حوار

لبيلتة: الجمعيات الإسلاموية والمرتزقة دنسوا المخيمات

لبيلتة الإطار الوطني تحدث عن جمعيات صفراء تقتات على حساب الطفولة

يرى عبد الحميد لبيلتة، الإطار التربوي والباحث في قضايا الطفولة، أن التحولات وانتظارات الأطفال والشباب لم يواكبها قطاع التخييم بالمغرب، في غياب إستراتيجية واضحة لتطوير وتحديث القطاع، رغم جهود بعض الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة وآخرين كان همهم هو تعميق أزمة التخييم. في ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار:خالد العطاوي – تصوير: (عبد الرحمان المختاري)
< عرفت المخيمات تحولا كبيرا في السنين الأخيرة، هل تواكب الوزارة الوصية ذلك ؟
< بالفعل، عرفت المخيمات بالمغرب تحولات على مستوى الكم والكيف. ففي السنة الماضية تم تخليد مرور مائة سنة على تنظيم أول نشاط التخييم بالمغرب في 1918. وهي مساحة زمنية مهمة للوقوف على طبيعة وأدوار هذا النشاط التربوي الموجه لفائدة الأطفال واليافعين والشباب.
فعلى المستوى الكمي لم تواكب شبكة المخيمات، التي لم تتجاوز لحد الآن 39 مركزا بين الشاطئ والجبل، النمو الديمغرافي للفئات التي في سن التخييم. فبنية الاستقبال الحالية رغم هشاشة بعض المراكز، لا تستوعب أفواج المستفيدين عبر المراحل المقررة في خمس مراحل، مع تسجيل التقليص الزمني في مدة استفادة الطفل من العطلة التخييمية. إذ تقلصت المرحلة التخييمية من 21 يوما إلى 15 ثم إلى 12 يوما. وهذا التقليص راجع إلى محدودية شبكة و بنية الاستقبال والموارد البشرية التأطيرية المؤهلة.
منذ الاستقلال لم تتطور شبكة المخيمات الشاطئية إلا بنسبة ضعيفة، رغم توفر المغرب على 3500 كيلومتر من الشواطئ، الشيء نفسه بالنسبة إلى المخيمات الجبلية في الأطلس المتوسط والكبير. وأذكر أن بعض المراكز تم تفويتها، وأخرى لا تتوفر الوزارة الوصية على ملكية عقاراتها. وفي برنامج موسم 2019 أعلن وزير الشباب والرياضة عن إصدار 5 تراخيص جديدة لبناء فضاءات لاستقبال المستفيدين من هذا البرنامج الوطني.

< ألم تعرف المخيمات تطورا على مستوى الكيف؟
< أما على مستوى الكيف، وبعد المشاكل التي عرفتها شبكة التخييم من حيث السلامة الصحية وصعوبات الولوج والإنارة والماء الصالح للشرب والمرافق الصحية والرياضية والترفيهية، فقد أطلقت الوزارة منذ عقد من الزمن في إطار خطة إصلاح مراكز التخييم ما يسمى بالجيل الجديد للمخيمات الصيفية في بعض المراكز، خصوصا الشاطئية، مثل الحوزية وطماريس والغابة الدبلوماسية والسعيدية ونسبة ضعيفة في المناطق الجبلية، مثل ايموزار الجماعي وراس الماء .. والملفت والخطير أن هذا الجيل الجديد من المخيمات لا يتوفر على حمامات وآلات غسل الأغطية وقاعات الورشات….
إذن هناك تحولات وانتظارات وطموحات جديدة للأطفال والشباب لم يواكبها قطاع التخييم بالمغرب، في غياب إستراتيجية واضحة لتطوير وتحديث القطاع، رغم جهود بعض الوزراء الذين تعاقبوا على الوزارة وآخرين سامحهم الله كان همهم هو تعميق أزمة التخييم.

< تشتكي بعض الجمعيات من غياب معايير في تصنيفها وحصصها من المخيمات ألا يؤثر ذلك على اشتغالها؟
< بخصوص المعايير المعتمدة من قبل الوزارة والجامعة الوطنية للتخييم، فهي ترتكز أساسا على توفر الجمعية على أطر اجتازت درجات التدريب الخاص بالمخيمات من التحضير والتكوين ودبلوم مدرب ومدير مخيم، وأن تكون الجمعية في وضعية قانونية وأن يتوفر قانونها الأساسي على تنظيم نشاط التخييم…
غير أن هذه المعايير لا تتوفر عليها العديد من الجمعيات خصوصا "جمعيات" لها قرابة بالمستشارين المحليين و"جمعيات" ترتزق من هذا النشاط التخييمي، دون مراعاة معايير الوزارة، فتتم التغطية عليها في ضرب سافر للعمل التربوي.
ورغم التقارير التي يعدها رؤساء المراكز التخييمية في شأن العديد من السلوكات اللاتربوية والإدارية التي تقوم بها هذه "الجمعيات" المرتزقة، إلا أنها يكون مصيرها الإهمال أو التغطية عليها لأسباب يعرفها بعض المسؤولين للأسف، مما يؤثر سلبا على الجمعيات الجادة والتربوية، ويشوه صورة التخييم عند بعض الأسر والرأي العام.

< إذن هناك فوضى في قطاع التخييم؟
< طبعا، رغم جهود الوزارة بتنسيق مع الجامعة لتنظيم قطاع التخييم، غير أن نسقية الفساد العامة امتدت بدورها إلى هذا القطاع التربوي. لكن كما قلت سابقا هناك لوبيات تشجع على ذلك. فبعض مرتزقة التخييم يحولون هذا النشاط التربوي إلى سوق للبيع والشراء. لذلك أكدت ضرورة وضع دفتر تحملات تعاقدي يؤسس للشفافية والمحاسبة، خصوصا أن هذا برنامج وطني للحكومة ممثلة في وزارة الشباب والرياضة وتتدخل فيه بطريقة غير مباشرة قطاعات حكومية أخرى، مثل التجهيز والنقل والداخلية والصحة والمياه والغابات.. ويندرج في إطار السياسات العمومية الخاصة بالطفولة والشباب.

< هل هناك استغلال "سياسي" لقضايا التخييم ؟
< المخيم كما تعاقدنا عليه باعتبارنا فاعلين تربويين، هو مؤسسة تربوية تساهم في عملية التنشئة الاجتماعية من خلال الانشطة التربوية والثقافية والترفيهية. إذن هذا الفضاء لتدعيم التربية غير النظامية في بناء شخصية الاطفال والشباب وتكوينهم على القيم والمواطنة.
هذا الأفق التربوي تكسر في السنين الأخيرة بفعل تكاثر جمعيات تدعي اهتمامها بالتربية وبالتخييم، وهي من خلال ممارستها تستغل فعلا المخيمات لأغراض انتخابية وسياسية. فحزب معين أسس في العقد الأخير العديد من الجمعيات الوطنية والمحلية والكشفية ويستفيد بطريقة غير مباشرة عن طريق هذه الجمعيات التابعة له كل صيف ما يفوق 50 ألف مستفيد.

لوبيات تستغل القطاع انتخابيا

< يتحدث بعض الجمعويين عن ظهور تجار المخيمات الصيفية؟
< صحيح هناك مرتزقة وتجار المخيمات الصيفية يستفيدون من التخييم. وأغلبهم معروف لدى الجمعيات الوطنية ولدى بعض مسؤولي الوزارة والجامعة، أي هناك فساد وريع والسؤال من يشجع على تنامي هذه الكائنات؟
وسبق لي أن حضرت في لقاءات مع بعض الوزراء السابقين والوزير الحالي، يؤكدون أن الوزارة تعمل جاهدة على إبعاد هذه الطفيليات من قطاع التخييم. وأكد الوزير الحالي في ندوة تقديم العرض الوطني 2019 ضرورة "منع أسلوب الاسترزاق لمن لا يحترمون القانون"، لأن هناك لوبيات تعمل في السر والعلن لتمييع واستغلال هذا القطاع. والأفظع أن جزءا من هذه اللوبيات يستغل هذا النشاط التخييمي خلفية انتخابية.

تلاعب في الكوطا
< من بين الاختلالات منح رخصة القبول لجمعيات تلاعبت في عدد المستفيدين ومناطق توزيعهم، كيف تفسر الأمر؟
< مسألة التلاعب، تقع بتحويل المقاعد من جمعية الى جمعية أخرى من الكوطا التي لا تغطيها مراكز الوزارة، أي في المؤسسات الخاصة. وهذا ما ذكرته في سؤالك السابق عن تجار المخيمات. أما تجربة تفويت منح التغذية إلى ممون هي تجربة مهمة أعفت الجمعيات من تكاليف شراء ونقل تجهيزات المطبخ والمطعم وتكاليف القائمين على المطبخ من طباخين ومساعدين. غير أن هذه التجربة ونظرا لأهميتها في الحد من التلاعب في منح التغذية من قبل ذوي ضعاف النفوس والسماسرة، فهي مازالت في إطار التجريب وتضيع معها حقوق الأطفال في تغذية متوازنة، علما أن منحة التغذية المخصصة للأطفال واليافعين والشباب لا تساير الزيادات المتسارعة في الأسعار.

جمعيات تستغل فقر الأسر
< يتحدث بعضهم عن أن قطاع التخييم في عهد الوزير محمد الكحص شكل تحولا كبيرا؟
< في عهد الوزير محمد الكحص عرف القطاع سن برنامج "عطلة للجميع" وانتقال الاستفادة من 50 ألفا إلى 100 ألف، والانفتاح على المؤسسة التعليمية لسد الخصاص في مراكز الوزارة. وفعلا مع هذا الوزير انفتح هذا القطاع على الإعلام من خلال الوصلات الإشهارية للبرنامج، والزيادة في عدد المستفيدين، وأصبح هذا البرنامج يجد صدى له داخل مجالس الحكومة والبرلمان. وهذا يحسب لتجربة الوزير محمد الكحص. وساعده في ذلك مجموعة من الأطر المشهود لها في القطاع وكذلك فصل قطاع الشباب عن الرياضة، لأن الوزراء السابقين كانوا "يغرقون" في قطاع الرياضة على حساب الشباب، وتصبح الوزارة مثل "الغراب الذي فقد مشيته لا هو قلد مشية الحمامة ولا هو احتفظ بمشيته". وللتاريخ مر وزراء كانت لهم رغبة وإرادة في دعم قطاع التخييم، لكن شروط وسياق الحكومات السابقة لم تساعدهم، كالوزير عبد الله بلقزيز.
إذن التجربة التي رسمها الوزير محمد الكحص، هي المتبعة حاليا، مع فارق الزيادة في اعتمادات هذا البرنامج والانتقال من 100 ألف إلى 250 ألفا وادخال الجيل الجديد من المخيمات .
أما الوزير الحالي الطالبي العلمي فبصمته الحالية، تتجلى في مساهمته في تقنين عمليات الصفقات، التي كانت مجالا آخر للفساد والريع، أتمنى أن يتوفق في ضبط شفافية عروض صفقات التغذية والتجهيزات وإصلاح البنيات التحتية ومحاربة تجار المخيمات من الجمعيات المرتزقة.

< التخييم يتعلق بنوع التأطير الذي يتلقاه الطفل، كيف ترى تكوين المؤطرين؟
< منذ عقود تترافع الجمعيات الجادة من خلال قوتها الاقتراحية من أجل تجويد عملية التأطير ومراجعة مضامينه، حتى تساير الوضعيات والتحولات لدى الطفل المغربي. فالتكوين في مجال التخييم لا يخرج عن دعامات معرفية نظرية وتطبيقية ضمن خطة بيداغوجية مندمجة، للتجاوب مع حاجيات الطفل النفسية والحس حركية والعقلية والمهاراتية والاجتماعية لبناء شخصية متوازنة ومندمجة في مجتمع المخيم بصفة خاصة، والمجتمع بصفة عامة. وكل هذه العمليات تتم في المخيم عن طريق تقنيات تنشيطية تتلاءم مع الفئة العمرية المستهدفة. ولهذا على الأطر التربوية العاملة في قطاع التخييم أن تساهم في اعداد المشروع التربوي والتخطيط البيداغوجي للبرامج التنشيطية .

مخيمات تحولت إلى زاوية للأذكار

< هل هناك مراقبة حقيقية لنوعية التأطير، فجمعيات تابعة لأحزاب "إسلامية" لا تمتثل إطلاقا للتكوين الرسمي في أنشطتها؟
< طبعا، تشكل الوزارة والجامعة لجنا للمتابعة ومراقبة سير المخيمات، إضافة إلى رؤساء المخيمات المكلفين بمراكز التخييم والفرق التربوية المساعدة لهم.
للأسف هناك ظاهرة قديمة تتمثل في عملية التهريج والبهرجة التي تمارسها جمعيات صفراء، وكانت في الأغلب محدثة من قبل أحزاب إدارية لا مشروع تربوي لها ولا أطر كفؤة. والظاهرة الجديدة هي الجمعيات التابعة لتيارات سياسية " إسلامية" لا تلتزم بأهداف المخيم التربوي، ويتم تسجيل سلوكات غير تربوية لا تحترم وظيفة المخيم، ويصبح المخيم زاوية للأذكار وطقوس التدين المجاني، علما أن الأطفال غير مكلفين شرعيا لإجبارهم على صلاة الفجر الجماعية، وهم لم يلتحقوا بمراقدهم إلا في ساعات متأخرة، وهذا على سبيل المثال، فالقانون الداخلي للمخيم ينص على استفادة الطفل من 8 ساعات على الأقل للراحة والنوم.
فالسلوكات التهريجية والمائعة والسلوكات ذات الحس التديني المتخلف هي ممارسة لا تنسجم مع روح وأهداف ووظيفة المخيم، فتنمية مقومات الروح الدينية مقبولة ضمن بيداغوجية تربوية من خلال اللعب والمسرح وتقنيات تنشيطية، وليس تحويل هذه العبادات الى برنامج خاص، عوض إدراجها في أوقات لا تؤثر على البرنامج العام.
وبخصوص المراقبة، فالمناخ العام السياسي يجعل العديد من رؤساء المخيمات لا ينبهون مثل هذه الجمعيات لهذه السلوكات الدخيلة على المشروع التربوي للمخيمات، أو إعداد تقارير في شأنها.

في سطور
– من مواليد 1965
– متزوج وله ثلاثة أولاد
– استاذ بمراكش
– شارك في لقاءات دولية حول قضايا الشباب ببلجيكا وفرنسا والبرتغال
– شارك في المؤتمر الدولي حول البيئة بتونس
– له دراسات متعددة حول "اللسانيات ولغة الشباب"
– مدير سابق لمجلة الشعلة للتربية والثقافة
-رئيس منتدى تانسيفت الجهوي لحقوق الطفل
– رئيس سابق لجمعية الشعلة للتربية والثقافة
– عضو سابق في اللجنة الوطنية للتخييم
– أطر العديد من الندوات حول واقع التخييم والمخيمات بالمغرب

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض