اذاعة وتلفزيون

هاروش: تراثنا مهدد بالاندثار

سوزان هاروش تكشف ملامح مشروع توثيق أغاني يهود تافيلالت

حلت الفنانة والباحثة سوزان نزري هاروش ضيفة على مهرجان الأندلسيات الأطلسية الذي احتضنته الصويرة نهاية الأسبوع الماضي، وفاجأت جمهور المهرجان بتقديم عرض مرفق بالأداء الغنائي لنماذج من التراث اليهودي المغربي الخاص بمنطقتي أرفود وتافيلالت. في هذا الحوار الذي خصت به “الصباح” تتحدث سوزان عن ملامح مشروعها التوثيقي، كما تستعيد جزءا من طفولتها وذكرياتها مع الغناء الشعبي لمغرب الجنوب الشرقي، وأشياء أخرى تجدونها ضمن الحوار التالي.

من خلال اهتمامك بالتراث اليهودي المغربي اخترت الاشتغال على جانب متعلق بالذاكرة الغنائية الشعبية.. ما هي ملامح مشروعك؟
لست الوحيدة التي تهتم بالاشتغال على الذاكرة اليهودية المغربية، فهناك باحثون ومراكز تهتم بهذا التراث، ويبدو أن هذا الاهتمام يتزايد رغبة من القائمين عليه في الإمساك بما تبقى منه قبل اندثاره، وبدوري ومن منطلق أنني مغربية قبل أن أكون يهودية، تبين لي أن هناك جانبا من هذا التراث هو الآخر معرض للضياع والانقراض، إن لم يكن قد انقرض بعضه فعلا، وهو أغاني نساء يهود منطقة تافيلالت الذي عكفت طيلة سنوات على جمعه وإعادة تقديمه، وقد أتيحت لي فرصة الكشف عن جوانب من ملامحه هنا في هذا المهرجان على أرض الصويرة التي تشكل ملتقى لروافد الثقافة والمكونات المغربية الأصيلة.

لماذا بالضبط تراث تافيلالت؟
لأنني، وبكل بساطة، ولدت في مدينة أرفود وبها نشأت وترعرعت وتشبعت بالأجواء السائدة هناك ومنها الأغاني التراثية سواء الخاصة باليهود أو المسلمين، إذ الملاحظ أنها كانت تغنى بالإيقاعات والألحان نفسها، رغم وجود بعض الفوارق الطفيفة التي تعكس تميز كل مكون على حدة، وهي الأغاني التي ظللت مسكونة بها حتى بعد انتقال أسرتي من أرفود إلى مكناس، ثم إلى الرباط، في الوقت الذي انتقلت فيه، وأنا في سن الثالثة عشرة إلى البيضاء لمتابعة دراستي لمدة ثلاث سنوات، قبل الاستقرار في العاصمة.

هل كنت تعتقدين أنه سيأتي يوم لتكشفي بصوتك عن المخزون التراثي الذي تجمع لديك؟
كنت مدفوعة في البداية بالعشق والشغف، بهذا التراث، إذ رغم انشغالاتي المهنية والأسرية، إلا أنني لم أكف يوما عن التقاط وجمع هذا التراث، بل إنني في كثير من المناسبات الخاصة والعائلية، بمجرد ما انتبه إلى امرأة مسنة تغني إحدى المقاطع الغنائية، حتى أنفرد بها وأستعيد معها ما غنته وأدونه على الورق، قبل أن يتطور الأمر إلى توسيع دائرة البحث في أوساط النساء اليهوديات اللواتي غادرن المغرب إما إلى أوربا أو إسرائيل أو كندا، إذ كنت أتصل ببعضهن هاتفيا وأدون ما يحفظن، حتى إن منهن من توفين وكدن أن يحملن ما يختزن في ذاكرتهن إلى القبر دون أن يتم تدوينه، بمعنى أن هاجس الخوف من ضياع هذا التراث هو ما كان يحثني على التنقيب عليه وأتعقبه في كل مكان، لكن فكرة إعادة تقديمه غنائيا لم تتم إلا خلال الفترة الأخيرة.

كيف ذلك؟
اشتغلت سنوات مديرة لفندق “باليما” الشهير بالرباط، فكنت ألتقي دائما بالفنانين بهذا الفندق الذي كانوا يقصدونه، خاصة في المهرجانات، وبحكم الألفة التي جمعت بيننا، كان كلما سمع أحدهم صوتي إلا وأبدى إعجابه به، وهو ما شجعني على التفكير في إعادة الأغاني التي كنت أجمعها بصوتي، وهو ما تفرغت له بشكل كلي وجدّي عند حصولي على التقاعد، إذ قررت الولوج إلى عالم الفن، فزيادة على التشجيع الكبير من العائلة والأصدقاء و أيضا من حفيداتي، حتى أترك لهن شيئا يفتخرن به، صممت على ذلك وكلي طموح كبير لأشكل إضافة إلى الأغنية المغربية بكل روافدها، خاصة العمل على المزج بين الأغاني المغربية برافدها اليهودي الذي نعتز به جميعا كمغاربة، وحتى أترك بصمتي في عالم الفن تحقيقا لرغبة عائلتي والأصدقاء المقربين.

كم استغرق مشروعك الحالي بعد التفرغ؟
حوالي سنتين انغمست فيهما كليا لجمع ما تبقى من تراث يهود منطقة تافيلالت ومغرب الجنوب الشرقي عموما، اعتمادا على إمكانيات ذاتية، لإضافته إلى ما كنت أحفظه منذ الصغر، والطريف أنني أحرص على تدوينه باللغة العربية التي أجيدها قراءة وكتابة، بحكم أنني درست في طفولتي بالمدارس العمومية جنبا إلى جنب مع المسلمين، في الوقت الذي كنت أتابع دروسي العبرية مساء، وهو ما مكنني من الإلمام باللغتين، وبالتالي لم أكن أجد صعوبة في تحرير النصوص المغناة بالدارجة المغربية. كما أن المقاطع العبرية أدونها بحروف لاتينية، وأود أن أشير إلى أن ما قدمته من أغان خلال مشاركتي في مهرجان الأندلسيات الأطلسية بالصويرة أو في مناسبات أخرى قبلها، ليس سوى النزر اليسير مما تجمع لدي من هذا التراث الغني والذي يشتمل على شذرات من نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين.

ما خطوات المرحلة المقبلة؟
ما زلت أواصل اشتغالي على تجميع هذا التراث، وسأصدر ألبومات أعيد فيها هذه الأغاني التي تشكل جزءا من الموروث المغربي، وتعكس هوية هذا البلد الذي لم أفكر يوما في مغادرته، لأنني فعلا عشت فيه معنى التآخي والتعايش، في كل مناحي الحياة، حتى في الفن، إذ أذكر أن المزج الغنائي أو ما يسمونه حاليا “الفيزيون” كان جزءا من حياتنا إذ في أعراس اليهود كنت تجد أغاني إبراهيم العلمي وفويتح متجاورة إلى جانب أغاني زهرة الفاسية وبوطبول وسليم الهلالي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى المسلمين، وهو ما يعكس روح المغرب المتعدد الذي نريد.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب (موفد “الصباح” إلى الصويرة)

في سطور:
> فنانة وباحثة
> من مواليد 1953 بأرفود وسط أسرة يهودية مغربية.
> تابعت دراستها بأرفود والبيضاء والرباط.
> مديرة سابقة لفندق “باليما” بالرباط.
> تشتغل منذ سنوات على مشروع لإحياء التراث الغنائي ليهود منطقة تافيلالت.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض