ملف الصباح

المغربي … “فهم تسطى” : هشاشة نفسية

معاكيز يريدون أن يحصلوا على المال بسرعة وبالطرق السهلة

بعض مغاربة اليوم ينهارون بسرعة في مواجهة أي مشكل طارئ في حياتهم، حتى لو كان بسيطا. ولعجزهم عن تجاوز ذلك المشكل، ينغمسون في تناول المخدرات، وينصتون إلى أغاني الإحباط والانهزام عن «الزهر اللي ما كاينش» و»الميمة الباكية ديما»، وعن الظلم والظالمين، وعن «ضريب الكاس» و»الباسبور والفيزا» و»لحريك» وأغاني «الرابورات» المؤدية إلى الانتحار، وأغاني «إلترا» مشجعي كرة القدم، التي تنشر اليأس، علاوة على ما يبث في الإذاعات الخاصة التي تدمر وتشجع على الإحباط وتزرع الاكتئاب.
وحتى حينما يسعى هؤلاء المغاربة إلى أن يكونوا في حالة انشراح تام، يشربون بشكل مريع ويتناولون كل أنواع المشروبات الروحية خلال بضع ساعات للتأسف عن قرارات لم تتخذ في حياتهم، كأنهم فشلوا في منافسة رواد الفضاء، أو صناع «برمجيات» الحواسيب والهواتف الذكية، ما يجعلهم في حالة صحية صعبة جدا، تستدعي إما تدخلا أمنيا لتطويق الكوارث في الحي، أو طبيا نفسيا لتقديم أدوية تساعد على النوم.
وفقد الشعب المغربي، وعيه وقيمه، رغم أن وضعه الاجتماعي والمادي تحسن بشكل كبير، بخلاف ثمانينات القرن الماضي الذي كان فيه العديد من المغاربة فقراء، ومع ذلك لم يتراجعوا عن نخوتهم الاجتماعية، لمواصلة العيش في ظل الكرامة، فماذا حدث حتى ضيع المغاربة، قيمهم الاجتماعية؟ الجواب بكل بساطة أنهم فقدوا التربية الأسرية التي كانت تحيطهم بالرعاية وبناء شخصية قوية قادرة على تحمل المسؤولية، وتميز بين الممنوع قانونيا والمباح، وبين الأخلاق والأشياء المنافية لها، وحساب تداعيات أي قرار، وتجعل من الشخصية قوية غير منهزمة، سواء كانت فقيرة أو فقدت المال والسلطة والجاه، أو حتى أثناء مواجهة الفشل العاطفي، إذ لم يكن ذلك نهاية العالم، كما هو حاصل الآن بالنسبة إلى الكثير من الشباب المغاربة.
وبذلك أصبح البعض يعاني الهشاشة «النفسية». يريد أن يصبح غنيا بدون عمل، ويحصل على المال وبأي طريقة، كي يتباهى أمام أقرانه، وأفراد عائلته، وتشييد فيلات وشقق وشراء سيارات، ونشر كل شيء عن حياته في المواقع التواصل الاجتماعي، واللغو في أشرطة فيديو، لتحصيل شهرة زائفة، اعتقادا منه أن هذه هي الحياة، والحال أنه مصاب بأمراض نفسية معقدة.
وحتى حينما يشتغل هذا النوع من المغاربة «لمعاكيز»، بشكل مؤقت في مهنة، يصرفون نصف أرباحهم في أمور غير منتجة، مثل تناول المخدرات، ومزاولة القمار، وألعاب الحظ، ويتهمون الدنيا أنها السبب في غياب « الزهر»، فحارس السيارات، وبائع «السردين»، وموزع «النعناع» على المقاهي والمطاعم، وماسح الأحذية وبائع السجائر بالتقسيط، والتاجر الصغير، «ومول الزريعة»، و»مول المحلبة» والبائع المتجول، وحتى المتسولون وممتهنات الجنس في أي مكان، يحصلون على دخل يتراوح بين 200 إلى 400 درهم في اليوم كمعدل، ومع ذلك يحتجون ويدعون أنهم «محكورون». وينضاف إليهم قاطنو دور الصفيح، الذين عاشوا مجانا، لم يؤدوا واجبات الكراء، ولا فاتورة الماء والكهرباء، ولم يؤدوا أي ضريبة وهم يشتغلون بمختلف الحرف سواء في تجارة الخضر والفواكه، أو النجارة أو الحدادة، يراكمون الأرباح، ومع ذلك يحتجون، وحتى حينما تمنحهم السلطات شققا بأداء أقساط شهرية، يثورون.
والحقيقة أن الموظفين والمستخدمين، الذين يتنقلون بين الوظائف والمهن بحثا عن لقمة عيش تضمن لهم الكرامة في زمن القحط، لا يملكون شققا، ويعيشون في حالة فقر مستدام، يقنعون بما لديهم ولا يرددون أنهم «محكورون»، رغم أن دخلهم أقل ويعيشون على الاقتراض، وأغلبهم درس أزيد من 25 سنة، وهم من يتم الاقتطاع من أجورهم، ويؤدون الضرائب.
وانقلبت القيم بالمغرب، شباب يسعى إلى أن يعيش أكثر من دخله، والأغلبية منهم يريدون العيش بالمجان، كسالى، «معاكيز»، يتنافسون على صناعة السيوف عند محلات الحدادة، للاعتداء و»التشرميل» وتناول المخدرات، بدعوى أنهم يعانون «الحكرة»، وهو المصطلح الذي فهمه مع الأسف العديد من الفنانين، ب»المقلوب» وساروا يرددونه مثل الببغاوات، فيما هؤلاء «الكسالى» و»المعاكيز»، والذين يتناولون المخدرات، هم من يمارس «الحكرة» ضد مغاربة يستيقظون باكرا للعمل، ويعترضون سبيلهم ويسلبون أموالهم، وأحيانا يصل الأمر إلى الاعتداء الجنسي والقتل، وتدعمهم أمهاتهم، بالقول «لحبس لرجال» والحقيقة «لحبس لشمايت»، بل إن من بين هؤلاء النسوة من تكتري صغارها لأخريات للتسول، حرفة جديدة تدر عليهن أرباحا، والمال يجلب المال بدون شغل، لهذا لا بد من شعب جديد عبر تغيير العقليات بشكل جذري.

الشعباني: غياب النقد الذاتي
قال الدكتورعلي الشعباني، أستاذ علم الاجتماع، إن إلقاء اللوم على الآخرين، هو تهرب من تحمل المسؤولية في مواجهة أي طارئ، وهو مرتبط بتربية الأطفال بالمغرب، إذ دأب الآباء على تبني الثقافة الشعبية السائدة التي تخفي أمورا كثيرة، بينها عدم تحمل المسؤولية في اتخاذ القرار ورمي الآخرين، بأنهم هم المسؤولون، سواء حينما يتأخر المواطن عن موعد إقلاع الطائرة، أو ركوب القطار، أو الرسوب في الامتحان، أو عدم البحث عن شغل.
وأكد الشعباني وجود عجز لدى البعض في مواجهة المشاكل، وتبرير أخطائه، ما يعني أنه لا يمارس النقد الذاتي، ويسقط في العديد من الأخطاء التي تصبح في ما بعد أزمة اجتماعية لا يستطيع تجاوزها.
أحمد الأرقام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض