fbpx
بانوراما

عادات القصر السلطاني

لم تكن تقاليد البروتوكول المخزني مكتوبة ولا تصدر لا في مراسيم أو ظهائر، إنها أعراف تُتوارث عبر أجيال داخل قصر السلطان حتى شكلت تراثا غنيا،  ومجالا مركزيا يؤسس ثقافة السلطة بالمغرب ويرعاها. فهي المركز الباعث لنظام الحكم والطاعة والخضوع، عبر تحديد قواعد وضوابط وآداب البروتوكول المخزني المفروضة على مختلف مؤسسات المملكة. ويشكل كتاب “العز والصولة في معالم نظم الدولة” للمؤرخ عبد الرحمن بن زيدان (توفي سنة 1946)، والصادر عن المطبعة الملكية مطلع الستينات، أحد أهم المصادر التاريخية التي تتبعت مختلف الأنظمة والأعراف الإدارية التي كان معمولا بها في الدولة المغربية إلى حدود مطلع القرن الماضي، وبيان لأحول السلاطين وعاداتهم المتبعة داخل القصور، وفي هذه الحلقات تأخذكم “الصباح” في جولة عبر بعض فصوله التي توثق لعادات وتقاليد مرعية ب”دار المخزن” منها الزائل ومنها ما هو باق.

الحلقة الرابعة
نظام السلطان في الأكل
الملابس السلطانية خارج القصر تكون تحت صيانة الحاجب السلطاني

يصف ابن زيدان بعضا من عادات الأكل بالقصر السلطاني فيقول “يأكل الملك منفردا، وربما أكل من بعض الطعام وحده، ووجه به لبعض الخاصة من بيته، أو أقاربه، أو من لم يحضر بحضرته من أهله. وبعد الفراغ تقدم الطست إليه الأمة ذات النوبة، وتقف بإزائها أخرى حاملة المنديل في طبق مغشى بالحرير، وأخرى لآنية الصابون، وكلهن منتصبات بدون أدنى انحناء”.
ويضيف “أما ماء شراب الأمير فإنه يستعذب له، وربما يطبخ بالمصطكى (نوع من العلك) طبخا جيدا، وتجعل قطع من الحديد في النار وينفخ عليها حتى تحمرّ وتطفأ في ذلك الماء، ثم يبرد ويجعل في الأواني الخزفية المحتفظ بها عند أصحاب الماء، وكلما فرغت “البرادة” (الكوز) بداخل القصر ردت للمكلف باستعذاب الماء وعوضت بغيرها، وتدخل ملففة بثوب أبيض، وكذلك الآنية التي يصب فيها الماء للشراب، وتكون غالبا من الخزف البلدي وربما كانت من الخزف المصنوع بفيلالة، ولا بد لمن تناوله من قبض الآنية بخرقة تجعلها في كفها، ولا تمس الآنية بيدها أو أصابعها وإلا أدبت، وربما عوضت البرادة ب”الركوة” (وعاء من الجلد) خصوصا في الأسفار، وعلى هذا النسق العمل في أواني الأتاي إلا عند إرادتها، ولا تدخل إلا ملففة، وعند الفراغ منها ترجع لمحلها، ودخول ذلك وخروجه يكون بواسطة أحد الطواشين.
يقول ابن زيدان “عندما يريد الملك الخروج للصلوات الخمس والجلوس على العرش، بقاعة الاستقبال، يكون لابسا عمامة بيضاء ملتوية على قلنسوة حمراء ليا محكما بكيفية منظمة، وهيأة مستحسنة، ويرتدي بكساء ذات أعلام حريرية من أعلى طراز وطني، وإذا كان الاستقبال خارج القصر أو كانت صلاة الجمعة أو السفر زاد فوق الكساء نجادا حاملا “دلائل الخيرات” أو مصحفا، وتقلد بسيف ظريف، ولبس برنسا مناسبا للفصل الذي هو فيه، وغطى رأسه به، وجعل فوق ذلك عصابة لطيفة، وامتطى صهوة الجواد، واحتفت به الحاشية، ونشرت على رأسه المظلة”.
ويتابع “وإذا دخل السلطان القصر لبس قلنسوة بدون عمامة، ولباسه المعتاد سروال وقميص وقفطان من الملفّ، أو ما يشاكله حسب طقوس الزمان، وفرجية وجلابة من النسيج الوطني، والغالب أن تكون الأقمصة والسراويل من الكتان المعروف بالمطيب، وغالبا ينسج بثغر سلا، ويتمنطق بمنطقة جلد، (…) أما المولى الرشيد والمولى إسماعيل فإنهما كانا يقلدان ملوك الدولة السعدية في اللباس، وكان لباسهم بلباس أهل الحجاز أشبه”.
وكان للعمامة شأن كبير عند الملوك، ولا يلبسها رجال الحاشية إلا بإذن خاص، والمولى الحسن الأول نفسه مع سلف له من الترؤس على بعوث وجنود لم يلبسها حتى أذن له أبوه بها.
كما كانت ألبسة السلطان تخضع لنظام خاص في الصيانة، إذ أنها تكون في داخل القصر “تحت صون العريفة في خزين خاص يسمونه قبة الصناديق، وقد كانت العادة جارية بخياطة الملابس من الكتان برباط الفتح”.
و”أما خارج القصر فإن الملابس السلطانية تكون تحت صيانة الحاجب السلطاني، ومن العوائد المحكمة في دولة السلطان المولى الحسن الأول، ومن بعده، أن السلطان يلبس كل جمعة كسوة وبلغة ويزيل ما كان عليه، وكانت عادة السلطان سيدي محمد بنعبد الله أن يلبس كل جمعة كسوة جديدة ويعطي الكسوة التي خلعها لأحد أبنائه”.
ويضيف ابن زيدان “وإذا اجتمعت أثواب الجلالة المولوية التي تحتاج إلى الصابون، تعلم العريفة المكلفة بذلك من الإماء والحرائر، فيجتمعن على غسل تلك الأثواب، وقد كان أسلافنا السلاطين يلبسون المرقع من الثياب وقد شوهد السلطان عبد الرحمن بن هشام لابسا سروالا مرقعا من إحدى رجليه، وهو داخل للعاصمة المكناسية على باب “أبي العمائر”، وفي عهد السلطان مولاي الحسن الأول صار يلبس القميص والسروايل من المصبن، أما الفرجية فلا يلبسها إلا جديدة، والعادة جارية بغسل الثياب المولوية في يوم واحد، لا يبيت منها شيء بدون غسل أبدا، وتنقل في جفان سبع تغسل أولا في واحدة، ثم تنقل للأخرى، وهكذا إلى آخر السبع، ولا يباشر غسلها غير النظيفات العارفات بواجب الآداب السلطانية، ويكون الصابون لديهن من أعظم أيام المهرجان”.

إعداد: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى