ملف عـــــــدالة

الهجرة السرية … ثمن الموت

الظاهرة تنامت بشكل مخيف وخلفت ضحايا رغم صرامة عمليات الخفر وتشدد القانون في محاربتها

رغم تشديد المراقبة على السواحل المغربية وعمليات الخفر المتواصلة للبحرية الملكية ، إلا أن فاجعة زناتة كشفت أن مافيا الهجرة السرية، ابتكرت أساليب متطورة واختارت مواقع جديدة للإبحار، لتفادي المواجهة المباشرة مع الجهات الأمنية، مستغلة في ذلك، لهفة الأفارقة والمغاربة لمعانقة الفردوس الأوربي، واستعدادهم دفع الثمن، حتى لو كانت على حساب حياتهم.
صحيح أن سواحل الشمال كانت تعد بوابة عبور رئيسية وسرية نحو إسبانيا، لكن مع تشديد المراقبة، وحملات خفر السواحل، تراجعت بشكل كبير، ما دفع مافيا التهجير إلى تغيير الوجهة صوب السواحل الأطلسية الشاسعة.
كانت البداية بشواطئ الجديدة، قبل أن تفجر فاجعة زناتة أن هذه المنطقة شهدت عمليات عديدة في جنح الظلام.
رغم الخطر الكبير وطول الرحلة البحرية والتي تتجاوز يومين، لم يمنع ذلك شباب مغاربة أغلبهم يتحدرون من قلعة السراغنة وبني ملال على ركوب هذه المغامرة، فالظروف الاقتصادية والاجتماعية التي عانوها، جعلتهم يفضلون الموت في أعماق البحر على الموت ببطء بـ”دواويرهم”.
ويصنف القانون الجنائي الهجرة السرية في خانة الاتجار في البشر وتشديد العقوبة على المتورطين فيها، إلا أن أرباحها المغرية والتي قد تصل إلى 100 مليون في رحلة واحدة، أعمت بصيرة منظميها، وفتحت الباب أمام جنسيات أخرى، خصوصا الأفارقة على منافسة المافيا المغربية في تنظيمها.
(م. ل)

المهمشون… قرابين البحر
رغم الفواجع وخطر الموت يتمسكون بركوب المغامرة مرددين شعار “اللهم الروكان ولا خوكان”
أماطت فاجعة زناتة بالمحمدية، والتي أدت إلى مصرع 19 حراكا يتحدر أغلبهم من قلعة السراغنة والضواحي، بعد انقلاب قاربهم المطاطي ليلة السبت ما قبل الماضي، اللثام عن إصرار عنيد على الهجرة رغم الفواجع لدى شباب مناطق مهمشة مثل السراغنة وبني ملال.
لا يخلو قارب مطاطي سواء انطلق من الشمال أو من البيضاء والجديدة، بعد تغيير مسار الرحلات القاتلة بسبب تشديد المراقبة على الشوطئ الشمالية، من “حراكة” يتحدرون من هذين المنطقتين.
أغلبهم أبناء فلاحين بسطاء وعاطلون عن العمل، رغم مستوياتهم التعليمية العالية، لم تسعفهم الظروف في توفير ظروف العيش الكريم، فالسراغنة وبني ملال رغم اعتبارهما منطقتين فلاحيتين، ويراهن عليهما بقوة في هذا القطاع، لكن ضواحيهما ظلتا تعانيان التهميش والفراغ، وتجاوزتهما باقي المدن سنوات في التحضر والعصرنة.
رغم الفواجع وسقوط العشرات من الغرقى، ما زال “الحريك” يعد أولوية لأبناء المنطقتين.بالنسبة إليهم الموت أفضل من حياة عجزت عن الاستجابة لأبسط متطلباتهم، بل الأكثر من ذلك، أن منهم من واجه الموت بعد فشل الرحلة البحرية، وعاين بأم عينيه أصدقاءه وأقاربه يبتلعهم البحر واحدا تلو الآخر، ورغم نجاته يصر، على معاودة الكرة، فأوربا تبقى الحلم الذي يستحق التضحية بالأرواح حسب بعضهم.
ابتكر الحالمون بالهجرة إلى أوربا نوادر لمواجهة الموت، وتحفيزهم على ركوب المغامرة مهما كلف الثمن، فمثلا في بني ملال يردد شبابها يوميا عبارة “اللهم الروكان ولا خوكان” في إشارة إلى أنهم يفضلون أن يلتهمهم سمك القرش في عرض البحر، على أن تقتلهم نظرات احتقار وظلم المقربين وأبناء الدوار والحي.
هذا الحماس المنقطع النظير لركوب الصعاب في سبيل الفردوس الأوربي، جعل العديد منهم ضحايا مافيا الهجرة السرية، بداية بقيمة الأثمنة المرتفعة للرحلة، والتي تصل في مناسبات إلى ثلاثة ملايين، تدفع العديد منهم لإجبار آبائهم على بيع بقع فلاحية أو مواش، فيخسر الأب الكل، الابن والأرض وماشيته، بعد أن راهن على الحصان الخاسر في عملية قمار مغشوشة.
وقع العديد من الحراكة في فخ مافيا الهجرة السرية، التي نظمت بشكل متعمد رحلات كانت نهايتها محتومة، وهي الموت غرقا. بعض الناجين يحكون أمورا محزنة، منها كيف ركبوا القارب المطاطي وبعد ساعات من الإبحار، اقتربوا من شاطئ مدينة، وطلب منهم التعجيل بالمغادرة، ومنهم من نجا وآخرون استقروا في قعر البحر، قبل أن يكتشف الناجون أنهم وقعوا في كمين، وحطوا الرحال بمدينة مغربية.
تعمدت مافيا الهجرة السرية ركوب المغامرة من مناطق مغربية بعيدة عن أوربا، كانت البداية بالجديدة، وبعد تشديد المراقبة تم الانتقال إلى شواطئ البيضاء. يتم وعد الضحايا بنجاح العملية، بعد عشرات الساعات من الإبحار، وهو الفخ الذي وقع فيه ضحايا فاجعة “زناتة”، الذين نقلوا من قلعة السراغنة والضواحي إلى مديونة، قبل أن تتكفل باقي عناصر المافيا بنقلهم إلى مكان الالتقاء بعين حرودة، وبعده إلى شاطئ البحر، لتقع الفاجعة، وتتمكن الضابطة القضائية للدرك من اعتقال ثمانية من أفراد الشبكة.
مصطفى لطفي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق