fbpx
منبر

ناشيد: التـراث الفقهـي قسـا علـى المـرأة

ناشيد قال إن أحكام الأمر في القرآن لم تعد سياقاتها موجودة

قال سعيد ناشيد إن مبررات الفقهاء للخطاب القرآني أفرزت نتائج خطيرة على مستوى تكريس النظرة الدونية إلى المرأة، وأضاف الباحث المهتم بقضايا التجديد الديني أن التراتبية والهرمية والتمييز بين أفراد المجتمع على أساس ديني وعرقي من ملامح العالم القديم، التي أضحت متجاوزة، كما اعتبر أن أحكام الأمر الواردة في القرآن لها سياقاتها الخاصة، التي لم تعد موجودة.

< تطرح شهادة المرأة التي تعادل نصف شهادة الرجل حسب التشريع الفقهي الإسلامي إشكالات حول وضعها وصورتها.. ما تعليقك؟
< هذا السؤال يندرج ضمن ما اعتبره الجرح الأنثوي، أو ما يسمى الأحكام، لأن سوء حظ الأنثى هو أنها لا تملك سوى نصف الحقوق ونصف الشهادة ونصف الإرث ونصف الدية، والأكثر سوءا ليس هو الأحكام ذاتها والتي لها في كل الأحوال ظروفها وشروطها وسياقها التاريخي، وتعبر عن العالم القديم الذي كان عالما تراتبيا بالضرورة قائما على نوع من الهرمية، بين البشر ولكن الأسوأ هو التبريرات وحين نسمع تبريرات الفقهاء تقول بأن شهادتها نصف شهادة الرجل وأنها قد تنسى فتذكرها أخرى وما إلى ذلك، فهي في كل الأحوال مبررات تذهب إلى أن عقل المرأة هو أقل من عقل الرجل بالنصف، ونحن في كل الأحوال لا نعرف مقاصد الخطاب القرآني، فهو لم يقل شيئا عن مقاصده وإنما مبررات الفقهاء هي التي ترتبت عنها نتائج خطيرة على مستوى نظرة المرأة إلى ذاتها، إذ يطاردها منذ الطفولة التصور القائل إن عقلها بأبعاده التذكرية وقدراته الإدراكية أقل من شقيقها الرجل.

< إذن الأمر يتعلق بأحكام فقهية؟
< نعم يتعلق بالأحكام والأحكام فيها نقاش، فهي ليست من ثوابت العقيدة، فالعقيدة لم تأت من أجل الأحكام وإنما من أجل القيم، وهناك قيم أساسية في العقيدة هي الرحمة وهو ما تنطق به الآية القرآنية "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين".
وهذه قيمة من القيم الأساسية للعقيدة والتي تتم التضحية بها، من أجل بعض الأحكام، فأين نحن من الرحمة عندما نصر على أن المرأة لا تملك إلا نصف شهادة أو إرث أو دية؟، فالمطلوب ليس هو تفعيل الأحكام، بل تفعيل القيم وتكييفها، ولتكن أحكامنا منسجمة مع جوهر العقيدة القائم على الرحمة.

< مسألة التراتبية في الأحكام يبدو أنها لا تخص المرأة بل تنصب أيضا على غير المسلم وهذا ما يطرح إشكالا آخر؟
< الأحكام الدينية أو الفقهية عموما، تعبر عن نظرة الإنسان الذي كان يعيش في العالم القديم وهو عالم قائم على الهرمية بين البشر، فالرجل أفضل من المرأة والذكر أفضل من الأنثى والمسلم أفضل من غير المسلم، والمؤمن أفضل من الكافر، والكبير أفضل من الصغير وما إلى ذلك، من تأكيد للهرمية في نهاية المطاف، فمفهوم المساواة لم يكن حاضرا في العالم القديم، بل هو مفهوم جديد وهو اللحظة المفصلية في الانتقال من العالم القديم إلى العالم الجديد، فهذا المفهوم أنتجته الحداثة المعاصرة، وهو في كل الأحوال قائم على مبدأ أن الناس متساوون في القدرات العقلية وأن العقل هو أعدل قسمة بين الناس، لا يتفوق في ذلك الرجل على المرأة أو مؤمن على غير مؤمن، أو مسلم على غير مسلم، إلى ذلك من أشكال التمركز حول الذات الدينية والعرقية، لأننا حين ندخل في هذه التراتبية التي تفضل وتجعل المسلم أفضل من غير المسلم، بدون وجه حق، وبدون كفاءات لأنه فقط الرؤية الفقهية أرادت هذا الأمر، فحتى إذا دفعنا بهذه الفكرة إلى حدودها القصوى، نجد أنه حتى وسط المسلمين هناك تمييز وتراتبية، فهذه الجماعة أحسن من تلك الجماعة، لأنها الأقرب إلى ما يسمى بصحيح الدين وصولا إلى ما يسمى الفرقة الناجية، هذه التراتبية بلا حدود وتؤدي إلى وضع فتنوي في نهاية المطاف وتحرمنا من إمكانيات والاستفادة من طاقاتنا بصرف النظر عن الانتماء الديني.

< الأحكام الفقهية تستند إلى نصوص دينية في حكم القطعية والنص الديني واضح في هذا المجال… ما الحل؟
< لكي أكون أنا أيضا واضحا، فما يسمى الأفعال الواضحة، في الخطاب الديني والقرآني، فرؤيتي كما بسطتها في مناسبات سابقة، تقوم على اعتبار أن أفعال الأمر كما هي واردة في الخطاب القرآني، فلسنا نحن هم المأمورين بها، فتلك الأوامر لها مأمورون محددون بالزمان والمكان والسياق، وهناك أفعال أمر تخص النبي حصرا، وهناك أخرى تخص زوجاته وأخرى تخص بعض الصحابة، فحتى عندما نجد بعض الآيات القرآنية التي تدعو إلى القتال وقطع الرقاب فهي تخص معارك محددة، لها اسم معين وزمن معين، ولها مقاتلون محددون، وتنتهي أفعال الأمر بانتهاء سياق المأمورين، فمثلا هناك أفعال أمر تدعو المؤمنين إلى الهجرة، فهل نحن ملزمون أيضا بفعل ذلك، إذ نعلم بالحس السليم أن أفعال الأمر التي تدعو المسلمين إلى الهجرة، قد نسخ حكمها مباشرة بعد فتح مكة، كذلك أفعال الأمر التي تخص نساء الرسول قد نسخ حكمها بعد وفاة آخر زوجة من زوجات الرسول.
ماذا بقي بعد ذلك، هناك القيم الروحية والوجدانية القائمة على المحبة والحكمة والرحمة، ولو أعدنا النظر في الدين، انطلاقا من جوهره القائم على كل تلك العناصر، فسنحاكم موروثنا الديني بأكمله الذي يريد أن يجره في اتجاه القسوة في علاقتنا بالمرأة ومع غير المسلم ومع المختلف.
أجرى الحوار:
عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق