حوار

اليعقوبي: إملاءات أوربية في مشروع الميزانية

رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب أكد خضوع الحكومة لضغوطات الاتحاد الأوربي

حذر محمادي راشدي اليعقوبي، رئيس المنظمة المهنية للمحاسبين المعتمدين بالمغرب، من انعكاس بعض الإجراءات الجبائية التي تضمنها مشروع قانون المالية، بضغوطات أوربية، على دينامية المقاولات المصدرة وتنافسيتها. وأكد أن المشروع جاء خاليا من أي إجراءات إيجابية تهم تخفيض الضريبة على الدخل. وأشار إلى أن المغرب يواجه مجموعة من العوائق التي تعترض مسار التنمية، على مستوى التوازن الاجتماعي والمجالي وبطالة الشباب وإشكالية التعليم والصحة، ما يفرض اعتماد مقاربة أكثر جرأة لتجاوز هذه المعيقات. وفي ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: عبد الواحد كنفاوي / تصوير: (عبد المجيد بزيوات)

< اعتبر محللون أن أحكاما جبائية تضمنها مشروع قانون المالية جاءت بتدخل من الاتحاد الأوربي، هل توافقون هذا الرأي؟ وإذا كان الجواب بالإيجاب ماهي هذه التدابير؟
< يمكن أن نقول إن الحكومة خضعت شيئا ما لإملاءات الاتحاد الأوربي في ما يخص النظام الجبائي المطبق على المناطق الحرة التي ستسمى بمناطق التسريع الصناعي والشركات المكتسبة لصفة القطب المالي للدار البيضاء. وجاء ذلك بعد توقيع المغرب معاهدة مع منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OCDE) في 25 يونيو 2019 بشأن الاتفاقية متعددة الأطراف لتنفيذ تدابير المعاهدة الضريبية لمنع تآكل القاعدة وتغيير الأرباح (BEPS)، ليصبح المغرب البلد التاسع والثمانين الذي ينضم إلى الاتفاقية، التي تغطي الآن ما يقرب من 1530 من المعاهدات الضريبية.
كنت أتمنى، شخصيا، أن تأخذ الحكومة التدابير المدرجة في توصيات المناظرة الوطنية حول الجبايات بصفة تدريجية وبكل سيادة ، وأن تحرص على حماية مصالح المغرب الاقتصادية المرتبطة أساسا بتشجيع الاستثمار وتوفير فرص الشغل، وأرجو أن تكون الحكومة اتخذت هذه التدابير المقترحة بعد تقييم دقيق لأثرها على المقاولات الوطنية والاستثمار بشكل عام.
من جانب أخر نلاحظ أن هناك نقطة إيجابية وهي أن النظام الضريبي الحالي يظل ساريا على الشركات القائمة من قبل في هذه المناطق، في حين أن الشركات التي ستستقر في هذه المناطق بإمكانها الاستفادة من الإعفاء لمدة خمس سنوات من الضريبة على الشركات. وهذا يساعد على تحقيق شيء من الأمن والاستقرار الضريبيين، الضروريين لتحسين مناخ الأعمال.
< ماهي أهم التدابير التي تضمنها قانون المالية لفائدة الشركات؟
< يتعلق الإجراء الأول بإلغاء الإعفاء من الضريبة على الأرباح الذي تتمتع به المقاولات المصدرة حديثة النشأة لمدة خمس سنوات الأولى من نشأتها (مع استثناء قطاع تصدير الخدمات بعد التعديل الأخير الذي أدخل)، وتأتي هذه المقتضيات الضريبية نزولا عند رغبة الاتحاد الأوربي، الذي سبق أن أثار التحفيزات الضريبية التي تخص بها الحكومة المقاولات المصدرة، إذ اعتبر الاتحاد ذلك من شأنه أن يصنف المغرب جنة ضريبية.
وأما بالنسبة إلى الإجراء الثاني، فيتعلق بالأفضلية الضريبية التي تحظى بها المقاولات الفاعلة في مجال التصدير، إذ أن الضريبة على الشركات لا تتجاوز 17.5 في المائة، فيما تطمح الحكومة، من خلال مشروع قانون المالية، إلى رفع هذه الضريبة إلى 20 في المائة. كما امتدت هذه المقتضيات لتشمل حتى المقاولات التي لها صفة القطب المالي للدار البيضاء، والتي تحظى بأفضلية ضريبية، حيث تسعى الحكومة من خلال مشروع قانون المالية، رفع الضريبة على أرباحها إلى 15 في المائة بدل 8.75 في المائة. الشيء ذاته بالنسبة إلى المقاولات المصدرة الموجودة بالمناطق الحرة للتصدير، إذ ترغب الحكومة رفع ضريبة الأرباح بالنسبة إلى هذه المقاولات إلى 15 في المائة، علما بأنها كانت معفاة طيلة السنوات الخمس الأولى على نشأتها، على أن تؤدي بعد ذلك 8.75 في المائة فقط عن الأرباح.
هاته المقتضيات أغضبت، طبعا، المصدرين، الذين اعتبروا أن فيها ضربة لتنافسية المقاولات المصدرة، و قد تؤدي إلى إضعاف تنافسية العرض المغربي، سيما مع الدول التي يرتبط معها المغرب باتفاقيات التبادل الحر، وفي الوقت الذي كان المصدرون ينتظرون المزيد من الدعم والمواكبة من أجل تعزيز حضورهم على المستوى الدولي، مثلت المقتضيات التي جاء بها مشروع قانون مالية 2020، خطرا على دينامية المقاولات المصدرة والصادرات المغربية بشكل عام. وكانت قوانين المالية السابقة، تخص المقاولات المصدرة بتحفيزات ضريبية، من أجل تعزيز تنافسيتها على المستوى الدولي، خصوصا أن المغرب يرتبط باتفاقيات للتبادل الحر مع أكثر من 50 دولة، فيما أصبحت الصادرات المغربية في إطار هذه الاتفاقيات تمثل نحو 40 في المائة من العرض المصدر.

مشروع قانون المالية مجحف ضريبيا

< لماذا، في نظركم، لم يتضمن مشروع قانون المالية تدابير تخص الضريبة على الدخل؟
< إن مشروع قانون المالية الجديد يخلو من أي إجراءات إيجابية تهم تخفيض الضريبة على الدخل، كما غابت عنه إجراءات لفائدة المقاولات الصغيرة والصغيرة جدا، وكذا مهن القرب.
ويمكن القول إن المشروع الحالي مبني على رؤية محاسباتية، ويعكس تصورا يغلب عليه الطابع التقني لتدبير عجز الميزانية، لكن المغرب في هذه الظرفية محتاج إلى قانون مالية أكثر جرأة وأكثر إرادية. 

< كما لا يخفى عليكم صدر عن المناظرة الوطنية للإصلاح الضريبي عدد من التوصيات، فهل تمكن المشروع من ترجمتها إلى إجراءات؟
< مازلنا ننتظر مشروع قانون- إطار حول الجبايات الذي يتضمن المبادئ الأساسية للإصلاح الضريبي المرتقب وكذا البرمجة على مدى 5 سنوات، ابتداء من2020 لتفعيل أهم التزامات المغرب المرتبطة بهذا الإصلاح.
بكل صراحة الأحكام الجبائية التي تضمنها مشروع قانون المالية تحتوي على جرعة ضعيفة من توصيات المناظرة الوطنية حول الجبايات. وعلينا أن نسرع من وتيرة تنزيل نظام جبائي أكثر عدالة من الناحية القانونية والعملية، يساعد على إعادة توزيع الدخل وتنشيط نموذج التنمية الاقتصادية وتحسين قدرته على الإدماج الاجتماعي. الحاجة الآن ملحة لنظام ضريبي يلعب دوره الحقيقي في التنمية الاقتصادية والاجتماعية للمغرب.

إنشاء صندوق تمويل المبادرة المقاولاتية لا يكفي

< توصلت الحكومة والنواب إلى صيغة بشأن عدم الحجز على ممتلكات الدولة، هل تضمن هذه الصيغة حقوق المقاولة في استخلاص مستحقاتها من الإدارات والمؤسسات العمومية؟
< لقد تم التوافق على صيغة جديدة للمادة التاسعة من مشروع قانون المالية لسنة 2020، والتصويت عليها بإجماع كل الفرق النيابية، بعد تقييد منع الحجز على أموال وممتلكات الدولة بمجموعة من الضوابط التي تضمن تنفيذ الأحكام القضائية، عبر توفير الاعتمادات المالية الضرورية داخل أجل أربع سنوات.
لكن المقاولة التي تنتظر تنفيذ حكم لفائدتها سيصعب عليها انتظار كل هذه المدة بل يمكن أن يؤدي هذا الانتظار إلى مجموعة من المشاكل المادية التي ستتخبط فيها المقاولة والتي ستسفر عن تصفيتها أو وقوع مشاكل مع مورديها….
ولهذا السبب يمكن القول إن ما جاء في مضمون المادة 9 من قانون المالية يعتبر خرقا سافرا للدستور الذي نص في الفصل126 بشكل واضح على أن الأحكام النهائية الصادرة عن القضاء ملزمة للجميع.
إن مضمون المادة المذكورة، يعد مسا خطيرا بقانون المسطرة المدنية الذي أجاز الحجز على أموال وممتلكات الدولة والجماعات الترابية أثناء سريان مسطرة الدعوى وعند التنفيذ.
 وسيكون خطيرا جدا المصادقة على هذه المادة لما لها من تداعيات كارثية على المقاولات المغربية، خاصة الصغرى والمتوسطة. إن تمرير المادة 9 والمصادقة عليها سيعمق انعدام ثقة المستثمر الأجنبي والمغربي، وسيدفع المقاولات إلى عدم الانخراط والمشاركة في الصفقات العمومية، مادام سيتم إلغاء الآلية الوحيدة لضمان حقها في استخلاص مستحقاتها من الإدارات العمومية.

< ما هي الإجراءات التي تضمنها مشروع قانون المالية لفائدة تشجيع إنشاء المقاولات وإدماج الشباب في سوق الشغل؟
< إن المشكلة اليوم بالنسبة إلى المقاولات الصغرى والصغيرة جدا ليست مرتبطة فقط بالضغط الضريبي، ولكنها مرتبطة كذلك بالولوج للتمويل وإيجاد الضمانات البنكية اللازمة. واقترحت الحكومة، في هذه النسخة من مشروع المالية، إحداث صندوق دعم تمويل المبادرة المقاولاتية، التي رصدت له 6 ملايير درهم على مدى ثلاث سنوات في إطار الشراكة بين الدولة وبنك المغرب والمجموعة المهنية للبنوك. وستخصص له خلال السنة المقبلة ملياري درهم موزعة بالتساوي بين الدولة والبنوك.

المواكبة
< ما هي الأهداف المحددة للصندوق؟
< يهدف إحداث هذا الصندوق بالأساس إلى دعم الخريجين الشباب عن طريق تسهيل الوصول إلى القروض المصرفية لتمويل مشاريعهم، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم العاملة خاصة في مجال التصدير، لاسيما إلى إفريقيا، والسماح بتحقيق إدماج وتكامل اقتصادي أفضل للمشاريع المدرة للداخل للقطاع غير المهيكل وكذا المقاولات الناشئة المبتكرة والمقاولين الذاتيين. وسيتم استهداف كل جهات المملكة بما في ذلك العالم القروي.
لكن لم يتم اتخاذ التدابير التي كانت منتظرة على مستوى تخفيف الضغط الضريبي. التدابير الجديدة تخص فقط المواكبة والولوج للتمويل بالنسبة إلى المقاولات الصغرى والصغيرة جدا. كل هذا جميل، لكن التقييم الحقيقي سيكون حول قدرة الحكومة على التفعيل السريع لمختلف التدابير المتضمنة في هذا المشروع والتي تخص تسهيل الولوج للتمويل.

< ماهي الإجراءات الأخرى التي تضمنها المشروع لفائدة المقاولات؟
< يتضمن هذا المشروع مجهودا لا ينكر لتحسين منظومة تمويل المقاولات بشكل عام، من خلال إعادة هيكلة وتجميع منتجات الضمان، مع إطلاق إستراتيجية وطنية للشمول المالي، ووضع إطار مرجعي (Small Business Act) لكل التدابير التي تستهدف تحقيق هذه المقاولات بهدف ‏تبسيطها وتسهيل الولوج إليها. ويندرج في هذا الإطار إحداث التمويل التعاوني آلية جديدة لتمويل مقاولات الشباب والمقاولات المبتكرة. أتمنى ألا يعرف المشروع المصير نفسه الذي عرفته المشاريع السابقة التي همت تمويل المقاولين الشباب وتشجيع التشغيل الذاتي.
وأرجو، كذلك، أن تتعامل البنوك التجارية بجدية مع هذا المشروع وأن تعطي أهمية كبرى لمواكبة مقاولات الشباب بالدراسات القبلية وبالتتبع والمواكبة اللازمتين لهاته المقاولات بعد تأسيسها وحصولها على التمويل.

التوجيهات الملكية أكثر جرأة من الحكومة

< حافظ مشروع قانون المالية على الإعفاءات الضريبية رغم تأكيد المناظرة الوطنية على ضرورة إعادة النظر فيها، ما هي العوامل التي ألزمت الحكومة على تجاهل هذا الملف؟
< ‏لقد تضمن المشروع بعض الإجراءات لإلغاء الإعفاءات والتخفيضات الضريبية في إطار تطبيق المعاهدة الموقعة بين المغرب ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وسيمكن الخزينة من أموال لا بأس بها، ‏خصوصا أن الميزانية في حاجة ماسة إلى موارد هامة لتمويل النفقات، والاستثمارات والالتزامات الاجتماعية والاقتصادية. 
من جانب آخر، أظن أنه حان الوقت لتقييم الأنظمة المحفزة وترشيد النفقات الضريبية عن طريق تقييم دقيق لوقعها الإيجابي على المواطن والاقتصاد.
صحيح أن بعض الفاعلين الاقتصاديين يشعرون بالغضب بسبب هذه الإعفاءات الجبائية القطاعية العديدة الممنوحة (الفلاحة، العقار…) والتي لا تنتج بالضرورة الأهداف المرجوة ومع ذلك فهذه الامتيازات الضريبية المتمثلة في إعفاءات أو تخفيضات ضريبية لبعض الملزمين وبعض القطاعات أو المناطق الجغرافية يجب أن تبررها سياسات التنمية الاقتصادية والاجتماعية، بعد تقييم ودراسة دقيقة. يجب العمل على دعم التقييم ومأسسته، باعتباره أداة من أدوات اتخاذ القرار العمومي، هذا التقييم يجب ألا يكون قبليا، فقط، عند اتخاذ تدابير جبائية، بل كذلك بعدي، بقياس نتائج تفعيل تلك التدابير وما تقتضيه من قوانين تنظيمية في بعض الأحيان.

< هل يمكن القول إن المشروع الحالي يندرج في إطار التوجيهات الملكية بشأن الإصلاحات الاقتصادية والتنموية؟
< أكد جلالة الملك في خطابه الأخير أن الحكومة والبرلمان مسؤولان عن توفير شروط النجاح لأهم الرهانات والتحديات الاقتصادية والتنموية التي تفرضها المرحلة الجديدة. علينا أن نعمل جميعا على استعادة ثقة المواطن في مؤسسات البلاد وفي إيراداتها وقدراتها على الاستجابة لحاجياته الملحة.
إن بلادنا حققت، فعلا، مجموعة من التراكمات الإيجابية، لكنها تواجه مجموعة من العوائق التي تعترض مسار التنمية على مستوى التوازن الاجتماعي والمجالي وبطالة الشباب وإشكالية التعليم والصحة…
فأمام هذه الإشكاليات تبقى التوجيهات الرشيدة لجلالة الملك أكثر إرادة و جرأة وشجاعة من التدابير المتخذة من قبل الحكومة من خلال مشروع قانون المالية. ولذلك فعلى الحكومة أن تنكب بكل حزم على تفعيل التوجيهات الملكية باعتبارها أوراشا استعجالية، في أفق إعداد نموذج تنموي جديد يساهم فيه كل الفاعلين، ويمكن من تحقيق نسب نمو أعلى وإدماج أكثر الفئات الفقيرة والهشة.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض