fbpx
خاص

أنفا … مشاريع على أنقاض “براريك”

حرب ضد أحياء صفيحية والمقاطعة تتنفس الصعداء بعد القضاء على معظمها

تنفرد مقاطعة أنفا، وهي إحدى المقاطعات الست عشرة بالبيضاء، بموقعها المتميز الذي يحده غربا المحيط الأطلسي، وشمالا سيدي بليوط، وشرقا مقاطعة المعاريف، وجنوبا دار بوعزة. هذا الموقع جعلها تعرف تعددا وتنوعا في العمران والثقافات الحضرية، ، إذ يحوي ترابها أغلى فيلا في المغرب كما يحمل أفقر “براكة” فيه، ويؤوي سكان الطبقة المعوزة والمتوسطة والميسورة، الذين يعيشون في انسجام وتعايش رغم اختلاف ثقافاتهم وطبقاتهم الاجتماعية. ولعل هذا التمايز الطبقي، هو ما جعلها تعيش تحديات عميقة، تتعلق أساسا بظاهرة السكن العشوائي (دور الصفيح) التي، رغم الجهود المبذولة للقضاء عليها واستغلال أراضيها في مشاريع جديدة، مازالت تعتبر نقطة سوداء تؤرق المسؤولين وتدفعهم لمضاعفة جهودهم من أجل كسب معركة كسر العظام التي يخوضونها مع سكانها.
يسرى عويفي – تصوير: (أحمد جرفي)
احتفظت أنفا باسمها مقاطعة ساحلية غرب البيضاء، منذ أربعينات القرن 19، واستمدت رمزية تسميتها من مؤتمر آنفا الذي احتضنته المدينة في خضم الحرب العالمية الثانية (1943)، بحضور كل من روزفلت وتشرشل ومحمد الخامس والأمير مولاي الحسن آنذاك (الحسن الثاني).

ويبلغ عدد سكان المقاطعة، التي تحوي رقعتها الجغرافية عددا من الأحياء الصفيحية والشعبية والراقية في الوقت ذاته، حوالي 140 ألف نسمة (تم تسجيلها قبل انطلاق عمليات إعادة إسكان قاطني دور الصفيح في 2015)، كما يرأسها محمد الشباك، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، منذ شتنبر 2015، حيث جرى انتخابه رئيسا لأول مرة، بعد أن كان يحظى بمنصب نائب الرئيس لـ 27 سنة على التوالي.

دوار الهجاجمة.. “عوم فبحرك”
لم يتبق من دوار الهجاجمة، الموجود بشارع بوركون، سوى أنقاض بالية ومنزل وحيد ظل صامدا أمام أذرع جرافات السلطات. أما سكانه الذين توارثوا “براريكه” منذ ستينات القرن الماضي، فأجبروا على الرحيل إلى منطقة أولاد صالح ببوسكورة، حيث خصصت لهم العمالة مساحة أرضية للسكن، في إطار برنامج إعادة إسكان قاطني دور الصفيح.
خلال جولة قامت بها “الصباح” بالمنطقة، التقينا أحد سكان الدوار العاملين بالسوق المحاذي له، والمستفيدين من عملية إعادة الإسكان، فأخبرنا أن تلك العملية التي أجهزت على “براريك” الدوار بشكل تدريجي خلال ثلاث سنوات، شردته وأبناءه، وزادته عبء المواصلات بالنظر لطبيعة عمله بائعا للخضر بسوق الهجاجمة، وقال “لقد أعطوني بقعة أرضية بأولاد صالح، لكنني لا أملك مدخولا قارا أو مدخرات تمكنني من تحمل كلفة بنائها، ولو كنت كذلك لما اضطررت إلى السكن في براكة من الأساس”، مضيفا “إنهم يدعون مساعدتنا، لكنهم في حقيقة الأمر يشردوننا ولا يأخذون على عاتقهم مسؤولية إعادة إسكاننا، بل يستغلون حاجتنا لإغرائنا بالامتيازات التي سنكتسبها بفضل برنامج إعادة الإسكان، وما إن يتم هدم منازلنا حتى يواجهونا بواقع : عوم فبحرك”.
ويستطرد الشاب، البالغ من العمر 32 سنة، حديثه بحسرة “لقد اضطررت لاكتراء غرفة بالحي الحسني لإيواء أبنائي الثلاثة، بعدما وجدت نفسي عاجزا عن توفير مصاريف البناء للأرض التي منحونا، وثمن المساهمة في ثمنها الذي يناهز مليوني سنتيم. ولعل الحل الأنسب الذي ارتأيته في البداية، هو بناء خيمة فوق تلك الأرض والسكن فيها، لكنني فكرت مليا واكتريت تلك الغرفة بمبلغ شهري يعادل 800 درهم كي لا يبيت أبنائي في العراء. وشأني شأن العديد من سكان الهجاجمة، الذين تضاعفت همومهم منذ أن تم هدم بيوتهم، وقعنا ضحية الطمع بعد أن انطلت علينا حيلة الحياة الرغيدة التي سنحظى بها ما إن يتم تسليمنا بقعا أرضية في ملكيتنا، لكن هيهات ثم هيهات…”.

“مول الشكارة”
من جهته، أوضح محمد الشباك، أن عملية نقل سكان الهجاجمة إلى جماعة أولاد صالح بإقليم النواصر، جاءت في إطار البرنامج الجهوي لإعادة إسكان قاطني دور الصفيح بالبيضاء، الرامي إلى الرفع من مستوى عيشهم، مشيرا إلى أن العملية شملت حوالي ألف أسرة، باستثناء سكان منزل وحيد، مازالت السلطات في مفاوضات معهم، نظرا لوجود إشكال في ملكية العقار المملوك على الشياع، إلى جانب مرور المنطقة بمرحلة إعادة انتشار رجال السلطة، التي تم خلالها تغيير القائدة التي كانت مكلفة بالهجاجمة (قائدة المقاطعة 14)، وتعويضها بقائد جديد يشتغل عن كثب في هذا الإطار.
وأكد المتحدث ذاته أن “عددا كبيرا من السكان وجدوا الإمكانيات لبناء البقع الأرضية، أو “مول الشكارة” الذي يدفع عنهم الكلفة في إطار التراضي بين الطرفين والالتزامات والعقود، وحصلوا عليها بعد دفع ثمن المساهمة، شرطا أساسيا لحصول كل أسرة (زوج وزوجة وأطفال) على نصف بقعة، فيما يحظى الأرامل بثلث بقعة”، مضيفا “أما الفئة التي لا تتوفر على الإمكانيات المادية، كالعاطلين والمتقاعدين ذوي الأجرة الضعيفة، فهي تعكس واقعا لا مفر منه، وتطرح إشكالية جدية تعمل السلطات على إيجاد حلول وسط تمكنها من إرضاء جميع الأطراف. وعموما، لا أملك تصفتي رئيس مقاطعة، الوسائل والإمكانيات التي تسمح لي بالتدخل في هذا الموضوع”.

هيكلة الأسواق
لطالما كان سوق الهجاجمة موردا للرزق بالنسبة إلى عدد من سكان الدوار، لكن وجوده على الطريق المؤدية للمدرسة، ساهم بشكل كبير في الرفع من نسبة الهدر المدرسي في صفوفهم، وحوله إلى مرتع لتعاطي المخدرات ونشاط مختلف الظواهر الاجتماعية السلبية.
ورغم أن عملية هدم “براريك” دوار الهجاجمة، قلصت من حدة هذه الظواهر، إلا أنها ضاعفت هموم العديد من سكان الدوار الذين يشتغلون فيه، إذ أصبحوا مضطرين إلى تكلف مصاريف التنقل للوصول إليه، سواء بالنسبة إلى أولئك الذين لجؤوا للكراء بأحياء أخرى، أو الذين انتقلوا للمنطقة التي تمت إعادة إسكانهم فيها.
وفي السياق ذاته، أكد لنا الشباك أن سوق “الهجاجمة” لم يستثن من برامج إعادة تهيئة الأسواق، التي شملت سوقي المنار وبدر، وستتم إعادة هيكلته قريبا، مع إدماج الباعة المتجولين الموجودين بتراب المقاطعة، والذين تم إحصاؤهم سابقا من قبل السلطة المحلية.

“عشش” تعوض “الكاريانات”
أوضح لنا أحد سكان “البراريك” الأربع التي تبقت من “كاريان السونطر”، أن عددا من أولئك الذين طمعوا في الاستفادة من البقعة الأرضية، و”وثقوا بوعود القائد”، وجدوا أنفسهم عرضة للتشرد، أو “مجرجرين في ديور الكراء”، في انتظار الحصول على البقع الأرضية الموجودة في مشروع فيكتوريا بتراب عمالة النواصر، مشيرا إلى أنه رفض الرضوخ لطلبات القائد الذي يزورهم مرارا وتكرارا، محاولا إقناعهم بالرحيل، وقال “إنه يأتي ليسألنا عما إذا وجدنا منزلا للكراء، فأخبره أنني لا يمكنني أن أغامر بأسرتي، طمعا في أرض لا أملك حتى ثمن المساهمة فيها، وأطلب منه الحجة عن تلك الاستفادة التي يحاولون إغراءنا بها”.
وأضافت أم الشاب، الذي يشتغل معلم سباحة، بعد أن سمعت حديثنا معه فخرجت متكئة على عكازها وعيناها يتطاير الشرر منهما غضبا “لن نرحل من هنا، فنحن نقطن في هذه البراكة منذ 32 سنة، وليس لنا مكان نذهب إليه… لقد كنا معفيين من أداء فاتورة الماء والكهرباء، واليوم حرمنا منهما أيضا، وتركونا نعيش في الظلام…”، وقالت مستطردة “يتحدثون عن الاستفادة، وأي نوع من الاستفادة هذا… إنهم يشترطون آداء مليوني سنتيم للحصول على بقعة أرضية، ونحن بالكاد نوفر قوت يومنا … الاستفادة الحقيقية هي أن يمنحونا منزلا مقابل هدم منزلنا”.
وأشارت لنا العجوز إلى شبه خيمة منصوبة بجانب منزلها، قائلة “هذا ما ترتب عن برنامج إعادة الإسكان الخاص بهم”، ثم نادت صاحب الخيمة وهو شاب يبلغ من العمر 28 سنة، وطلبت منه أن يشرح لنا وضعه، فقال “لقد كنت أسكن مع أخي وزوجته في منزل الأهل منذ وفاة والدينا، لكنني تشردت بعد أن تم هدم المنزل، وحصل على البقعة الأرضية التي يتم منحها للمتزوجين فقط، أما أنا فوجدت نفسي دون مأوى بعد أن رفض مشاركتي تلك البقعة، ونعم بها هو وزوجته غير آبهين بمصيري… ليس لدي الآن سوى هذه الخيمة التي أعود إليها مساء، بعد أن أقضي يومي باحثا عن بريكول أسد به جوع بطني… شأني شأن العديد من الشباب والأسر بالدواوير المجاورة، التي اضطرت لبناء “عشش” من خشب وقطع كارتون وبلاستيك على أنقاض منازلها، والعيش فيها في انتظار المجهول”.

أكواخ المحيط الأطلسي
تتعدد أحياء الصفيح بمقاطعة أنفا، ويتمركز جزء كبير منها في الشريط الساحلي، حيث نجد دوار الحاجة فاطنة، و”سي غانم”، و”فضول”، و”المسعودي”، و”عبد الحي”، و”الفوزيين”، و”عريان الراس”، و”ولاد الجمل”، وغيرها من الدواوير و”الكاريانات”، التي تم القضاء على جزء كبير منها (“فضول” و”سي غانم” و”ولاد الجمل” و”عبد الحي” و”الفوزيين”)، مع إعادة إسكان قاطنيها بمنطقة جنان اللوز التابعة لمقاطعة الحي الحسني بالبيضاء، وما تزال المفاوضات قائمة مع سكان الأحياء المتبقية منها (“عريان الراس” و”المسعودي”).
من جهة أخرى نجد حي “لامارين”، الذي أقيم على أنقاض الثكنة السابقة للقوات البحرية، وبلوك المخازنية أو العساسة، ومركز العنق، أو “كاريان السونطر”، الذي شيد على أنقاض مركز إيواء المتشردين السابق (الذي تم نقله إلى تيط مليل)، وهي أحياء صفيح تطل على المحيط الأطلسي بمنطقة منارة العنق، تم هدم جزء كبير منها، فيما أبى عدد من سكانها الرحيل، في غياب ضمانات تمنع تشردهم.

مشاريع ما بعد دور الصفيح
يقول محمد الشباك، رئيس مقاطعة أنفا، أن تصاميم التهيئة التي تهم المساحات المحررة في إطار برامج إعادة إسكان قاطني دور الصفيح، خصصت مشاريع متعددة سيستفيد منها سكان العاصمة الاقتصادية، على غرار برنامج السندباد، الذي شيد على أرض دوار عبد الحي سابقا، والفضاءات الخضراء، التي أنشئت في مساحات الدواوير المجاورة، فيما تبقى الأجزاء الأخرى من الأحياء الصفيحية المفرغة أملاكا خاصة، ستشيد فيها عمارات وفيلات.
وأردف المتحدث ذاته “أما الهجاجمة، فجزء منه يعود للقطاع الخاص، الذي فكرنا في اقتنائه بطريقة نزع الملكية، وتمت المصادقة على هذه الفكرة داخل مقاطعة أنفا ومجلس جماعة البيضاء، من أجل إحداث مركب رياضي سيحوي مسبحا أولمبيا وملاعب خاصة بالتنس وكرة القدم وكرة السلة، بالإضافة إلى تجهيزات عمومية أخرى، ونحن حاليا بصدد البحث عن شراكات وتمويلات، من مؤسسات وطنية أو محلية أو خاصة، لتنفيذ هذا المشروع”.
أما في ما يتعلق بالشريط الساحلي، فأوضح الشباك أن تصميم التهيئة لمقاطعة أنفا، حدد تلك المنطقة غير قابلة للبناء، وارتأى إعادة تهيئة وتجهيز الأراضي الموجودة عليها، بعد استكمال عملية إعادة إسكان قاطني دور الصفيح المتبقية، وتحويلها إلى فضاء عمومي في امتداد لمشروع “تهيئة كورنيش عين الذئاب” أو “المنتزه البحري البيضاوي”، مشيرا إلى أن مشروع تهيئتها يكون منتهيا في حوالي 8 أشهر، وسيتسنى للمواطنين الاستمتاع بمنظر خليج الحسن الثاني ومنارة العنق، في ظروف جد ملائمة.

إشكالية الوعاء العقاري
يقول الشباك إن مقاطعة أنفا تعاني إشكالية الوعاء العقاري، الذي لا يسمح بإنجاز عدد من المشاريع في بعض الأحياء، خاصة ملاعب القرب، نظرا لعدم إمكانية الترامي على الأملاك الخاصة المحمية دستوريا، وقال ” لإنجاز مشروع جديد بالمنطقة، نبحث في أملاك الدولة أو الأملاك الجماعية، التي مكنتنا من إحداث قاعة مغطاة بحي بوركون، بحوالي 6 ملايين درهم، لاحتضان التظاهرات الثقافية والرياضية التي شهدت عددا كبيرا منها منذ افتتاحها في 2017. كما تم استغلال جزء متبق من المساحة المخصصة لبنائها، في إحداث ملعب قرب يستفيد منه سكان منطقة التسهل ببوركون”.
وفي السياق ذاته، تتوفر آنفا على 3 ملاعب قرب بمنطقة العنق، يتم تجهيزها خلال الفترة الجارية، وملعب رابع يرتقب افتتاحه خلال سنة بشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية”.
وأعلن الشباك، في تصريح لـ”الصباح”، أن مقاطعة أنفا ستنفرد في الأيام المقبلة، بافتتاح قاعة رياضية بالعنق، متاحة للعموم بثمن رمزي، ومجهزة بأحدث الأجهزة الرياضية، في إطار تجربة جديدة بشراكة مع عمالة البيضاء، والمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وجمعية مجيد، وناد خاص للرياضات. وأشار إلى أن القاعة تضم أيضا ناديا نسويا، يقدم تكوينا للنساء في الحلاقة أو الطبخ أو التجميل أو صناعة الزرابي، بهدف تنمية الاقتصاد الاجتماعي للمنطقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق