الصباح السياسي

العثماني 2 … “من الخيمة خرج مايل”

فعالية مفقودة رغم التعديل الحكومي ووزراء تائهون ومسؤولون باختصاصات متداخلة

لم يستفد سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة من التعديل الحكومي الذي انتظره المغاربة بشغف، معتقدين أنهم سيحصلون أخيرا على حكومة الكفاءات التي ستسرع من وتيرة الإنجازات وتطبيق الأوراش المفتوحة، وتلغي الصراعات الداخلية حول الاختصاصات، وتدمج القطاعات المتعددة في قطاع واحد، وتنهي تضارب المصالح وتوحد البرامج وتجمع البنايات الإدارية وملحقاتها.

شتات البرامج وضياع الميزانيات
العثماني استبق التعثرات بالقول إن التعديل كان مطلبا للمواطنين وتم التفاعل معه رسميا
اتضح بأن التعديل الحكومي هو بمثابة تقليص لعدد الوزراء، وحذف كتابات الدولة، وبعض وزراء المنتدبين، حتى دون تقديم تقييم لعمل كل وزير على حدة، وإبراز النواقص والأخطاء المرتكبة، كي لا يكررها الوزراء الجدد. وعوض ذلك، تبادل الوزراء المجاملة تحت إشراف زعماء وقادة أحزاب الأغلبية، ورئيس الحكومة، إذ أثنوا على بعضهم البعض بأنهم وزراء الكفاءة، وأبلوا البلاء الحسن في قطاعاتهم وقدموا الأحسن بالنسبة إليهم، وهذا الأمر أقرب إلى لاعبي المنتخب المغربي لكرة القدم، الذي ينهزم دائما في أغلب التظاهرات القارية، ويوزع المسؤولون تصريحات بأن لدى المغرب منتخبا واعدا يعول عليه في المسابقات المقبلة، وحينما تحل التظاهرة الدولية، يكررون على مسامع المواطنين التبريرات نفسها لتفسير الهزائم وإحصائها.
وحاول العثماني، تبرير قرار تقليص عدد الوزراء، الفاقد للفعالية، بالقول إن التعديل الحكومي، كان مطلبا للمواطنين والفاعلين السياسيين، وتم التفاعل معه رسميا، عبر وضع تركيبة إيجابية، وجهت من خلالها رسالة سياسية بأن إرادة الإصلاح، آتية، ولا يمكن التراجع أبدا عن مبدأ تقليص أعضاء الحكومة الذي لن يقل مستقبلا عن 18 وزيرا ولن يزيد عن 25، واصطدم بواقع مر هو أن التعديل الحكومي، ارتبط فقط بعملية تقليص عدد الوزراء، بحكم بروز مشاكل سياسية وتقنية، أهمها نسيان وزارة الاتصال واستدراك أمر إعادتها إلى الصف الحكومي بطريقة ارتجالية، بعدما احتج 400 موظف على وضعهم الاجتماعي والإداري والمالي، وتوقف صفقات التأشير على الكتب المستوردة، وجمود الحركة نهائيا بمقر الوزارة بمدينة العرفان، بالرباط. ما جعل العثماني يستنفر مستشاري وزارته، والأمانة العامة للحكومة لبحث حل يرضي الجميع، فاقتنع بإضافة قطاع الاتصال إلى الحقائب الأربع لوزير واحد، كأنه دخل عهد تعدد الوزارات عوض تعدد الزوجات، ممثلة في الشباب والرياضة، والثقافة، الناطق الرسمي باسم الحكومة، وبذلك سيقضي الوزير جل وقته في التنقل بين الوزارات، لعقد اجتماعات يشارك فيها الكتاب العامون، وكبار المسؤولين، يتخذون القرارات ويوقع عليها.
وظهر واضحا أن باقي الوزارات تعرف الوضع نفسه، سواء قطاع إعداد التراب الوطني والتعمير وسياسة المدينة، أو السياحة والصناعة التقليدية والنقل الجوي والاقتصاد الاجتماعي، وطبعا وزارة التضامن والتنمية الاجتماعية والمساواة والأسرة التي لم تتمكن حتى من حل مشكل بسيط يتعلق بذوي الاحتياجات الخاصة، دون الحديث عن المسنين، والمرأة والأطفال سواء بالقرى أو محيط المدن أو الجبال.
ويحتاج رئيس الحكومة إلى إعادة هيكلة إدارة رئاسة الحكومة، حتى تتشكل من أقطاب تقنية وسياسية، تسيرها كفاءات خبيرة في جميع المجالات، تشتغل بمنطق ومفهوم حكومة الظل، التي تحاكي عمل القطاعات الوزارية المشكلة للحكومة، لضمان الانسجام والتقائية البرامج من حيث الأهداف المسطرة المرتبطة بميزانية دقيقة، ولا يمكن لرئيس الحكومة المقبل الاشتغال بمزاجية، أو بتوزيع الحقائب لأجل إرضاء البعض، أو تحت الضغط بتلبية رغبات أشخاص، صنفوا أنفسهم ضمن قائمة النافذين.
ولم تظهر لحد الساعة لمسات الوزراء الجدد في العمل، طبقا للوصف الذي منح لهم بأنهم وزراء الكفاءة، بل برز جليا أنهم تائهون بين مقار الإدارات المترامية الأطراف، منشغلين بجمع المعطيات وتوقيع الملفات في أي مكان، لذلك يمكن أن يوقع الوزير ربما حتى على استقالته كما حصل لبعض رؤساء المجالس الترابية الأميين الذين سخر منهم موظفون، ووضعوا استقالتهم وسط كومة أوراق مطلوب منهم توقيعها بسرعة، دون الاطلاع عليها فوقعوا عليها.
واعتبر العثماني أن تشكيل وتقليص عدد أعضاء الحكومة كان عملية صعبة، منوها بالأغلبية الحكومية التي ساعدته على إنجاحها، ومبديا تفاؤلا بخصوص مستقبل الحكومة التي اعتقد أنها ستعمل خلال الفترة المقبلة على تحسين الوضع السياسي والاجتماعي في الحدود الممكنة، مضيفا أن تقليص الوزراء سيضيف قيمة مضافة في عمل السلطة التنفيذية، والتي تتجلى في ضمان التقائية البرامج، وربح الوقت والجهد والمال، داعيا الفرقاء السياسيين إلى محاربة اليأس والعدمية، والارتقاء بالخطاب السياسي إلى المستوى المطلوب، والتعامل بصدق مع المواطنين.
وحتى في بروتوكول التقاط صورة التعيين، تم حشر النساء الوزيرات في ركن خفي وراء الوزراء، ما فسر بأن النساء في الحكومة مجرد توابع، وليس لهن مركز اجتماعي سياسي معتبر، لذلك فإن حضورهن في الحكومة تقلص من ثماني وزيرات، كاتبات دولة منتدبات، إلى أربع وزيرات، وهذا أيضا من مسؤولية زعماء وقادة الأحزاب الذين يفضلون ترشيح عدد كبير من الرجال وليس النساء، بل وجدوا صعوبات في انتقاء لوائح، وغالبا ما اضطروا إلى البحث خارج إطار العمل الحزبي، إلا من بعض الاستثناءات. ويظهر جليا أن التعديل الحكومي لا علاقة له بسياسة واضحة تحقق التنمية الدائمة في جميع المجالات، لأن ذلك أضحى مرتبطا بوضع نموذج تنموي جديد.

أحمد الأرقام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض