fbpx
ملف عـــــــدالة

حوادث الاعتداء في ارتفاع

من بين ضحاياها ساعي بريد وجمعويون والسكاكين أضحت سلاحا ناجعا لحسم المعارك

أصبح استعمال السلاح الأبيض مألوفا في كل النزاعات الفردية أو الجماعية. وتحول ظاهرة مخيفة في ظل ارتفاع رقم ضحاياه، ليس فقط من الجرحى، بل ممن تزهق أرواحهم في لحظة غضب، لا يتحكم خلالها في فورة الأعصاب، في جرائم أضحت عناوين إعلامية يومية، دون الاهتداء لأسبابها ولا لخارطة طريق إيقاف النزيف.
لا فرق في ارتكاب حوادث “التشرميل” بالسلاح الأبيض ورسم أخاديد في الوجوه وغيرها، بين أنثى وذكر أو بين صغير وكبير في غياب الحوار والتعقل وتغليب السكاكين والمديات سلاحا لحسم معارك غير متكافئة ولأسباب تافهة، في لحظة غضب لا يستفاق منها إلا بارتكاب الفعل الجرمي والاعتقال والإدانة والحرمان من الحرية.
لم يعد العقاب رادعا لشباب طائش زادت المؤثرات العقلية بأنواعها، من انحرافه. والدليل حالات العود المتكررة للضرب والجرح بالسلاح بعاهة أو بدونها، في انتظار وصفات أكيد لن تكون جاهزة، لمحاصرة الظاهرة المستفحلة والمؤرقة لكل من ما زالت بقلبه ذرة غيرة على مجتمع سائر في طريق هلاك أبنائه بحد السلاح.
بوشتى ساعي بريد، لم يسلم من “التشرميل” وأصيب بجرح غائر في وجهه على غرار ضحايا آخرين، دون أن يرتكب ذنبا يستحق عليه العقاب. كان يقوم بمهامه بشكل اعتيادي بدروب وأزقة فاس العتيقة، قبل أن يصادف ذا سوابق في نزاع مع والده. بحسن نية نصحه تلافيا لتطور الأمور لما تحمد عقابه، فجازاه بضربة موجعة في وجهه.
شاب آخر حلم بمحاربة ترويج سموم المخدرات بين شباب حي القصبة، فنال المصير نفسه، كما جمعوي بحي زواغة ما زال وجهه شاهدا على اعتداء بالسلاح الأبيض انتقاما في حوادث ليست وحيدة وتكاثرت، وأبطال بعضها من الجنس اللطيف، الذي استبدل طراوة الجسد وليونته، بخشونة قد تكون ب”الحكرة” أو دونها.
حيازة السلاح الأبيض واستعماله، لم تعد حكرا على الرجال، بل ابتليت به نساء طمحن للمساواة حتى في خراب سمعتهن وسلوكهن، ما يلاحظ في مشاهد استعراض العضلات الأنثوية تنقلها من حين لآخر، كاميرات هواتف توثق لاستعماله أو التهديد به، خاصة في نزاعات سوء الجوار التي تنتهي بإصابات في حوادث دامية.
وإن كانت المرأة فاعلا أحيانا، فهي ضحية في أخرى أكبر، ما سجل في عدة حالات ما زالت “مشرملات” عن سبق إصرار، حاملات “شارات” في أجسادهن خاصة وجوههن، دليل انتقام شباب طائش لم يرضخن لمحاولاته مراودتهن عن أنفسهن، بل منهن من متن وسقطن ضحايا تغول و”حكرة” بمجتمع لم يوفر لهن الحماية الكافية.
حياة عشرينية ابنة حي سيدي بوجيدة، أحرقها مختطفها من المحطة الطرقية ومحتجزها بمنزل بأولاد الطيب، قبل أن تموت بعد أيام من إيداعها المستشفى، تاركة غصة وجرحا لم يندمل في قلوب كل أفراد عائلتها، كما عائلات أخرى فجعت في بناتها وذكورها ضحايا ظاهرة “التشرميل” أيا كانت وسيلة ومصدره ونتيجته.
“ندير ليك نايكة فوجهك” عبارة مألوف سماعها كما كل أشكال التهديد السابقة لتنفيذ حالات العنف وتشويه الوجوه وبتر الأطراف التي تتناقلها وسائل التواصل الاجتماعي، بشكل عرى المخفي في زمن ولى لم تكن فيه الآفة مستفحلة بما هي عليه حاليا، وتحتاج إلى تشديد العقاب ومراجعته طمعا في الردع الذي يبدو مستعصيا.
“التشرميل” نتيجة لتراكمات مجتمعية متعددة ومختلفة بينها الانتشار الواسع لتجارة المؤثرات العقلية وتراجع منسوب التربية والأخلاق لدى الشخص. والحد من نزيف ضحاياه، ممكن بحلول تحسيسية وتوعوية وأخرى عملية، ليس أقلها تجفيف المدن من صناع أسلحة يعملون سرا وعلنا، لإغراق السوق بوسائله، من أنواع مختلفة.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق