fbpx
بانوراما

ذاكرة المدينة القديمة بالبيضاء

تختزن المدينة العتيقة للبيضاء، مرحلة مهمة من التاريخ المعاصر للمغرب، إذ كانت بوابة الحضارة التي حملها الأوربيون والمستعمرون إلى المغرب، كما كانت رقعة جغرافية تجمع جنسيات متعددة وأديانا مختلفة. في هذه السلسلة من الحلقات، تبحر بكم “الصباح” رفقة حسن لعروس، صاحب كتاب “المدينة القديمة بالدار البيضاء…ذاكرة وتراث”، في تاريخ هذه القلعة المحصنة بالأسوار…

السينما والحلاقي الشعبية

الحلقة الثالثة
في فترة الحماية الفرنسية لم يكن للناس من فسحة للترفيه سوى السينما، وكانت قمة الفرجة إلى جانب الحلاقي الشعبية، التي كانت تنظم بـ”بوسبير القديم”، حيث كان سكان المدينة القديمة وما جاورها يتحلقون حول الحلقة. وأما السينما فكانت هناك قاعتان داخل سور المدينة القديمة، التي كانت تغلق أبوابها الستة مثل قرية صغيرة محصنة.
كانت القاعة تسمى “إمبيريال”، وتقع في الجانب الشرقي وخاصة بالفرنسيين في بداياتها، لأن تلك المنطقة كان يسيطر عليها الوجود الأوربي، إذ كانت تجمع قناصلة وتجارا وفنادق وغيرها، أما الجانب الغربي فكانت المنازل هشة وجزء منها يعتمد على القصب والخشب والبراريك، وكانت فيها أيضا قاعة للسينما أسسها يهودي يدعى “بين ياميين”، كان يلبس دائما زيا رسميا، وكان يقف بكل أناقة أمام باب القاعة.
بمجرد غروب الشمس تنتهي طقوس الحلقة، وتبدأ الفرجة والسينما، لكنها كانت مقتصرة على الشباب والكهول فقط، أما الأطفال فكانت الجدات يروين القصص والحكايات. وكان على السينما إقبال كبير جدا، خاصة أن صناعة السينما كانت في بداياتها.
كانت سينما “ميدينا” تعاني الاكتظاظ، وكان الناس يتزاحمون على التذاكر، وعلى أنغام التدافع والصياح وتبادل اللكمات، لكن في وقت متأخر علم “بن ياميين” أن تدافعا قويا يقع وقت الحصول على التذاكر، وأن البعض لا يتمكن من أخذ تذكرة الفيلم، ففكر في طريقة لإرساء النظام، إذ لجأ إلى شخصية تدعى “عبد القادر ولد فطومة”، وكان قويا وصنديدا ودائم الصياح.
جلب “بن ياميين” الشاب المدعو “ولد فطومة”، وكلفه بمهمة السهر على النظام أثناء بيع التذاكر، وكان يحمل حزاما طويلا ويطوف على طابور لأزيد من 30 مترا. وأما بالنسبة إلى نقطة بيع التذاكر، فكانت عبارة عن نافذة لا يظهر منها سوى وجه صاحب التذاكر، وفي الوقت نفسه تجد “ولد فطومة” يطوف على الطابور، وينهر ويضرب كل من أخل بالنظام أو حاول التجاوز، هناك من يبرحهم ضربا ويخرجهم من الطابور.
قبل بدء الشريط، يقوم “ولد فطومة” بجولاته، للتأكد من أن الجميع جالس في مكانه، وأن لا أحد يدخن، بعد ذلك تنطفئ الأضواء وتغلق النوافذ، وكان الناس يصفقون ويمرحون من كثرة الشوق والرغبة في الفرجة، وكان للسينما حينها تأثير كبير على نفسية وسلوك المتفرجين.
كانت السينما حينها في بداياتها، ومن بين الأفلام المشهورة حينها، نجد “طارزان” بالأبيض والأسود، يصور حياة الغابة مع الحيوانات، وكان المتفرجون معجبين بقدرات الممثل، وكيف أنه يرسي العدل وسط الغابة، ويقف في صف الحيوانات الضعيفة ضد الدخلاء، وكان هناك فيلم آخر يدعى “فار ويست” بالإضافة إلى “زورو” ، الذي كان يتشكل من 9 حلقات، كما كانت السنيما تبث أفلاما يهودية، من قبل “لاروز نوار”، بحكم أن مالك القاعة كان يهوديا. وكانت الأفلام الغربية تأتي من أمريكا، فيما تزودنا مصر بالأفلام الشرقية، من قبل شريط “دنانير” و”المعلم باح باح” و”أميرة الجزيرة” وغيرها.
ولم يكن مسموحا للنساء بزيارة السينما، إذ كانت المرأة لا تفارق بيتها، وإن خرجت ترتدي “الحيك” و”النقاب”، بل كان الأمر مقتصرا على الشباب والرجال. وكان العرض ينقطع بين الفينة والأخرى، بالنظر إلى هشاشة الشريط، وتتعالى أصوات وصفير المتفرجين، إلا أن “ولد فطومة” كان يصيح ويأمر بإنارة القاعة، قبل أن يمسك بحزامه ويشرع في تأديب المخالفين بالضرب والتهديد. وكان الشريط ينقطع أربع مرات قبل النهاية على الأقل، وأما إذا انقطع الشريط والعرض مشرف على النهاية، يصعد ولد فطومة إلى الخشبة، ويتحول إلى منشط وراو، إذ يسرد ما تبقى من القصة ومصير الشخصيات في المشاهد الأخيرة.
عصام الناصيري

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى