fbpx
خاص

الطفولة المبكرة … الداخلية ترفع التحدي

المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تقود تجربة التعليم الأولي وصحة الأم بالوسط القروي

مكنت المناظرة الأولى الوطنية للتنمية البشرية، التي اختارت شعار “تنمية الطفولة المبكرة، التزام من أجل المستقبل”، من توفير فضاء للحوار ومناقشة التجارب الدولية الناجحة، في مجال تثمين الرأسمال البشري انطلاقا من سن مبكرة، والوقوف عند التحديات التي تواجه الأطفال في الوسط القروي.

أعادت مناظرة الصخيرات رسم توجهات المبادرة الوطنية للتنمية البشرية التي انطلقت في 2005، وتوجيهها نحو تنمية الرأسمال البشري، بما يمكن من النهوض بالأجيال الصاعدة، من خلال التحسيس بأهمية الطفولة المبكرة في تحقيق التنمية البشرية.
وشكلت الورشات الثلاث التي ميزت أشغال المناظرة، المنعقدة الأسبوع الماضي بالصخيرات، والتي افتتحت بالرسالة الملكية، فضاء للحوار بين المشاركين، من خبراء دوليين ومسؤولين حكوميين وهيآت مدنية تعمل في إطار مشاريع التعليم الأولى وصحة الأم والطفل.
وإذا كان الجميع يؤكد أهمية التعليم الأولي للطفل في الوسط القروي، ودوره في محاربة الهدر المدرسي، فإن النقاش انصب بالفعل على التحديات التي يطرحها هذا الاختيار، في ظل عجز الوزارات المعنية بالتربية والصحة عن الوصول إلى المناطق النائية والدواوير البعيدة، وهي المهمة التي اختارت وزارة الداخلية، عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية الاضطلاع بها، من خلال توجيه الإمكانيات التي تتوفر عليها الإدارة الترابية، نحو تدشين ورش التعليم الأولي في الوسط القروي، عن طريق نهج المقاربة التشاركية مع جمعيات مدنية راكمت تجربة في التعليم الأولي، وتعبئة كل الموارد والخبرات، من أجل إنجاح هذا الورش الذي سينطلق بإنجاز 15 ألف وحدة للتعليم الأولي، خلال الخمس سنوات المقبلة، يتم تدبيرها باعتماد حكامة مبتكرة تكرس مبادئ التعاقد والشراكة، وتعزز المقاربة التشاركية.

متعاقدون للتعليم الأولي

يطرح التعليم الأولي مشكل الموارد البشرية والأساتذة الذين سيتكلفون بهذه المهمة، بعيدا عن وزارة التربية الوطنية، من خلال التعاقد مع مكونين، من أبناء المنطقة، سيتم إخضاعهم للتكوين على مراحل، من قبل جمعية زاكورة والمؤسسة المغربية للنهوض بالتعليم الأولي، اللتين ستتكلفان بانتقاء المربين، والتعاقد معهم، لتأطير عملية التدريس في الوسط القروي.
ويراهن مختلف المتدخلين على دور المبادرة الوطنية للتنمية البشرية من أجل إنجاح هذا الورش، ومساهمة السكان والأسر بالوسط القروي، وتطوير آليات التتبع والمواكبة، وتنسيق الجهود، وتحقيق الالتقائية بين مختلف المتدخلين والشركاء.
واستعرض عدد من ممثلي الجمعيات تجاربهم في مجال التعليم الأولي، وصحة الأم، انطلاقا من بعض الممارسات التقليدية التي ساهمت في محاربة ضعف التغذية لدى الأم والطفل بجهة درعة تافيلالت، والتي يمكن لمشاريع المبادرة أن تستفيد منها وتطورها.

تجارب رائدة في القرى

تحدثت زينب لمسفر من بني ملال عن تجربة اتحاد النساء المغربيات، في الاهتمام بحضانات التعليم الأولي، من خلال إيواء 300 طفل، ما مكن أمهاتهم من الذهاب إلى العمل، ، وهي تجربة أشرفت عليها الجمعية بتنسيق مع وزارة التربية التي سهرت على تكوين المربيات.
وأوضحت لمسفر أن وزارة الصحة غير قادرة لوحدها على تأطير النساء في مختلف الجماعات القروية، وهو ما يتطلب تضافر الجهود مع الجماعات المحلية والجمعيات والداخلية عبر المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، مؤكدة أهمية التحسيس بالتخطيط العائلي وأهمية الرضاعة الطبيعية لصحة الأم والطفل، ومواجهة مشاكل سوء التغذية.
وأوضحت إقبال حيدر من الحسيمة أن موضوع سوء التغذية مرتبط بالتربية والعادات الغذائية السائدة، مثل عدم انتظام أوقات الأكل، والتركيز على الوجبات السريعة، والاستغناء عن الخضر، مشيرة إلى أن الأطفال الذين يتناولون زيت الزيتون في وجبة الفطور أكثر تركيزا في الدراسة من الذين لم يتناولوا تلك الوجبة، داعية إلى التعاون بين المسؤولين عن قطاعي التربية والصحة، من أجل تكوين الآباء وتحسيسهم في مجال التغذية السليمة للأطفال، خاصة في مرحلة التعليم الأولي.
وكشفت فاطمة الجابري من تازة، كيف نجحت في إطلاق مشاريع تهم صحة الطفل والأم، من خلال تنظيم دورات تكوينية بتنسيق مع وزارة الصحة، لفائدة متطوعات في مجال تغذية الطفل، ومراقبة الحمل لدى نساء بقرية تاهلة والدواوير المجاورة لها، وتتبع عملية التلقيح والتغذية المتوازنة، من خلال الاتصال الهاتفي.

بوطيب: مواجهة عوائق التنمية أولا

أكد نورالدين بوطيب، الوزير المنتدب لدى وزير الداخلية، إن أساس النموذج التنموي الجديد الذي تعتزم المملكة إقراره، لا يمكن أن يكون شيئا آخر سوى تعزيز الرأسمال البشري، موضحا أن الاستثمار في الجوانب اللامادية للتنمية البشرية يشكل المنطلق الحقيقي لبناء مغرب الغد.
وأكد بوطيب أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تركز في مرحلتها الثالثة على هذا التوجه باعتبارها تولي اهتماما بالغا للرأسمال البشري، منذ الطفولة المبكرة، التي تشكل نافذة للفرص لا يجب أن نغلقها، باعتبار مساهمتها الحاسمة في رسم مغرب المستقبل.
وأبرز بوطيب أن المبادرة تستهدف نقطا رئيسية تتمثل أساسا في الحد من الأسباب القائمة وراء وفيات الأمهات والرضع، ومواجهة مشكل التأخر في النمو في صفوف الأطفال، وتعزيز موقع التعليم الأولي في الوسط القروي، ومجابهة مختلف العوائق المطروحة أمام التنمية البشرية بالمملكة.
وأوضح بوطيب أن المبادرة الوطنية للتنمية البشرية تمتلك كل الإمكانيات لتحقيق التقائية البرامج، وتجميع القطاعات المعنية بالصحة والتربية، انطلاقا من دورها التنسيقي، مؤكدا أن التوجه الجديد يهدف إلى استهداف جيوب الهشاشة، ومواجهة عراقيل التنمية البشرية، والتوجه إلى البداية من خلال الاهتمام بالطفولة المبكرة، التي تمثل نوافذ الفرص التي لا يجب أن تغلق.
وركز الوزير المنتدب على أربع قضايا تهم التقليص من وفيات الأمهات والأطفال قبل خمس سنوات، ومواجهة تأخر النمو وتوفير تعليم أولي بجودة عالية، ومحاربة الهدر المدرسي، مؤكدا أن الداخلية ستتكلف بالتعليم الأولي في الوسط القروي، حيث لا تصل تدخلات وزارة التربية.
ودعا بوطيب جميع الأطراف المعنية إلى النزول إلى الميدان، والترافع لإرساء تنمية الطفولة المبكرة، مشيرا إلى أن المبادرة ستلعب دور المساهم والموحد للجهود والمحفز للشركاء، على اعتبار أن التنمية البشرية مسألة أفقية يتعين على الجميع المساهمة في تحقيقها، مشيرا إلى أن دور الداخلية هو خدمة السكان الذين يواجهون مشاكل اجتماعية، من خلال لعب دور الإطفائي.

شروط البنك الدولي

أكد جيسكو هنتشيل، مدير قسم المغرب العربي ومالطا بالبنك الدولي، أن الاستثمار في الطفولة المبكرة يتعين أن يكون أولوية جميع الدول التي تتطلع إلى تحقيق التقدم والتنمية، مشيرا إلى أنه من أجل الاستثمار في هذا المجال، يتعين التوفر على وضعية اقتصادية مستقرة، واقتصاد دينامي يدر نموا قويا ومستداما.
ونوه هنتشيل بتجربة المبادرة الوطنية للتنمية البشرية ورؤيتها لمستقبل الطفولة المبكرة، داعيا إلى تمكين السياسات المخصصة لهذا الورش من آليات التمويل والحكامة اللازمة، وتوفير مزيد من الوضوح في الرؤية أمام الفاعلين المكلفين بتفعيلها، مبرزا أن هذه السياسات، باعتبار طابعها متعدد الأبعاد ومتعدد التخصصات، تتطلب تنسيقا مكثفا بين مختلف المتدخلين.
وأوضح مسؤول البنك الدولي أن نتائج مثل هذه البرامج تظهر على المدى البعيد، ما يتطلب مواكبتها بسياسات بعيدة المدى تتجاوز الولاية الحكومية، وتغير الوزراء.
وأكد مسؤول البنك الدولي أن مفتاح نجاح أي سياسة تنموية يكمن في المقاربة التي اعتمدت لأجلها، مؤكدا أنه يتعين بلورة وتخطيط وتنفيذ المخططات الموجهة للطفولة المبكرة، في إطار من التشاور والتعاون بين المجتمع المدني والدولة.

الشامي: كلفة الجهل أعلى

دعا أحمد رضا الشامي، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، إلى الاستثمار أكثر في الصحة والتعليم، لضمان نجاح ورش الطفولة المبكرة، مطالبا من يقول إن “التعليم مكلف” بتجريب كلفة الجهل، مؤكدا أنه سبق أن طالب في 2016 بالاهتمام بالتعليم الأولي، قبل أن يصبح اليوم أولوية في القانون الإطار الخاص بالتربية والتكوين.
وتحدث الشامي، خلال تدخله في الورشة الثالثة، عن وجود عدد من نقاط الضعف الهيكلية التي لا يمكن تجاوزها دون إرساء نموذج تنموي جديد يركز على العنصر البشري ويحفز تكافؤ الفرص.
وأكد الشامي ضرورة تغيير “البراديغم” واعتماد خيارات إستراتيجية تثمن الرأسمال البشري، عبر تحسين جودة المنظومة التربوية، وتحرير قدرات المقاولات من خلال الحد من ثقافة الريع وإيلاء أهمية خاصة لتطوير الخدمات العمومية.
ودعا الشامي إلى تأطير مختلف المبادرات وتوحيدها، تفاديا لتعدد النماذج وسرعة وتيرتها، والحرص على تكوين جيد للمدرسين، وضرورة مواكبة السياسيات العمومية وتتبعها، قائلا “هناك سياسات عمومية جيدة، لكن لا تخضع للتقييم من أجل تصحيح الاختلالات”، مؤكدا أن المغرب يعرف مشكل الحكامة، والتي بدونها لا يمكن الحديث عن نموذج تنموي جديد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق