fbpx
ملف الصباح

الإجهاض بين الرفض والتأييد

المحامي الطيب عمر يقدم وجهة نظر وسطى بــين المتشددين في الإباحة و رافضي الإسقاط

بالنظر لعودة موضوع الإجهاض الى واجهة النقاش المجتمعي والبرلماني، وفي إطار بعض الآراء، التي عرضت أمام المجلس الوطني لحقوق الإنسان وأمام وزارة العدل والحريات، خلال أبريل من سنة 2015 ، ننشر في ما يلي وجهة النظر التي قدمها الأستاذ طيب محمد عمر ، محام بالبيضاء، أمام المجلس والجهة الحكومية المشار اليهما، وهي وجهة نظر قد تعتبر وسطا بين آراء من يتشددون في اللهث وراء إباحة الإسقاط بدون قيد ولا شرط، وبين من ينتصرون لتشدد آخر يخرج دوما ورقة لا، وعيناه مغمضتان عن الواقع، الذي لا بد من معالجته، فتضيع بين تشددهما المصلحة العامة. في ما يلي قراءة الطيب عمر التي قدمها في 2015 للمجلس الوطني لحقوق الإنسان، مع تذكير القراء أن بعض الفقرات قد حدفت منها، دون المساس بجوهرية النظر.

تعريف الاجهاض
لم يعط القانون تعريفا للإجهاض ( أو الإسقاط ) وعرفه الفقه تعريفات مختلفة تتمحور كلها حول فكرة « استعمال أي وسيلة تؤدي الى طرد الجنين قبل موعد الولادة.
والمتفق عليه فيه في الفقه الجنائي أن الجريمة تقوم منذ التلقيح الذي يتم بين الخلية المنوية للرجل وبويضة المرأة إلى حين المخاض السابق لعملية الولادة، و تتم الجريمة حتى لو نزل الجنين حيا، متى لم يكن نزوله طبيعيا، كما أنه لا أهمية لدرجة نمو الجنين فالجريمة تتحقق من وقت ثبوت التلقيح إلى وقت الولادة الطبيعية .
والأصل في القانون هو العقاب والاستثناء هو الإباحة المطلقة أو المقيدة بشروط، فهناك دول تعاقب الإسقاط، ودول أخرى كثيرة أباحته كليا أو جزئيا، ضمن شروط، بعضها ذو مرجعية حقوقية أو فلسفية، وبعضها ذو مرجعية دينية، والبعض الآخر ذو مرجعية طبية – صحية أو اقتصادية- اجتماعية، أو غيرها.

مبررات القائلين بعدم الإباحة 
-1 الجانب الديني، فالمسيحية والإسلام يحرمان الإجهاض، كمبدأ عام .
-2  الجانب المبدئي، المتعلق بحق الجنين في الحياة، سواء باعتباره من خلق الله، أم باعتباره كائنا إنسانيا له وجود ولا يسوغ تدميره .
-3  الجانب الأخلاقي المرتبط بالجانب الديني، من حيث كون إباحة الإجهاض هي طريق لإباحة العلاقات الجنسية غير المشروعة، سواء أكانت المرأة متزوجة أم لا، وربما إباحة المثلية الجنسية وإشاعة الانحلال الخلقي ….
-4  أن الإجهاض، ولو تم في ظروف آمنة، قد يؤثر على صحة المرأة، واحتمال إصابتها بأمراض خطيرة أو بعقم وتشوهات ….
-5   أن من شأن إباحة الإجهاض خلق جيل من الأبناء بدون آباء وبدون نسب، وأن البنوة هي من النظام العام .

مبررات القائلين بجواز إباحة الإجهاض
-1 غياب التربية الجنسية وعدم التوعية من أجل الوقاية من الحمل، وعدم استفادة كل النساء من برامج تنظيم الأسرة ، الأمر الذي يعد كله من الأسباب المؤدية الى تفاقم ظاهرة الإسقاط السري وظاهرة ازدياد عدد النساء الحوامل خارج مؤسسة الزواج، في إطار ما يعرف بالأمهات العازبات. 
-2   عدم حماية القانون لحقوق الطفل المزداد خارج مؤسسة الزواج ، من نسب ونفقة ورعاية الأب وغيرها. 
-3  إن المغرب قد أدرج عمله في إطار المنظمات الدولية، وتعهد بالتزام ما تقتضيه مواثيقها، من مبادئ وحقوق وواجبات، وأكد تشبثه بحقوق الإنسان .
-4  إن الدستور قد نص على الحق في الحياة بالنسبة إلى المرأة، وعلى تيسير استفادتها من العناية الصحية .
-5   إن تجريم الإجهاض هو نوع من التمييز بين الرجال والنساء، حيث إن النساء يتحملن لوحدهن تبعات الإجهاض غير الآمن ومخلفات الولادة اجتماعيا.
-6  إن المؤتمرات والمنظمات الدولية توصي بأن تمكين  المرأة من أن تقرر في حملها يشكل أساسا جوهريا للتمتع بكافة الحقوق الأخرى، وتوصي بضرورة الاهتمام بموضوع الإجهاض الذي يتم في ظروف غير صحية.
-7 إن عددا كبيرا من النساء اللائي يلجأن إلى الإجهاض السري بعضهن متزوجات، إلا أن ظروفهن المعيشية لا تسمح لهن بالإنجاب وتحمل مسؤولية الأمومة من جديد.
-8 استقلال المرأة بكيانها وحريتها في التصرف في جسدها، فهي حرة في حياتها الشخصية.
-9  إن الأمومة ليست هي عملية حمل وولادة فحسب، بل هي إحساس ينشأ لدى المرأة التي تختار الحمل بشكل إرادي وبرغبة شخصية وفي ظروف اجتماعية ونفسية مستقرة تمنحها الاستعداد العاطفي والوجداني والإحساس بالمسؤولية.
-10  إن الاغتصاب يعتبر إهانة لكرامة المرأة وفيه مساس بصحتها الجسدية والنفسية، وفي حالة وقوع الحمل نتيجة الاغتصاب يعتبر الحمل حملا غير مرغوب فيه، وغير شرعي، ومن حق المرأة اتخاذ القرار في إجهاض الجنين، وينطبق القول نفسه على الجنين الناتج عن زنا المحارم، وأن تشريعات كثيرة قد سارت في هذا الاتجاه.
-11  إن الجنين قد يكون مشوها، أو مريضا مرضا لا يرجى شفاؤه، أو أن استمرار الحمل قد يسيء للأم و للجنين أو لأحدهما وربما للمجتمع كله .

مناقشة حجج المعارضين
من غير شك في أنه إلى وقت قريب كان كثير من علماء الدين لا يجيزون عملية زرع الأعضاء، كل من منطلقه، واليوم وقد تطور العلم كثيرا، يكاد يكون القبول مجمعا عليه بينهم، وتم تجسيد إرادة الشعوب في ممارسة ذلك في نصوص قانونية وفي حملات تحسيسية، الغرض منها انقاذ الروح البشرية المعرضة للخطر.
كما أن موضوع محاربة «السيدا « كان من الأمور التي يشكل الكلام فيها نوعا من قلة الحياء، وعلماء الدين كلهم يساندون تلك المحاربة اليوم.
– إن الملتزم به دستوريا هو مبادئ وأحكام الدين الإسلامي الحنيف، في إطار مقاصده السمحة – كما يضيف نص الدستور – وهذا الإطار هو الذي سيسمح لعلمائنا الأجلاء، بعد فهم الواقع وتشخيصه التشخيص الصحيح، وفي إطار التمسك بمقاصد الشريعة وبالكليات، أن يفتحوا باب الإجتهاد في الفروع والجزئيات، لرفع الضرر واستجلاب المصالح، وهذا الموضوع هم المختصون به .
–  أما من حيث الجانب المبدئي، المتعلق بحق الجنين في الحياة، سواء باعتباره من خلق الله، كما هو عين اليقين، أم باعتباره كائنا انسانيا له وجود ولا يسوغ تدميره، كما يعتقد البعض، فهذه حجة يصعب دحضها، لما هو ثابت دينيا وطبيا .
– أما من حيث كون إباحة الإجهاض هي طريق لإباحة العلاقات الجنسية غير المشروعة، سواء أكانت المرأة متزوجة أم لا، وربما إباحة المثلية الجنسية وإشاعة الانحلال الخلقي، فهذا الكلام لا يبدو أن له أساسا من الصحة، ولو نسبيا، لأن المقصود من الحمل المراد إسقاطه، ليس دوما هو الحمل الذي يتم خارج مؤسسة الزواج
– أما من حيث كون الإجهاض، ولو تم في ظروف آمنة، فقد يؤثر على صحة المرأة، واحتمال إصابتها بأمراض خطيرة وعقم وتشوهات، فهذا القول على صحته لا يقف حجة أمام ثبوت جسامة الأضرار الناتجة عن الإسقاط السري وغير الآمن للأجنة.
– أما خلق جيل من الأبناء بدون أباء وبدون نسب، وأن البنوة هي من النظام العام، فهذا الأمر على صحته لا يقف أيضا ذريعة لمعالجة موضوع الإسقاط السري .

مناقشة حجج المؤيدين
– لا شك أنه لا توجد علاقة سببية مباشرة بين موضوع الإجهاض وبين غياب التربية الجنسية وبرامج تنظيم الأسرة، فهذه أمور وقائية لا علاقة لها بالقانون
– أما أن معاقبة المرأة من أجل الفساد والإجهاض هي من أسباب الإسقاط السري، وظاهرة الأمهات العازبات، والأطفال المتخلى عنهم وجريمة قتل الوليد، فالأمر ليس بهذه البساطة .
وتبقى المقاربة الحقوقية، المؤسسة على نصوص الدستور، حيث يلاحظ أن حجج القائلين بالإباحة اعتمادا على القواعد الدستورية المشار اليها في الأرقام 3، 4 و 5 أعلاه إن كانت قواعد لا جدال فيها، من حيث المبدأ، إلا أن هناك قيما دستورية أخرى منها نص الدستور على أن :
– « الإسلام دين الدولة.
– وان» المملكة المغربية دولة إسلامية « …» متشبثة بوحدتها الوطنية والترابية، وبصيانة تلاحم مقومات هويتها الوطنية .»
-» أن الهوية المغربية تتميز بتبوؤ الدين الإسلامي مكانة الصدارة فيها، وذلك في ظل تشبث الشعب المغربي بقيم الانفتاح والاعتدال والتسامح والحوار…»
– أما أن تجريم الإجهاض هو نوع من التمييز بين الرجال والنساء اللواتي يتحملن وحدهن تبعات الإجهاض غير الآمن، والشعور بالتمييز وبخطورة تخلي الدولة عنهن في ظل قسوة المجتمع، فهذا الكلام، بصرف النظر عن جانبه العاطفي، قد لا يصمد أمام الرد المتلخص في أن المرأة، كما خلقت، بحكم تكوينها وطبيعتها هي التي تنوء وحدها بمتاعب الحمل، وليس الرجل، الذي تبقى مسؤوليته القانونية والإجتماعية موضوعا لمجال آخر ليس هو تقنين الإجهاض، والمسألة ليس فيها تمييز ذو مرجعية دستورية .
– أما عن استقلال المرأة بكيانها وحريتها في التصرف في جسدها، وفي تقرير ما تراه بشأن حياتها الشخصية دون تدخل أو مراقبة من أي جهة، والذي قد يجد مرجعيته فيما تسميه منظمة أمنيستي «جسدي حق لي»   MON CORPS . MON DROIT»  ، فهذا كلام مردود عليه لأسباب كثيرة منها :
أن الأمر لا يتعلق بحرية ولا بحق، ثم إن حرية المرأة تناقش، في إطار القانون، ضمن موضوع رضى المجني عليه.
 
إجهاض المكره
يوضح بعض الفقه المغربي بشأن حالات الضرورة  ما يلي:
« … واضح من النص( الفصل 124 من القانون الجنائي ) أنه يشمل حالة الضرورة والإكراه المعنوي، والضرورة هي أن يجد الإنسان نفسه أو غيره مهددا بخطر جسيم حال، فلا يجد سبيلا من درئه  إلا بارتكاب الجريمة».
« على اعتبار أن الضرورة تقوم على أساس التضحية بمصلحة في سبيل الإبقاء على مصلحة أخرى تعلو عليها في الأهمية أو تتساوى معها، وهذا هو الأساس الذي تقوم عليه أسباب التبرير».
« ومن الفقه من يذهب إلى تأييد هذا الاتجاه الأخير، باعتبار الضرورة من أسباب التبرير
يمكن الاستئناس بالرأي المذكور، لما فيه المصلحة، بخصوص موضوع الإجهاض، في جانبه المتعلق» باعتبار الضرورة  في حالة الإجهاض هي مانع مسؤولية، وليست من أسباب التبرير، وبالتالي فإن حدوث الخطر نتيجة خطأ الفاعل لا يحول دون قيام حالة الضرورة، وذلك لمعالجة بعض حالات الإسقاط الذي قد يثار فيه خطأ المرأة أو حالة المغرر بها.»
«في كل هذه الحالات السابقة، والتي تتشابه معها، هل يجوز للمرأة إسقاط نفسها أو للطبيب أو الصيدلي إجهاضها؟
«الرأي عندنا، أنه يجوز في هذه الحالات للمرأة إسقاط نفسها تأسيسا على توافر حالة الضرورة، بشروطها القانونية التي تطلبها القانون، و أول هذه الشروط أن يكون الخطر مهددا للنفس، وقد استعمل الشارع المصري لفظ النفس مطلقا دون تقييد، ومن المتفق عليه في الفقه أن النفس تشمل الحق في الحياة، وسلامة الجسم والشرف والاعتبار، ومن ثم يكون هذا الشرط متحققا في هذه الحالة بالإضافة إلى الشروط الأخرى، وهي جسامة هذا الخطر بالنسبة إلى المرأة، كما أنه يعد كذلك خطرا حالا، ولا خلاف في أنه لا دخل لإرادة المرأة، في حلول هذا الخطر في مثل هذه الحالات.
 «أما بالنسبة إلى الطبيب أو الصيدلي فتعد حالة الضرورة متوفرة –كذلك- بشروطها القانونية السابقة، إذ أن القانون لم يفرق بين الخطر الذي يهدد نفس مرتكب الفعل أو الخطر الذي يهدد نفس الغير… كما أنه خطر حال وجسيم وينبني على ذلك أنه يجوز للصيدلي مساعدة المرأة على الإجهاض في هذه الحالة تأسيسا على حالة الضرورة».
 « كما تتوافر في فعل الإسقاط شروط فعل الضرورة، فهو الوسيلة الوحيدة للتخلص من الخطر». 
« وبالبناء على ما تقدم، تمتنع مسئولية المرأة، والطبيب والصيدلي الجنائية- في هذه الحالة التي تثبت على سبيل القطع بدليل رسمي، أن الحمل كان ثمرة لفعل غير مشروع ولم يتوافر الرضاء الصحيح من المرأة- تأسيسا على توافر حالة الضرورة بشروطها القانونية سالفة الذكر.» ( انتهى رأي الدكتور أسامة عبد الله قائد ).

القانون الفرنسي أباحه
قد يفيد الرأي المذكور في ما نصه « أن النفس تشمل الحق في الحياة، وسلامة الجسم والشرف والاعتبار»، وأن كل حمل، ثبت ثبوتا قطعيا أنه قد نتج عن علاقة جنسية استكرهت المرأة عليها وانعدم رضاها، كما هو واضح من بعض الأمثلة المشار إليها، فإن من حقها أن تسقط جنينها، ضمن شروط قانونية، محددة بآجال، وشروط صحية معينة، يتم التوافق بشأنها بين  أصحاب الفتوى من العلماء، وأصحاب الرأي من الأطباء .
 وفي هذا الإطار، وما دام الاستشهاد بالقانون الفرنسي واردا، باعتباره المرجع الذي أخذ منه القانون المغربي نصوصه الحالية، وبصرف النظر عن جانب المرجعية الدينية، فإن هذا القانون نص على الإسقاط ضمن القانون الجنائي، وضمن قانون الصحة، الذي نص بدوره على مقتضيات عقابية .
 كما ينص القانون على الإسقاط الطبي أو العلاجي للحمل ( ITG) وهو الذي يتم بعد 12 أسبوعا لأسباب صحية، فلا بد فيه من وجود خطر جسيم يتهدد المرأة، أو تشوه بحملها، وهو ما يتم البت فيه من هيأة مكونة من أطباء من تخصصات متعددة ومن غير الأطباء، يتشاورون في ما بينهم ويتخذون قرارا جماعيا، ويتم الإسقاط بأحد المستشفيات المتخصصة أو المؤسسات المشار إليها .
والإسقاط المعاقب عليه هو الذي يتم بدون رضى المرأة، أو يتم بعد مرور 12 أسبوعا، خارج الحالات المنصوص عليها في القانون، أو يتم من قبل غير الطبيب، وفي غير المكان المحدد (المستشفيات المتخصصة أو المؤسسات المشار إليها) ومن أعطى المرأة وسائل الإجهاض يعاقب، كما أن بيع أدوات الإسقاط لغير الأطباء والمؤسسات المتخصصة ممنوع ..

تدمير جنين الأنبوب  
أما بخصوص ما يسمى بأطفال الأنابيب، وهل يشكل تدمير التلقيح، الذي يقوم به  ذوو الاختصاص بين الحيوان المنوي للذكر وبويضة الأنثى ، إجهاضا، فبصرف النظر عن النقاش في جانبه الطبي  والشرعي، بخصوص المجادلة في التلقيح، الذي يتم بواسطة الحيوان المنوي لغير الزوج وبويضة المرأة ، فإن الرأي مختلف فيه  لدى الفقهاء، وإذا أمكنني الإدلاء برأي، فهو أن ذلك التدمير لا يشكل إجهاضا، لسبب بسيط، هو أن الإجهاض باعتباره جريمة خاصة، فإن من خصوصيتها أن تستهدف مخلوقين في الوقت نفسه، هما الأم والجنين، وهذا هو مدلول عبارة  « القرار المكين « التي أشار اليها القرآن الكريم ، وهو يقصد رحم الام ، مما يكون معه التدمير الحاصل خارج هذا الرحم، غير قابل لتوصيف الاجهاض .

هل يبيح التشوه الخلقي الإسقاط؟
 فليس لصاحب القانون رأي فيه، ويبقى الرأي للأطباء المختصين، باتفاق مع علماء الدين، وكل ما ينبغي التأكيد عليه هو: 
– تقرير أبعد مدة ممكنة شرعا للإسقاط للتشوه أو الأمراض التي لا يرجى شفاؤها، وذلك لأن بعض هذه الأمراض قد لا تظهر في الفترات الأولى للحمل .
– أن يتم الإسقاط بعد تشاور مع الوالدين ومع هيأة طبية تتخذ قرارا جماعيا، وأن يتم ذلك في مستشفيات عمومية أو مؤسسات طبية محددة بنص تنظيمي .
 
مناقشة النصوص القانونية الحالية
 -1  من النصوص القانونية ذات العلاقة بموضوع الإجهاض، نجد الفصل 446 من القانون الجنائي في شقه المتعلق بمعاقبة الأطباء والجراحين وملاحظي الصحة، وكذلك الصيادلة والمولدات وكل شخص يعتبر من الأمناء على الأسرار، بحكم مهنته أو وظيفته، الدائمة أو المؤقتة، إذا أفشى سرا أودع لديه، وذلك في غير الأحوال التي يجيز له فيها القانون أو يوجب عليه فيها التبليغ عنه. غير أن الأشخاص المذكورين أعلاه لا يعاقبون بالعقوبات المقررة في الفقرة السابقة إذا بلغوا عن إجهاض، علموا به بمناسبة ممارستهم مهنتهم أو وظيفتهم، وإن كانوا غير ملزمين بهذا التبليغ ، وهم أحرار في عدم الإدلاء بشهادتهم أمام القضاء، إذا استدعوا من قبله.
 وهذا النص ينبغي إعادة النظر فيه، على ضوء ما سيتم التوصل إليه من نتائج بخصوص الإجهاض نفسه وحالاته . 
-2 يلاحظ أن القانون الجنائي يضع الإجهاض ضمن الباب الثامن، تحت عنوان في الجنايات ضد نظام الأسرة والأخلاق العامة، وهو في ذلك ما زال متأثرا بالتعديل الذي أدخل على الفصل 317 من القانون الفرنسي سنة 1939، تحت عنوان «  قانون حماية الأسرة «، ويبدو أن مكان الإجهاض هو الباب المتعلق بالجنايات والجنح ضد الأشخاص، وبعض المقترحات المذيلة بها النصوص، هي جزء من كل، ينبغي تجميعه بعد، انتهاء الحوار حول هذا الموضوع.
 -3 ينص الفصل 449 من القانون على أن «
 «من أجهض أو حاول إجهاض امرأة حبلى أو يظن أنها كذلك، برضاها أو بدونه سواء كان ذلك بواسطة طعام أو شراب أو عقاقير أو تحايل أو عنف أو أية وسيلة أخرى، يعاقب بالحبس من سنة إلى خمس سنوات وغرامة من مائتين إلى خمسمائة درهم.
وإذا نتج عن ذلك موتها، فعقوبته السجن من عشر إلى عشرين سنة».
 تضاف لكلمة برضاها عبارة « في غير الحالات المسموح بها قانونا «.
تحذف منه عبارة أو يظن أنها كذلك .
 -4 وينص الفصل 451 :
«الأطباء والجراحون وملاحظو الصحة وأطباء الأسنان والقابلات والمولدات والصيادلة وكذلك طلبة الطب أو طب الأسنان أو الصيدلة وعمال الصيدليات والعشابون والمضمدون وبائعو الأدوات الجراحية والممرضون والمدلكون والمعالجون بالتسبب والقابلات العرفية، الذين يرشدون إلى وسائل تحدث الإجهاض أو ينصحون باستعمالها أو يباشرونها، يعاقبون بالعقوبات المقررة في أحد الفصلين 449 و450 على حسب الأحوال» .
«ويحكم على مرتكب الجريمة، علاوة على ذلك، بالحرمان من مزاولة المهنة، المقرر في الفصل 87، إما بصفة نهائية، أو لمدة محدودة«.
 ملاحظة :
– إن هذا النص يسمح لكل الفئات المشار إليها بإجراء الإجهاض، بنصه على عبارة «أو يباشرونها»، وقد آن الأوان لحصر الإسقاط على الأطباء المتخصصين، ومنعه على غيرهم . 
-5 أما الفصل 452 ، فينص على أن :
 «من خرق المنع من مزاولة المهنة، المحكوم به عليه، طبقا للفقرة الأخيرة من الفصل السابق، يعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من خمسمائة إلى خمسة آلاف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.» 
ملاحظة :
 إن هذا النص يشير إلى عبارة « خرق المنع من مزاولة المهنة « وكأن العشاب والقابلة العرفية والمعالجين بالتسبب يمارسون مهنة منظمة يمكن المنع من مزاولتها. 
-6 الفصل 453 :
« لاعقاب على الإجهاض إذا استوجبته ضرورة المحافظة على صحة الأم متى قام به علانية طبيب أو جراح بإذن من الزوج.
«ولا يطالب بهذا الإذن إذا ارتأى الطبيب أن حياة الأم في خطر، غير أنه يجب عليه أن يشعر بذلك الطبيب الرئيسي للعمالة أو الإقليم.
«وعند عدم وجود الزوج أو إذا امتنع الزوج عن إعطاء موافقته أو عاقه عن ذلك عائق فإنه لا يسوغ للطبيب أو الجراح أن يقوم بالعملية الجراحية أو يستعمل علاجا يمكن أن يترتب عنه الإجهاض إلا بعد شهادة مكتوبة من الطبيب الرئيس للعمالة أو الإقليم يصرح فيها بأن صحة الأم لا تمكن المحافظة عليها إلا باستعمال مثل هذا العلاج «. 
 هذا النص يثير ملاحظات منها :
 –  أن عبارة  « صحة المرأة» هي عبارة عامة، وقد سبق لبعض الفقهاء أن انتقدها واعتبرها تتضمن « نوعا من المرونة قد تؤدي الى إباحة الاجهاض في أغلب حالات الحمل غير المرغوب فيه « ؛
 والحقيقة أن « الصحة « هي كلمة عامة ، إذا أردنا أن ندخلها ضمن التعريف الذي تعطيه منظمة الصحة العالمية للصحة بأنها  حالة الراحة الجسمية والعقلية والاجتماعية «un état de bien être physique , mental et social   فإنها قد تستوعبها ؛
وقد كان بالإمكان الاستفادة من عمومية النص المذكور ، ليستوعب حالات كثيرة من حالات الإجهاض ، إلا أنه ما دمنا بصدد التعديل، فلا بأس من التوضيح بأن المقصود هو» صحة المرأة الجسدية والنفسية والعقلية والاجتماعية «.
 –  واضح أن النص لا يعني المرأة المتزوجة وحدها، بدليل قوله «وعند عدم وجود الزوج»  «A défaut de conjoint « .
–  ينبغي النص على أنه لا يطالب بهذا الإذن عند عدم وجود الزوج، وإذا ارتأى الطبيب أن حياة  المرأة في خطر.
–  بقية الاحتياطات المشار إليها في الفقرة الأخيرة من النص ضرورية، بخصوص الإشعار الحاصل لبعض لجهات، وقد يحتاج الأمر الى إعادة صياغتها، مع الإشارة إلى طبيب الجهة.
–  يضاف للنص ما مفاده أنه لا عقاب على الإجهاض :
–  إذا كان الحمل ناتجا بغير رضى المرأة ، وهو نص عام قد يستوعب حالات كثيرة ، لا تقتصر على مجرد الإغتصاب، الذي هو نفسه « مواقعة رجل لامأرة بدون رضاها «.
–  إذا كان الحمل ناتجا عن زنا المحارم .
–  اذا كان الجنين مشوها ، أو مصابا بداء لا يرجى شفاؤه .
–  تحدد بنص تنظيمي كل المسائل الطبية المتعلقة بحالات التشوه أو المرض.
–  إذا رفض الطبيب القيام بالإسقاط  تعين عليه أن يرسل إلى المرأة  أو وليها ، أو نائبها إلى الجهة الطبية التي يمكنها القيام بذلك .
7- الفصل 454 :
 «تعاقب بالحبس من ستة أشهر إلى سنتين وغرامة من مائتين  إلى خمسمائة درهم، كل امرأة أجهضت نفسها عمدا أو حاولت ذلك أو قبلت أن يجهضها غيرها أو رضيت باستعمال ما رشدت إليه أو ما أعطي لها لهذا الغرض «.
ملاحظة :
 نقترح صياغة هذا النص كالتالي :
 «تعاقب بالحبس من الى ( تحدد العقوبة )، كل امرأة أجهضت نفسها عمدا أو حاولت ذلك أو رضيت باستعمال ما أرشدت إليه أو ما أعطي لها لهذا الغرض، أو قبلت أن يجهضها غيرها خارج الحالات، وضمن الشروط المحددة في القانون .»
–  يلاحظ أن القانون لا ينص على المشاركة في التحريض على محاولة إجهاض المرأة لنفسها، ( قرار المجلس الأعلى عدد 2233 بتاريخ 8/3/1990 )
–  يمكن الاستئناس في هذا الإطار بالقانون البحريني الذي تعاقب المادة 321 منه بالحبس مدة لا تزيد عن ستة أشهر او بالغرامة التي لا تتجاوز خمسين دينارا كل من تجهض نفسها بغير مشورة طبيب وبمعرفته «.
–  وذلك حتى لا تشعر المرأة بأن استشارة الطبيب المختص أمر ضروري ، وعدم قيامها بذلك يعرضها للعقوبة .
-8 الفصل 455 :
«يعاقب بالحبس من شهرين إلى سنتين وغرامة من مائتين إلى ألفي درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط كل من حرض على الإجهاض ولو لم يؤد هذا التحريض إلى نتيجة ما.
«وتجري العقوبات نفسها على كل من باع أدوية أو مواد أو أجهزة أو أشياء، كيفما كان نوعها أو عرضها للبيع أو عمل على بيعها أو وزعها أو عمل على توزيعها بأي طريقة كانت مع علمه أنها معدة للإجهاض حتى ولو كانت هذه الأدوية أو المواد أو الأجهزة أو الأشياء المقترحة وسائل فعالة للإجهاض، غير قادرة عمليا على تحقيقه.
«غير أنه إذا ما تحقق الإجهاض إثر العمليات والأعمال المشار إليها في المقطع السابق فإن العقوبات المنصوص عليها في الفصل 449 من القانون الجنائي تطبق على القائمين بالعمليات أو الأعمال المذكورة.»
 يمكن اقتراح حذف عبارات:
 ولو لم يؤد هذا التحريض إلى نتيجة ما.
 حتى ولو كانت هذه الأدوية أو المواد أو الأجهزة أو الأشياء المقترحة وسائل فعالة للإجهاض، غير قادرة عمليا على تحقيقه،  لأن عقاب الجريمة المستحيلة هنا لم يعد له أي مبرر.

الخلاصة
إن الموضوع ليس سهلا، ويحتاج وقتا كافيا لتبادل وجهات النظر حوله، أخذا بعين الاعتبار جميع المبررات المشار اليها في هذه الورقة، وفي غيرها، مما سيسهم به المشاركون في النقاش .  

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق