fbpx
منبر

الحريات الفردية … ناشيد: معركة الحريات مدخل أساسي لبناء الإنسان

المفكر سعيد ناشيد أكد أن التيارات الدينية تخشى على سلطتها وليس على الإسلام

أكد المفكر سعيد ناشيد أن الحريات الفردية هي المدخل الأساسي لأي مشروع حداثي وديمقراطي، داعيا إلى التفريق بين الخطاب القرآني الذي يزكي الحريات الفردية خصوصا في شقها العقدي وخطاب الإسلام السياسي الذي يعارض طولا وعرضا هذه الحريات، بهدف ترسيخ ثقافة القطيع.

< ما تعليقك على مبادرة " خارجون عن القانون" للمطالبة بالحريات الفردية ؟
< بخصوص موقف الدين من الحريات الفردية، يجب التمييز بين مستويين، ما يقوله الخطاب القرآني، وهو صريح، في موقفه الإيجابي من الحريات الدينية، بل إنه موقف من وجهة نظر عقدية، مؤسس للحريات الدينية، والآيات كثيرة جدا في هذا المضمار من قبيل "لا تزر وازرة وزر أخرى" أو "لكل نفس ما اكتسبت وعليها ما اكتسبت"، و"لا إكراه في الدين"، وما إلى ذلك من آيات تؤكد أن الأصل في الوجود هو الفرد، باعتباره شخصا وذاتا تتحمل مسؤوليتها في اختياراتها.
إلا أن الموروث الديني في المقابل، والخطاب الديني والخاص بالإسلام السياسي، وهو الخطاب السائد والشائع، قد أجهض مطلب الحرية الدينية واعتمد على مفاهيم مناقضة، تستدعي أن تكون الأولوية للجماعة على حساب الفرد، وبمنطق صريح الأولوية لثقافة القطيع.
أما في الجوانب التنموية والسياسية، فإن القول بالحريات الفردية، هو أساس المشروع الحداثي الديمقراطي، لماذا؟ لأن أساس الديمقراطية هو الفرد أولا، فمثلا وجود ستار عازل داخل مخادع التصويت، ترسيخ رمزي لعملية تصويت، باعتبارها تعبيرا عن إرادة الفرد، في مواجهة ضميره الحر والمستقل عن محيطه.
وفي الجانب التنموي، لا يمكن بناء أي مشروع تنموي، إلا بوساطة أفراد يحققون نموهم، الذاتي أولا، فالتنمية الاجتماعية، هي محصلة تحقيق الأفراد لنموهم الذاتي وهذا ما يتعذر تحقيقه، داخل مجتمع يعتمد عقيدة شمولية تلزم كل الأفراد بأن يكونوا نسخا طبق الأصل ومتشابهة. ويحكى أن طائرة سقطت في جزيرة وكان الناجي الوحيد هو قس، ولأن كل ما يستطيع أن يفعله هو أن يصلي ويعظ، وقد بنى كنيسة، وبدأ يمارس فيها عقيدته، لكن بعد أيام معدودة، انشق هذا القس على نفسه، وبنى كنسية بديلة، وهذا هو جوهر الإنسان. فهو لا يتحمل بطبيعته أن يكرر نفسه، فبالأحرى أن يكون نسخة مكررة عن الآخرين.
إننا بهذا النحو نقتل كل هو إنساني في الإنسان، لذلك فإن معركة الحريات الفردية، في كل أبعادها الدينية والجنسية والثقافية، هي المدخل الأساسي لبناء الإنسان من حيث هو إنسان، ليحقق ذاته ونموه ويحقق إرادته، ومن ثم يصبح فاعلا إيجابيا في بناء الجماعة.

< التيارات الدينية تعارض هذه المبادرة وتعتبرها انحرافا أخلاقيا، ما رأيك؟
< إذا كنا نقول إن الإسلام دين فطرة، فكيف يعقل أننا بعد ذلك، نخشى على الإسلام من الحرية، بل يجب أن نؤمن بالحرية، لأنها تمكن الإنسان من أن يعبر عن فكرته كما هي. ما يخشاه هؤلاء القوم، ليس مصير الإسلام لأن الإسلام سيكون بخبير داخل المجتمعات الحرة، وهؤلاء القوم أنفسهم هم من يقولون عن الحضارة الغربية إنهم مسلمون بلا إسلام. الإسلام لا يمكن أن يعبر عن نفسه وفي جوهره الخاص إلا داخل مجتمعات تحترم الحريات والحياة الخاصة للناس، لكن ما يخشاه هؤلاء القوم هو سلطتهم ، لأنها من النوع الشمولي والتوليتاري، المنظومات التوليتارية معادية للحرية الفردية بطبعها لأنها تراهن في آخر المطاف على غرائز القطيع، الذي لا يفكر، والذي يتصرف غريزيا ويهيج غريزيا ويتم تجييشه غريزيا دون تفكير.
المقولة الشهيرة لديكارت أنا أفكر، تعني أن الذي يفكر هو الفرد كذات مستقلة عن الجماعة، لا توجد عبارة يقال فيها "نحن نفكر".
الجماعة لا تصلح إذا أردنا أن ننتج أفكارا حقيقية للمستقبل، لأن الآفة هي شح الأفكار، لهذا علينا أن نراهن على التفكير، باعتباره ممارسة فردية ومستقبلة وحرة، ومرة أخرى أؤكد أنه لا حدث وديمقراطية بدون أفراد.

< في نظرك هل المطالبة بالحريات الفردية ستنجح بالمجتمع المغربي؟
< مشكلة الكثير من المطالبين بالحريات الفردية، أنهم يراهنون على الخطاب نفسه، الحريات الفردية لا تبنى بالتهييج ولا بالإثارة، وإنما تبنى بالجهد التثقيفي والتنويري الدائب والدؤوب، وإقناع عقول الناس البسطاء أمر ممكن. يجب أن نوضح للناس كيف أن احترام الحريات الفردية، هو في مصلحتهم، لماذا؟ لأن الإيمان بالحريات الفردية، وبالتسامح واحترام خصوصية الناس وحياتهم الخاصة، يحررني أنا أولا من الانفعالات التعيسة، التي تستبد بي وتحرمني من السعادة، سأكون سعيدا عندما أحترم خيارات الآخرين، وسأكون متوترا متعصبا حين لا احترم خياراتهم، هناك تكمن مصلحتي حين أحترم الحريات الفردية.
أجرى الحوار : مصطفى لطفي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق