fbpx
بانوراما

ذاكرة المدينة القديمة بالبيضاء

زواج أيام زمان

تختزن المدينة العتيقة للبيضاء، مرحلة مهمة من التاريخ المعاصر للمغرب، إذ كانت بوابة الحضارة التي حملها الأوربيون والمستعمرون إلى المغرب، كما كانت رقعة جغرافية تجمع جنسيات متعددة وأديانا مختلفة. في هذه السلسلة من الحلقات، تبحر بكم “الصباح” رفقة حسن لعروس، صاحب كتاب “المدينة القديمة بالدار البيضاء…ذاكرة وتراث”، في تاريخ هذه القلعة المحصنة بالأسوار…

الحلقة الرابعة
كان سكان المدينة القديمة يعرفون بعضهم البعض، يعيشون في جو يسوده الاحترام، وكان الناس يعزون المرأة.
وعندما يبلغ الشاب سن الرشد تقرر الأسرة تزويجه، وتكلف الأم بهذه المهمة من بدايتها إلى نهايتها، وكانت الأم عماد البيت وتحتكر جميع القرارات، وكانت الأسر متراصة، لأن الابن إذا تزوج لا يغادر بيت أبيه، كما أن أم الزوج هي من تختار زوجة ابنها، وتعزها أكثر من ابنها، وتدافع عنها إن أساء إليها الزوج.
كان الزواج في سن مبكرة، إذ بعد أن يصل الشاب إلى سن 20 أو 21 عاما، يصبح ملزما بالزواج، أما الفتيات فكن يتزوجن أيضا في سن 17 سنة أو أقل، اتقاء لتدنيس العرض، لأن الأسر كانت متمسكة بالشرف، وكان يطلق على المرأة التي لم تتزوج في سن مبكرة “البايرة”.
كانت الأم تقنع ابنها بالزواج، وبعد الاتفاق معه، تأتي مرحلة إقناع الأب، وهي من تتكلف باختيار العروس، ولا تكون هناك أي علاقة بين الزوجين، بل هناك من لا يرى وجه زوجته إلا في ليلة الزفاف. وبعد ذلك ترسل الأم ثلاث نساء أو اثنتين لجس النبض في بيت عائلة العروس، وإن وافقت الأسرة يشرعون في الاتفاق، أما إذا لم تكن لهم رغبة في تزويجها، يردون بعبارات غاية في الأدب والاحترام.
بعد موافقة أسرة العروس، يحدد موعد الخطبة، التي من طقوسها جلب الزوج “خنشة” من السكر، وصندوق من الزيت وكيس من الدقيق، ويتم استقبالهم بالزغاريد والأهازيج، والمشروبات. في جلسة الخطوبة تستعرض الأسرتان محاسن ابنيهما، ليبدو مغريا للطرف الآخر ويظهر أنه قادر على تحمل مسؤولية البيت، كما أن المهر يحدد يوم الخطبة، ويناقشون جهاز العروس، الذي يتكون من الملابس، من قبيل القفطان “الدفينة” و”الجلابة” و”البلغة” والحلي والزنة وغيرها، وأما النفائس والذهب، فكانت العائلات الميسورة تقدم للعروس “مضمة” من الذهب، أو “ضبلون” أو “خيط الريح”، وهو عبارة عن شريط معبأ بـ 12 “لويزة”. في ليلة الزفاف، هناك طقس مهم جدا، رغم أن مساوئه أكثر من محاسنه، وهو ليلة “الدخلة”، ويكون بمثابة أول لقاء بين العروسين، وتتزين العروس لزوجها، وتضع خمارا وتلازم بيتها لا تخرج منه، فيما تكون الأسر والمدعوون يرقصون ويمرحون بالخارج، وأما الزوج فيكون رفقة أصدقائه المقربين، وينتدب منهم وزيرا، ويطلقون عليه لقب “مولاي السلطان”، ويرتدون الجلابيب البيضاء والطربوش الأحمر. في منتصف الليل يخرج الوزير مولاي السلطان للتبرك من عين “سيدي فاتح”، وتتبعه جحافل من الشباب، ويعود الوفد بعد التبرك والصلاة.
بعد سيدي فاتح يدخل العريس مباشرة إلى بيت زوجته، ويجدها جالسة مع امرأة كبيرة في السن، أمامها “صينية” الشاي والحلويات، وهي من تستقبل الزوج، وتمد جسور التواصل بين العروسين، وتحاول إضحاكهما لتذويب المسافات الفاصلة بينهما، وتأتي ساعة الحقيقة، حينما ترفع العجوز الخمار عن وجه الزوجة، وتكون تلك اللحظة الأولى التي يتعرف فيه الزوج على زوجته، وحينما تشعر أن الدهشة والخوف زالا عنهما، تغادر الغرفة، ويخيم جو من الصمت على العائلتين، ينتظران خروج الزواج حاملا سروالا أبيض منقطا بالدم، ويكون دليلا على شرف الزوجة وفحولة الزوج، لكن تقع الطامة الكبرى، في حال أصيب أحدهما بالبرود الجنسي أو غيره.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق