منبر

تحريم التصوير … عصيد: الفن يزعج الفقهاء لأنه ينافسهم

عصيد قال إن هدم التماثيل استمرار للاعتقاد أنها تشبه بالإله

قال أحمد عصيد إن تحريم فنون التصوير والرسم والنحت راجع إلى قرون من الجمود الفقهي، الذي ما زال يرى في هذه الفنون تشبها بالذات الإلهية وتشجيعا على الوثنية، وهو ما اعتبره مسألة مثيرة للسخرية، واستعرض الباحث والناشط الحقوقي نماذج من الفظاعات، التي ارتكبت باسم الفتوحات الإسلامية واستهدفت آثارا وتماثيل لها قيمة تاريخية وحضارية لأنها تستند إلى فتاوى تجاوزها الزمن والتاريخ.

< بماذا يمكن تفسير العداء الإسلامي لفنون التصوير والرسم وصناعة التماثيل؟
< هذا الموضوع في الواقع يتعلق بتخلف الفكر الفقهي في المغرب، لأنه في جارتنا الجزائر توجد تماثيل وما زالوا يصنعونها في العراق ومصر وفي مختلف البلدان، فقط في المغرب يوجد هذا الموقف المتخلف بسبب قرون من جمود الفكر الفقهي واعتماده على التكرار والاتباع وتقليد الآراء الفقهية القديمة، والتي كانت تقوم على مصدرين اثنين:
الأول هو الفكرة القائلة بأن الأوثان جاء الإسلام لمحاربتها، ولهذا فكل ما له ظل فهو يمكن أن يعبد، وهذه فكرة تبدو اليوم مضحكة، أي أن يمنع شخص أو يحرم تمثالا لأنه سيُعبد فهذا مثير للسخرية، لكن الغريب أن المجلس البلدي لطنجة التابع لحزب العدالة والتنمية عندما قيل إنه ينبغي أن ينجز تمثال لشخصية ابن بطوطة، قال ينبغي أن نستشير الفقهاء لأن هذا حرام. نعم يحدث هذا في القرن 21 فهناك إذن عقلية جامدة ومتحجرة، ما زالت تعتقد أن الإسلام جاء لمحاربة الأصنام، ولهذا لا ينبغي صنع شيء من حجر أو جبص أو غير ذلك من المنحوتات، كما لو أن الناس ما زالوا يعبدون الحجر.

< وماذا عن المصدر الثاني؟
< المصدر الثاني هو الحديث المنسوب إلى البخاري أو ما يسمى "صحيح البخاري"، الذي يروى فيه حديث مفاده أن "أشد الناس عذابا عند الله يوم القيامة المصورون"، أو "إن الذين يصنعون هذه الصور يعذبون يوم القيامة، يقال لهم: أحيوا ما خلقتم"، هذا معناه أن الإسلام رفض التصوير ورفض النحت لأنه تشبه بالخلق الإلهي، أي أن الإنسان يتشبه بالإله فيصنع مخلوقات مثل الطيور أو غير ذلك، فاعتبر هذا الحديث المنسوب إلى البخاري التصوير تشبها بالذات الإلهية وتطاولا على الله واختصاصاته، واستعمل هذا الحديث كثيرا، ومن هنا فالحضارة الإسلامية لم تكن حضارة نحت أو تصوير في غالب البلدان ولو أنه في بلاد فارس كان الرسم موجودا، ولكن في بلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط يمكن القول إن الاتجاه مضى نحو الزخرفة بالخط وتطويره، بدون تصوير الأشياء الحية أو الحيوانية مثل الناس والملائكة وغيرها.

< لكن ما زالت النصوص الدينية تشكل مرجعا للفتاوى التي ما زالت تحول دون تجاوز هذا الجمود، مثال السعودية التي ما زال التيار المتشدد فيها يصدر فتاواه إلى العالم الإسلامي؟
< هذا يدل على أن الفكر الفقهي تجاوزه الزمن والتاريخ، وهو لا يريد أن يتغير، فهذا الفهم لا علاقة له بعصرنا هذا، فلا يمكن أن نقول حاليا إنه يمكن أن نصنع أشياء لنعبدها أو أن من يبدع فهو يتشبه بالذات الإلهية، فهذا كلام فارغ وليس له أي معنى، بل هو من مظاهر التشدد الفقهي والجمود الفكري لدى الفقهاء، وبالطبع هناك تمرد على كل هذا، فالشباب يبدع، والمنحوتات تتزايد واللوحات الفنية تبدع في كل مكان، وأعتقد أنه لم يعد هناك مكان لمثل هاته الأفكار.

< هل هذا ما جعل "داعش" في حروبها الأخيرة تركز أيضا على تدمير الآثار واستهداف التماثيل؟
< هذه الحروب تشبهت بالهمجية التي عرفت في الغزوات الأولى للأمويين، وفي عهد عمر بن الخطاب أحرقت الكثير من المكتبات، وعمر نفسه هو الذي أمر بإحراقها كما هو الأمر في فارس، ومكتبة الإسكندرية، وعند دخول الجيوش العرب إليها وتشويه الكثير من الآثار.
وما فعلته "داعش" في الحروب الأخيرة بالآثار، هو ليس امتدادا لذلك السلوك القديم، الذي كان يعتقد هؤلاء الغزاة، بأن هدم التماثيل يعتبر جهادا وإعلاء لراية الإسلام دون النظر إلى قيمتها الأثرية والتاريخية فهي قمة الجهل، وتعكس أن هذا الفكر المتطرف ليس فكر حضارة بل فكر بداوة ولا يعرف أبجدية الحضارة التي تعتبر أن آثارا قديمة مثل "تدمر" أو "البتراء"، هي آثار ثمينة جدا للبشرية لما تختزنه من دلالات الحضارات القديمة.
كل هذا يدخل ضمن التشبه بسلوك الأوائل، فليس إبداعا وليس اختراعا، فهؤلاء الذين يقولون هذا لا علاقة له بتاريخ الإسلام، لم يقرؤوه ليعرفوا أن هذا السلوك وجد عند الغزاة العرب الأوائل، الذين غزوا مصر وفارس ومختلف البلدان ودمروا الكثير من آثارها، معتبرين أن ذلك يدخل ضمن محاربة الوثنية.

< هناك تيار وسط الفقهاء ما زال حريصا على شيطنة الفن عموما، ما سبب ذلك؟
< علاقة الفقهاء بالفن علاقة متوترة دائما، لأنهم ضد كل ما يجمع جمهورا، أي كل ما يتجمهر حوله الناس ويحبه ويشغفون به، فهو مزعج لهم لأنهم يريدون أن يستمع الناس لهم فقط، ولهذا يكرهون الغناء لأن الجمهور يقبل عليه. ولهذا يحارب الإسلاميون اليوم الفنون، فمثلا في سوس الآن توجد حملة يشنها دعاة تابعون لحركة الإصلاح والتوحيد ضد فنون أحواش وضد الفنون الغنائية في سوس، فقط لأن لها جمهورا كبيرا وهو يعتبرون هذه الفنون تنافسهم في استقطاب هذا الجمهور.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق