حوار

نادير: كفى من الإعفاءات الضريبية غير المنتجة

نادير الإطار بوزارة المالية أكد أن التهويل من كتلة الأجور هدفه تبرير تقليص التوظيف

أكد محمد نادير، الإطار بالمديرية العامة للضرائب بالبيضاء أن مشروع القانون المالي الجديد لا يتضمن أي إجراءات استثنائية توحي بأنه مشروع حكومة جديدة، جاءت للجواب على تعثر النموذج التنموي.
وأوضح نادير في حوار مع “الصباح” أن الظرفية التي يجتازها المغرب ترفض منطق التهويل ولغة الإكراهات، لأنهما سيعمقان أزمة الثقة بين مكونات المجتمع والمحيط الدولي.
في ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار: برحو بوزياني – تصوير: (عبد اللطيف مفيق)
< تتذرع الحكومة بمنطق التوازنات الماكرو اقتصادية في إعداد القانون المالي. كيف تردون على لغة الإكراهات في خطاب بنشعبون؟
< يعتبر مشروع قانون المالية 2020 استمرارا لقوانين المالية السابقة، فهو لا يتضمن أي إجراءات استثنائية توحي بأنه قدم من قبل حكومة جديدة، جاءت للجواب على الوضع المتأزم وتعثر النموذج التنموي وفشله في تقديم حلول ناجعة للإشكالات العميقة التي تعرفها معظم المنظومات الوطنية، خاصة الاجتماعية منها والاقتصادية.
إن منطق الإكراهات الذي تتذرع به الحكومة في المشروع، يجانب الصواب، فتنزيل التزامات اتفاق الحوار الاجتماعي، يعتبر مكسبا للشغيلة، وليس إكراها ذا طبيعة مالية. كما أن الجهوية المتقدمة وتنفيذ ميثاق اللاتمركز الإداري، يعتبران آلية ناجعة للتدبير المجالي المحدث للقيمة المضافة وفرص الشغل، والاندماج السلس في النسيج الاقتصادي الوطني، ليس إكراها، لأن رصد موارد مالية معقولة للجهات يتأتى من رفع نسب مساهمة الضريبة على الشركات، والضريبة على الدخل ومصادر تمويل أخرى.

< تعاني المقاولات تأخر استرداد الضريبة على القيمة المضافة، ما يعمق أزمة التمويل لديها. ما هي مبررات الحكومة في هذا الصدد؟
< إن استرداد الضريبة على القيمة المضافة لصالح المقاولات، هو دين تمويلي لابد للحكومة أن تؤديه في وقته، وليس إكراها ذا طبيعة موازناتية، وذلك للتخفيف من الصعوبات التمويلية الخانقة التي تعرفها المقاولات العمومية منها والخاصة على حد سواء.
والحال أن الظرفية التي يجتازها المغرب ترفض منطق التهويل بالأزمة ولغة الإكراهات، واللذين سيعمقان أزمة الثقة بين كل مكونات المجتمع والمحيط الدولي، مع تسجيل عدم استغلال المؤهلات الوطنية وضعف تحصيل كل المداخيل المتاحة.

< حمل القانون المالي إعفاءات جبائية لفئات، دون أخرى، ما أثار موضوع العدالة الجبائية التي أوصت بها المناظرة الأخيرة؟
< إن الاختلالات التي تعرفها المنظومة الضريبية الوطنية تفرض على مشروع قانون المالية 2020 وضع حد لكل الإعفاءات غير المنتجة، وإعادة تقييم التحفيزات الضريبية، أخذا بعين الاعتبار النجاعة الضريبية، مع تقييم الأداء في الزمن، وتقييم التأثير على الاقتصاد والاستثمار والإنتاج والنسيج الاجتماعي، وتوفير فرص الشغل اللائق والمنتج للقيمة المضافة.
وإذا كانت هناك إعفاءات، فيجب أن تخص قطاعات أثبتت بالملموس مساهمتها الفعالة في توفير مناصب الشغل، وإنتاج قيم مضافة كبيرة في إطار السلاسل العالمية، التي عرفت بدورها تحولا كبيرا، خاصة في هذه المرحلة التي تعرف الانتشار الكبير للرقمنة ولمنظومة الذكاء الصناعي والتحولات المناخية والبيئية.
إن الحديث عن العدالة الجبائية يفرض بناء منظومة جبائية متكاملة ومنصفة، تقوم على محددات تشجيع الانفتاح والخروج من وضعية التركيز الاقتصادي، ومحاربة هيمنة اقتصاد الريع والامتيازات، وتشجيع الابتكار وتجاوز الاختلالات الاجتماعية والمجالية والترابية، مع مراعاة تحقيق التنافسية الضريبية بين كل فئات المجتمع، وتبسيط المساطر والمقتضيات القانونية الخاصة بالنظام الجبائي.
ويبقى القطع مع اقتصاد الريع ونظام الامتيازات ضرورة قصوى، لأنه ثبت بالملموس عدم تحقيق أي دينامية اقتصادية لهذا النظام، ولم يساهم في توفير مناصب الشغل القارة لمحاربة الهشاشة ومكامن الضعف الإنتاجي والاستهلاكي

< تتذرع الحكومة بمبرر ثقل كلفة الأجور لتبرير تقليص التوظيف. ما هو مستوى الأجور في الميزانية العامة بالأرقام ؟
< خلال كل مشروع قانون مالية تقدم الحكومة مبرر ثقل كتلة الأجور في الميزانية لتبرير تقليص التوظيف من سنة لأخرى فعدد المناصب التي جاء بها مشروع قانون مالية 2020 تبلغ 23112 منصب شغل، الحيز الكبير منها خصص لوزارة الداخلية والصحة وإدارة الدفاع الوطني، مقارنة بـ 25572 منصب في 2018، أي بتراجع بلغ 2460 منصبا (9.6 %). ولم يخصص لوزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي إلا 1069 منصبا.

لا للتهويل من كتلة الأجور
حسب القانون المالي، فإن كتلة الأجور ستبلغ 119.7 مليار درهم خلال 2020، بعدما لم تتجاوز 112.16 السنة الماضية، أي بنسبة 9.76 % من الناتج الداخلي الخام، بعدما كانت 11.40 % في 2012.
لقد تراجعت كتلة الأجور، مقارنة بالناتج الداخلي الخام، وهو معدل يتأرجح حول نسبة 10 % داخل دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية وبمنطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.
وتبقى النسبة المحققة بالمغرب قريبة من النسب العالمية وداخل الدول الشبيهة، عكس ما يروج له من تهويل وتخويف من قبل الحكومة، لرفض كل توظيف أو زيادة في الأجور، خاصة في القطاعات التي تعرف خصاصا كبيرا.
والملاحظ أن نسبة عدد موظفى الدولة تراجعت مقارنة بعدد السكان من 1.74 % إلى 1.59 % في 2019. كما تراجعت نسبتهم مقارنة بعدد السكان النشيطين من 5.03 % في 2013 إلى 4.66 % السنة الجارية.

ضرورة تحيين المحاسبة الوطنية
< هل تريد من خلال هذه المعطيات القول إن المغرب لا يعرف تضخما في عدد الموظفين؟
< من خلال وضع مقارنة ببعض الدول، نجد أن عدد الموظفين بالمغرب يبلغ 546549 موظفا لسكان يبلغ عددهم 35.5 مليون نسمة، في الوقت الذي يبلغ عددهم في تونس بـ 11 مليون نسمة 670 ألف موظف. أما في مصر التي يبلغ عدد السكان بها 98 مليون نسمة، فيصل عدد الموظفين بها خمسة ملايين موظف .
ومن خلال هذه المقارنة، يتضح بشكل جلي ضعف عدد الموظفين، مقارنة بعدد السكان، ما يفسر الخصاص المهول الذي تعرفه بعض القطاعات العمومية، مثل الصحة والتعليم، فعدد موظفي قطاع الصحة، مثلا يبلغ 39 ألف موظف، كما أن عدد عناصر الوقاية المدنية لا يتجاوز 7787 عنصرا.
إن منطق التهويل الذي تتعامل به الحكومة بخصوص ارتفاع أعداد الموظفين وكتلة الأجور، مقارنة بالناتج الداخلي الخام لتبرير تقليص التوظيف والزيادة في الأجور، لا يستند علي أي أساس علمي، أو تصور عميق للإشكالات الاقتصادية والاجتماعية العويصة التي يعرفها المغرب.

< تنتقدون دائما إعداد المحاسبة الوطنية لماذا؟
< إن مقارنة كتلة الأجور بالناتج الداخلي الخام، مقاربة تجانب الصواب لعدد من الأسباب، أهمها أن الناتج الداخلي الخام بالقيمة الاسمية في المغرب لا يضم في طريقة احتسابه كل القطاعات الاقتصادية، خاصة القطاع غير المهيكل، الذي يمثل (30 %من الاقتصاد الوطني)، وتغيب عنه قطاعات أساسية في الدورة النقدية الوطنية.
ولذلك، لا بد من تحيين المحاسبة الوطنية، وتغيير سنتها الأساسية، لكي تعبر بشكل محين وواقعي عن الحسابات السنوية، مثلما فعلت نيجيريا ودول أخرى، التي تغيرت حساباتها، وصارت أكثر تعبيرا عن واقع المحاسبات، وتحولت معطياتها بخصوص تشكيل الناتج الداخلي الخام.
إن الناتج الداخلي للمغرب في 2018، حسب صندوق النقد الدولي يقدر بـ 118 مليار دولار، في حين أنه باحتساب القدرة الشرائية، سيبلغ 314 مليار دولار.
فلو أخذت هذه المعطيات بعين الاعتبار عند احتساب الناتج الداخلي الخام، ستتغير المعطيات، وسيرتفع الناتج بالضرورة.

فشل النموذج التنموي
< لن يتجاوز الغلاف المالي المخصص للاستثمار 78 مليار درهم في الوقت الذي تقدر مداخيل الميزانية بـ 394 مليار.
< ان إشكاليات الاستثمار يجب ربطها بقصور النموذج التنموي ومعضلة التشغيل، خاصة عند الشباب، لأن النموذج التنموي الحالي فشل في تقديم حلول ناجعة للإشكالات العميقة التي تعرفها معظم المنظومات الوطنية، خاصة الاجتماعية منها، ومنها معضلة البطالة المتفشية بنسب كبيرة وسط الشباب المتعلم وغير المكون في الأرياف وهوامش المدن. هذه الوضعية أدت إلى توترات داخلية متعددة، ما يفرض تعزيز دور التعليم في تكوين وتأهيل الشباب للولوج لسوق الشغل، ووضغ آليات وخارطة طريق لتطوير التكوين المهني وتعزيزه بتخصصات جديدة مواكبة للتحولات التي يعرفها عالم الشغل.
وفي رأيي، أن الاستثمار بشقيه العمومي والخاص، واجه مجموعة من الاختلالات المتراكمة خلال عقود، من حيث الحجم والتوزيع المجالي، وطرق التمويل الخاصة والعمومية وانعكاساته على مستوى التنمية والشغل والتنافسية الاقتصادية والتجارية، وكذلك دوره في التقليل من التفاوتات الاجتماعية والمجالية والاختلالات الإنتاجية والتسويقية.

خطر المديونية
< باتت الاستدانة الحل السهل أمام الحكومة. ما هي مخاطر ثقل المديونية على التوازنات المالية في ظل توجيهها لميزانيات التسيير؟
< أسجل التنامي المهول لحجم المديونية، خاصة الخارجية منها والتي سترهن مستقبل الأجيال القادمة، وأخص بالذكر منها التي تصرف في نفقات التسيير وغير المنتجة لمناصب الشغل وتحديث بنيات الاقتصاد الوطني وجعله أكثر تنافسية. وفي هذا الإطار، كشف وزير المالية والاقتصاد وإصلاح الإدارة أن المغرب يهيئ لإصدار سندات دولية بحدود 1.5 مليار دولار تسدد لأجل 2024.
وحسب مشروع قانون المالية، ستصل موارد القروض المتوسطة والطويلة الأجل إلى 97.2 مليار درهم، بزيادة قدرها 27 %عن 2019 ، إذ بلغت القروض، حسب قانون المالية للسنة الماضية 76 مليار درهم.
والملاحظ انه خلال 2020 ستوازي تقريبا كلفة الدين لتسديد الأقساط والفوائد البالغة 96.5 مليار درهم، حجم المبالغ التي ستقترض من السوق الخارجية والداخلية، مما يؤكد بالملموس أن حجم المديونية الوطنية بلغ مرحلة الخطر، ما سيؤثر على التوازنات المالية الهشة للبلد، خاصة ميزان الأداءات وعجز الميزانية والضغط على الاحتياط الوطني من العملة الصعبة.

من أجل بنك عمومي للاستثمار
أرى ضرورة إنشاء بنك عمومي للاستثمارات العمومية والخاصة لخلق دينامية جديدة للاستثمار، وتعزيز فعاليته في دعم النمو، التي عجزت عن تحقيقها البنوك التجارية الخاصة، ودعم المقاولات الخاصة والعمومية، خاصة المتوسطة والصغيرة، من أجل إحداث مناصب الشغل والاندماج في المنظومة الإنتاجية الوطنية والدولية، وعلى البنوك المختصة مثل البنك العقاري والسياحي والقرض الفلاحي وصندوق التجهيز الجماعي، بعد تأهيله، أن تلعب أدوارها الاستثمارية، عوض الاكتفاء بأدوار البنوك التجارية.

في سطور
– من مواليد 15 أبريل 1968 بالبيضاء
– متزوج وأب لطفلين
– متصرف من الدرجة الأولى بمديرية الضرائب
– باحث في العلوم الاقتصادية والدراسات المالية
– نائب الكاتب الوطني للنقابة الوطنية للمالية (ك دش)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق