بانوراما

كتب في حياة بوسلهام الضعيف … سلالة الدمار

بوسلهام الضعيف…كتب في حياتي 4

راكم المسرحي بوسلهام الضعيف تجربة مسرحية ثرية وخصبة، وطنيا وعربيا، كما يساهم في التكوين والتأطير والتنظيم والبحث الأكاديمي، إلى جانب إبداعاته الغنية. اشتغل في الصحافة، خاصة في النقد الفني في مرحلة من مساره الغني. في هذه الزاوية (كتب في حياتي )، يقدم بوسلهام الضعيف لقارئ «الصباح» جزءا من تجاربه في القراءة بلغة سهلة وشفافة، تخاطب مجمل القراء…
عيسى الكامحي
في (أونا وسالينجر) يحكي الروائي الفرنسي (فريدريك بيغبيدير) قصة حب تبدأ، لتنطفئ مع مرور الزمان. ينطلق في حكايته من شخصيات حقيقية.
تبدأ الحكاية سنة 1940 بنيويورك بين الكاتب الشاب (سالينجر) و(أونا أونيل) بنت الكاتب المسرحي (يوجين أونيل) بعد لقاءات بينهما سيذهب (سالينجر) للمشاركة في الحرب بأوروبا، ستبدأ أونا مسارها في التمثيل بهوليود، وستتزوج بشارلي شابلن بعد أن قدمها إليه المخرج (أورسن ويلز)، في سن الثامنة عشرة، وشابلن كان في سن الرابعة والخمسين، وكانت زيجته الرابعة والأخيرة.
رواية تغوص بنا في أمريكا الفن، الكتاب، هوليود، لقاءات، سنوات الأربعينات والخمسينات، مقاه وحانات الكتاب والفنانين، ترومان كابوت، أورسن ويلز، فيتزجرالد، سهرات وكحول وشراب، بحث عن الابداع وعن الكلمة الخارجة من عمق الشخصية والموسيقى الامريكية الصاعدة.
(أونا أونيل) ستجد في شارلي شابلن ما لم تجده في والدها، فهل كانت تبحث عن صورة أب مفقود. كانت لها علاقة شاذة بوالدها الكاتب الشهير، الحائز على جائزة نوبل للاداب . كانت تسمع عنه فقط، فبعدما تزوج أمها الكاتبة (أغنيس بولتون) تركها، وهي لم تكمل سنتها الثانية. لم تلتقه إلا مرات متفرقة وعابرة بقيت في ذاكرتها مثال خيالات غائمة.
يعتبر(يوجين أونيل) من أكبر كتاب المسرح بأمريكا وبالعالم، سليل مدرسة تعنى بالتحليل السيكولوجي للشخصيات، مؤسسوها ابسن وسترندبيرغ، تعتبر حياته تراجيديا من المعاناة والجراح الدفينة، جراح وجودية ونفسية، شملت عائلته وامتدت إلى أبنائه.
علاقات انسانية هشة على منحدر القيامة. علاقة مسكونة بجروح الماضي وعزلة الذات، وقلق وجودي باطني منحوت في قعر الوجدان.
في مسرحية (رحلة النهار الطويلة خلال الليل) حكى أونيل كل شيء عن حياته، في مشاهد مسرحية، وضع مثل طبيب جراح، فوق سرير غرفة العمليات أسرته، أباه وأمه وأخاه، مسرحية علاقات أسرية متوترة حد الشقاء، شرايين متقطعة لدماء ملوثة.
ترجع أحداث المسرحية الى سنة 1908 في نفس العام الذي قام فيه تايرون وزوجته (أبو أونيل وأمه) بالاحتفال بعيد زفافهما الثلاثين. وكان الأب نسي الموعد المتفق عليه، ما حز في نفس الأم وجعلها تسترجع ماضيها معه. ماض مرتبط بالبخل وفقدان ابنها الأول ثم مرض الثاني بالسل (يوجين – الكاتب نفسه) وخوف الأم عليه بشكل حاد.
عبر هذه الرحلة حاول (أونيل ) أن يتخلص من عذاباته وجروحه. ليس ثمة أبطال، أسرة بروابط دم، دماء فاسدة، دماء ملعونة. يختلط الشعور بالذنب مع الشعور بالظلم، يعود (يوجين) الى طفولته للشفاء (عندما نشيخ نرتد الى طفولتنا الأولى، عندما نشعر بالضعف والهرم في أخريات حياتنا، تعود بنا الذاكرة الى سنوات الاعتماد على الأبوين في بواكيرنا. تلك سنة الحياة وطبيعة الأكوان …استرجاع لشريط حياة: مغامراته في أعالي البحار بعد أن ضاقت به الأرض، وبحثه عن الذهب وقد أنهكه الشعور بالحرمان، تجواله على أرصفة الموانئ في نيويورك وأمريكا الجنوبية وليس في جيبه فلس واحد، وارتماؤه في أحضان الغانيات عندما يراهن في بيت الدعارة، بعد أن يكون حصل على قليل من المال، وتهافته على الشرب والسكر، وتقلبه بين العزوبة والزواج والطلاق، ومحاولاته لانهاء حياته بيده، وإصابته بمرض السل، وشعوره الدفين بقسوة الحياة).
في المسرحية، الأب بخيل مدمن، والأم منفصلة عن الواقع بفعل الادمان على العقاقير والدواء. الأخ ممثل فاشل ومدمن والكاتب الشاب مسلول، حياة هشة، بلا أمل ..
كتب (أونيل) هذه المسرحية مثل ترياق ضد كل ماعاشه ..
اخوه جيمي ..انتحر، المصير نفسه سيلقاه ابنه سنة 1950
ابنه (شين) أخو (أونا) سيقفز من النافذة ليلقى الهاوية. عذابات عائلة منذورة لتراجيديا الدمار.
يوجين أونيل جرب الانتحار لمرات متعددة ففشل. وعندما كتب (رحلة النهار الطويلة خلال الليل) أوصى بأن لا تنشر إلا بعد مرور خمس وعشرين سنة بعد وفاته. أرملته لم تتحمل كل تلك السنين، فعرفها القراء بعد سنتين.
رواية عن الزمن، عن الشيخوخة والشباب وتجاعيد الدهر. سينتظر (شابلن) بلوغها سن الثمانية عشرة ليتزوجها، زواج سيرفضه الأب (أونيل)، الذي لن يلتقي بابنته بعد ذلك. أما (أونا) فستقول لشارلي (سأتزوجك لكي تعلمني كيف أنضج وسأعلمك كيف ستبقى شابا حتى النهاية).
في سنة 1997 قدمنا في إطار مسرح الأكواريوم مسرحية (قبل الفطور) مع الفنانة نعيمة زيطان. المسرحية أعدت كتابتها عن مسرحية بالعنوان نفسه ليوجين أونيل. في مسرحية أونيل، الكاتب لا يتحدث، صامت، والمرأة تحكي، هويحلق ذقنه، وفي آخر المسرحية، صوت جسد يسقط. ينتحر الكاتب.
في الصيغة التي اشتغلنا عليها، فكرة الكاتب هي التي تحضر. فكرة الانتحار حذفت لكي تبقى الحياة سلسلة عذابات متواصلة للكاتب.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق