fbpx
ملف الصباح

حـلـم وزيــر

صرتُ وزيرا في ست ساعات فغيرت مدارس أبنائي وفتحت حسابات بنكية جديدة
حلمتُ (اللهم اجعله خيرا)، أني صرت وزيرا في حكومة سعد الدين العثماني.
في حلمي، أصبح وجهي منتفخا، وعيناي الذابلتان أضحتا براقتين، وصوتي الأجش بُح، فلا يرى للمستمع إلا شفتاي تتحركان بصعوبة، تماما كما يفعل كل وزراء بلادي.
ودعت الفقر إلى الأبد، هكذا ابتسمت في حلمي، وحسابي البنكي لم يعد صفرا تدب فيه أعاصير الإفلاس، وراتبي، الذي تنتظره قروض الاستهلاك والسيارة والشقة، تجمد في مكانه، فالمكانة الاعتبارية للوزير تغنيني…. رباه كم هو حلم جميل وممتع.
في حلمي، أرسلت أكبر أبنائي إلى فرنسا لمتابعة دراسته الإعدادية، وأصغرهم، اخترت له مدرسة أجنبية لا يرتادها إلا المحظوظون في بلادي، إذ لا تعنيني أزمة المناهج أو المقررات الدراسية، فيكفي لوحة إلكترونية وقلم مستورد وبضعة أجهزة ملونة، فيعود طفلي مسرورا وهو يردد الأناشيد بأربع لغات.
أصبحت وزيرا، تحت تصرفي سائق، إذ ضجرت من قيادة السيارة في شوارع البيضاء ومراوغة “لي ضوضان”، أما زوجتي المصونة فقد تكلفت بالمشاريع الخيرية والرحلات المجانية إلى أوربا وجزر الأحلام في آسيا، وغادرت الجامعة مع وعد بحصولها على الإجازة. ومن يعارض قرارات الوزير؟
في العمل، بدوت في حلمي، مزهوا ومنتشيا لحظة التوقيع على الوثائق، وأصعد السلم الخاص بي غاضبا، دون سبب، وأنظر شزرا في أعين الموظفين، فمن أبجديات وظيفة الوزير القسوة ورسم تجاعيد الغضب.
أرتاح كثيرا، في عملي، وأدعي أمام شاشة التلفزيون أنني لا أنام إلا ساعتين يوميا، فهي قاعدة تدرس قبل الحصول على المسؤولية، وأتقشف حتى لا أتهم بالإسراف، وأطرد من الوزارة، كما طرد زميلي السابق عبد العظيم الكروج بسبب شكلاطة. صرت وزيرا أملك أكثر من حساب بنكي، وشقة في باريس باسم أبنائي، وهاتفا صنع خصيصا لي، لا أستعمله إلا في الرد على اتصالات أصدقائي الجدد، أو سكرتيرتي التي لا يفارق جمالها خيالي.
الآن، أنا الوزير، لا يهم الحقيبة الوزارية، فذاك هم الكاتب العام وديواني المشكل من الأقرباء وأقرباء الخصوم، حتى أتقي شرهم.
أسوأ ما في حلمي لحظة نبش الفضوليين في دفاتري القديمة أو الادعاء أني لا أفقه في التسيير، وما أدراهم بذلك؟ ألا أفحمهم حين أختفي عن الأضواء أو أسلط لساني على الأعداء… فأنا الوزير العصامي، ولا يهمني إلا راتب دسم أتقاضاه بعد تقاعدي، ومشاريعي المستترة وممتلكاتي بأسماء الأوفياء.
رن منبه الهاتف، كان برنامجي الوزاري يحبل بالمواعد واللقاءات، صرخت على سكرتيرتي، لم تلب النداء… شتمت الموظفين، وأصبتُ بهستيريا العظمة، حتى أني رفعت رجلي لأركل ملفات أمام مكتبي، فصرخت وتألمت، واستيقظت من الحلم، فالملفات ليست إلا جدران شقتي بالسكن الاقتصادي، وركبتي تؤلمني، ولا أجد لها من دواء إلا الأعشاب الطبية.
خالد العطاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق