مع العدالة والتنمية، أن لا يدلوا بآرائهم لتصحيح المسار الذي قمنا به لمرات عدة وسط الحكومة، وبمجالسها وفي الأغلبية، فهم كانوا يؤاخذوننا، على العمل مع الإسلاميين، وهاهم يشتغلون معهم .

> تمت إقالتك والحسن الوردي على خلفية تقرير المجلس الأعلى للحسابات وتم إقالة شرفات أفيلال بتدخل الوزير عبد القادر اعمارة هل قدمتم نقدا ذاتيا لمسيرتكم الحكومية؟
> إن مغرب 1999، ليس مغرب اليوم بحكم التطور الكبير الذي حصل، إذ لايمكن انتقاد الأمور بهواجس اليوم، فالإصلاحات انطلقت مع الملك الراحل الحسن الثاني، وتسارعت بمبادرات الملك محمد السادس وتضافر جهود الأحزاب الديمقراطية. وقمنا بنقد ذاتي لأن كل وزراء الحزب قدموا ما عليهم، وكانوا في المستوى وطبعا كانت هناك نواقص
ورفضنا الطريقة التي بها عزلت أفيلال، وأصدرنا بلاغا للتنديد وحملنا المسؤولية لرئيس الحكومة وللوزير اعمارة.
ولو سلمنا بأن الإعفاء الحكومي ارتكز على تقارير المجلس الأعلى للحسابات، فإن تقارير صدرت أقوى وأشد انتقادا لوزراء آخرين ومن الوزن الثقيل، ومع ذلك لم تتم إقالة أي مسؤول حكومي بسببها.

التعاقد يكرس الهشاشة في التوظيف
> ماذا تقترحون لحل مشكلة 2 مليون ونصف مليون شاب في الشارع بدون تكوين مهني، ولا شهادة مدرسية؟
> وضعتم الأصبع على المشكل الحقيقي الذي ينخر المجتمع المغربي، وهو تعبير عن فشل كل الحكومات المتعاقبة منذ عهد الاستقلال لغياب حلول عملية لأعداد من الشباب يشكلون تقريبا عدد سكان مدينة. انضاف إليهم 380 ألف غادروا المدرسة سنويا وهو رقم مهول، يحتاج إلى تضافر الجهود من خلال تسريع برامج التكوين المهني، وبرامج محو الأمية، والتعليم غير النظامي على أساس تكوين مدرسين مختصين لضمان نجاح عملية إعادة إدماج هذه الفئة في المجتمع.
وهناك حديث عن احتياج المغرب ل 100 ألف مدرس جديد لتغطية العجز، تم تشغيل بعضهم عن طريق نظام التعاقد، وهو أمر انتقدناه في حينه لأننا ضد الهشاشة في التوظيف. وإلى حدود حكومة التناوب التوافقي في 1998، تحملنا مسؤولية تدبير حقيبة التعليم في شخص الرفيق مولاي اسماعيل العلوي، الذي خاض معركة تعميم التعليم الذي لم يتجاوز نسبة تغطيته لحظتها 67 في المائة، فوضع إجراءات استثنائية في ظرف ثلاث سنوات للوصول إلى 95 في المائة، ورغم ذلك لم يكن هذا المجهود كافيا بسبب امتناع الحكومات المتعاقبة على توفير مناصب شغل خوفا من ارتفاع كتلة الأجور.

> ألا تعتقد أن وزراء تقنوقراط ساهموا بدورهم في تدهور التعليم رفقة متحزبين ؟
> فعلا فشلوا. والمشكل ليس مرتبطا بالرجال، ولكن أيضا بالسياسات العمومية المتبعة، فإما أن تكون الحكومة خصصت الملايير لإصلاح التعليم، كما وقع مع البرنامج الاستعجالي بدون تصور فضاعت الأموال ولم يقع التغيير، أووضعت تصورات ورؤية وينقصها التمويل، وهذا مربط الفرس.
لذلك صوتنا على القانون الإطار ونحن في الحكومة ولو كنا في المعارضة لاتخذنا الموقف نفسه، لأنه تضمن رؤية واضحة وضعت خريطة التعليم، وما يسعى إليه المغاربة،ومع ذلك هناك تخوف من عدم تنزيل القانون الإطار الخاص بالتربية والتكوين لغياب ميزانية ضخمة.

> عارضتم التوظيف بالتعاقد الجهوي ماهي الأسباب؟
> انتقدنا في السابق البرنامج الاستعجالي لإصلاح التعليم لأن المسؤولين تسرعوا في هدر المال العام، ولم ينتبهوا إلى غياب تكوين هيأة التدريس، إذ اعتمدوا على طلبة كانوا يشتغلون مع جمعيات مدنية وفي التعليم غير النظامي ومحو الأمية، وآخرين جاؤوا مباشرة من الجامعة، فتم دمج الجميع فحصل ما حصل، والآن جربوا وصفة التعاقد، ونحن نعترض على الهشاشة في التوظيف، لأن هناك عدم وجود مساواة في الحقوق الاجتماعية.
في سطور:
ولد محمد نبيل بنعبد الله في 3 يونيو 1959 بالرباط.
– شغل منصب وزير السكنى وسياسة المدينة منذ 2012 في حكومة بنكيران، و في 2017 عين وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة في حكومة سعد الدين العثماني، وبقي فيها إلى غاية 24 أكتوبر2017.
– حاصل على شهادة عليا من المعهد الوطني للغات والحضارات الشرقية بباريس في 1985، شعبة العلاقات الدولية. ومارس بعدها مهنة ترجمان محلف مقبول لدى المحاكم المغربية منذ 1987.
– شغل منصب نائب رئيس جمعية التراجمة المحلفين بالمغرب منذ 1992 كما كان عضوا بالمجلس الوطني للشباب والمستقبل في 1990.
– تولى مهام رئيس الشبيبة الاشتراكية من 1994 إلى 1998، قبل أن ينتخب ضمن أعضاء المكتب السياسي للتقدم والاشتراكية في 1995.
– مدير جريدتي “البيان” و”بيان اليوم” من 1997 إلى 2000.
وقبل أن ينتخب أمينا عاما للتقدم والاشتراكية في المؤتمر الثامن للحزب المنعقد في الفترة ما بين 28 و30 ماي 2010 انتخب مستشارا بمجلس المدينة ومجلس مقاطعة أكدال الرياض بالرباط من شتنبر 2003 إلى يونيو 2009.
– تقلد منصب وزير الاتصال، الناطق الرسمي باسم الحكومة من نونبر 2002 إلى أكتوبر 2007 ثم سفير المملكة المغربية بروما من نونبر 2008 إلى يوليوز 2009.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق