fbpx
بانوراما

ذاكرة المدينة القديمة بالبيضاء

تعايش اليهود والمسلمين

تختزن المدينة العتيقة للبيضاء، مرحلة مهمة من التاريخ المعاصر للمغرب، إذ كانت بوابة الحضارة التي حملها الأوربيون والمستعمرون إلى المغرب، كما كانت رقعة جغرافية تجمع جنسيات متعددة وأديانا مختلفة. في هذه السلسلة من الحلقات، تبحر بكم “الصباح” رفقة حسن لعروس، صاحب كتاب “المدينة القديمة بالدار البيضاء…ذاكرة وتراث”، في تاريخ هذه القلعة المحصنة بالأسوار…

الحلقة الخامسة

ولدت في النصف الأول من القرن الماضي في المدينة القديمة، وعمري الآن 85 سنة، وفتحت عيني على جو يسود فيه التعايش بين اليهود والمسلمين، مثل شعب وأمة واحدة، كما أننا وجدنا آباءنا يتعاملون معهم ويشاركونهم الحياة اليومية، وهذه هي العادات التي تربينا عليها وعاملنا اليهود مثل إخواننا.
كانت الأسرة الواحدة في تلك الحقبة تسكن منزلا من طابقين أو ثلاثة طوابق، عكس ما نشاهده اليوم. وكانت أبواب المسلمين مفتوحة في وجه اليهود، وكان هناك تبادل للزيارات، لم يكن هناك فرق ما بين اليهودي والمسلم.
كما هو معلوم أن اليهود لا يشعلون النار يوم السبت، لأنهم يعتقدون أن الأمر حرام شرعا، وكان بعض الشباب اليهودي المندفع حينها، يهربون إلى منازل أصدقائهم المسلمين قصد تدخين سيجارة. وكانت العلاقات تمتد أيضا إلى حضور الأعراس، ويشاركوننا اللباس التقليدي المغربي وغيره، إذ كان اليهودي يرتدي الجلباب والطربوش و”البلغة”، واليهودية كانت تلبس القفطان و”التفينة”، وتضع “المضمة” و”التزينة” و”الشد”، بمعنى أنه لم يكن هناك أي فرق.
كان اليهود يحتفلون بمناسبة تسمى “عيد الغفران”، وهو طقس مقدس يمنع عليهم أكل الملح، وكانوا يعدون أكلة تدعى “الرقاقة” ويوزعونها على الجيران، ويكثرون في هذا العيد، الذي يدوم قرابة أسبوع ويصادف فصل الربيع، من الأكل الممتاز، وعند كل وجبة كان أحدهم يجلب لنا “التدويقة”، وهي عبارة عن أربعة أو خمسة صحون صغيرة، من اللحم والأسماك المطبوخ بطرق مختلفة، بدون ملح، لكنهم يشترطون علينا عدم غسل تلك الصحون، لأنه حرام في دينهم، ومن العادات المنسية اليوم، أنه في ليلة نهاية أسبوع “عيد الغفران”، يتزودون بالملح من بيوت المسلمين، إذ أتذكر أن والدي كان يشتري “شابلة” (نوع من سمك النهر)، ويقتني “الفاكية” أيضا وأشياء أخرى، ويضعها في صحن كبير، لكن أهم ما في الصحن هو كأس معبأ بـ”الخميرة المالحة”، وهي أول ما يستعمله اليهود في اليوم الموالي لعجن خبزهم.
ويبقى خروج اليهود من المدينة القديمة للبيضاء، منعرجا حاسما في علاقة اليهود بالمسلمين المغاربة، بعد حادث مفجع، رغم أنهم كانوا يمارسون المهن اليدوية، ولهم أزقة ودروب يقطنون بها، إلى أن نفي السلطان محمد الخامس من عرشه، إذ اشتدت المقاومة المسلحة. وسجلت في 14 يناير 1954 ذكرى أليمة في البيضاء، وهو تاريخ احتفال فرنسا بعيد استقلالها، وبما أن آلاف المعمرين كانوا يعيشون بالمغرب، فإنهم كانوا يحتفلون ليلتها، في وقت كانت فيه المقاومة في أشدها.
وحظرت سلطات الحماية التجوال، وفرض على المغاربة دخول منازلهم قبل السابعة مساء، وإلا يكون الشخص معرضا للقتل في حال خالف القانون، واستغل أحد الفدائيين تلك الليلة لتصفية الحسابات مع سلطات الحماية، إذ استعان بـ “تريبورتور” لبيع الخبز لتفجير حانة “مدام غيران”، التي كان يحتفل داخلها عشرات الفرنسيين واليهود. كانت جريمة بشعة، الأطراف البشرية لفظت إلى الخارج، وتوفي داخلها كثيرون، ما دفع فرنسا إلى إرسال قوات حربية إضافية، ولما حطوا بالبيضاء لم يتصوروا فظاعة المشاهد، إذ كان الجنود يطوفون في الشوارع والأزقة ويطلقون النار على أي كان، سواء الأطفال أو العجائز، وذهبوا إلى منطقة درب عمر، وأحرقوا بعض المحلات التجارية، وتطورت المواجهات بين المقاومين والمعمرين، إلا أن بعض الشباب المغاربة سيكتشف أن بعض اليهود المتطرفين شاركوا في قتل المغاربة، وكان الرد قاسيا، إذ توجه بعض الشباب إلى منازل اليهود داخل المدينة العتيقة، وقاموا بحرق أثاث المنازل، وفرضوا عليهم مغادرة بيوتهم داخل السور.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى