خاص

قانون الإضراب … الانقلاب على الشرعية

خبراء: المشروع لم يخضع للتفاوض ويتناقض مع مقتضيات منظمة العمل الدولية

أجمع المشاركون في اليوم الدراسي الذي نظمته الكنفدرالية الديمقراطية للشغل، حول مشروع قانون الإضراب على ضرورة إعادة النظر في المشروع الذي أطلقت الحكومة المشاورات بشأنه مع أطراف الشغل، لتجاوز التناقضات التي تطبع مضامينه سواء مع مدونة الشغل، أو مع الاتفاقيات الدولية التي تنص عليها منظمة العمل الدولية.
وأكد مسؤولو الكنفدرالية أن المشروع الحكومي أدخل مفاهيم دخيلة على عالم الشغل، من قبيل التشاور، في الوقت التي تؤكد منظمة العمل الدولية على مبدأ الحوار الاجتماعي والتفاوض الثلاثي الأطراف، مع اعتماد اتفاقية 87 مرجعا في أي تشريع للإضراب.

الزاير: الشارع هو الفيصل

أكد عبد القادر الزاير، الكاتب العام للكنفدرالية الديمقراطية للشغل، أن الحكومة تسعى من خلال الانفراد بمشروع قانون الإضراب إلى فرض الأمر الواقع، ومحاولة تمريره من خلال البرلمان، دون أن يحظى بتوافق أطراف الشغل.
واستغرب الزاير كيف أن الحكومة لم تعتمد المنهجية التي سلكتها الحكومات السابقة عند طرح مشروع مدونة الشغل، والتي تم إعدادها بشكل جماعي والتوافق على مضامينها قبل عرضها على البرلمان، وهو ما سهل المصادقة عليها، وتطبيقها على أرض الواقع، مؤكدا أن الأمر يتعلق بقانون اجتماعي يكتسي أهمية كبرى، ومنصوص عليه في الدستور.
و أكد الزاير تشبث الكنفدرالية بالتفاوض من أجل التوصل إلى مشروع متوافق عليه بين أطراف الشغل، معتبرا أن إصرار الحكومة على تمريره “حكرة للنضال العمالي”، وستواجهه الطبقة العاملة بكل الوسائل، معلنا عن إطلاق الحوار من أجل إعداد مشروع بديل يقوم على صياغة مشروع بمفاهيم قانونية تضمن ممارسة حق الإضراب. وقال إذا أصرت الحكومة على تمرير المشروع كما هو ، فموعدنا الشارع، والذي يمثل خير داعم من أجل فرض احترام حقوق الشغيلة”.

الشرقاني: مشروع التناقضات
تساءل محمد الشرقاني الباحث الجامعي عن مدى دستورية مشروع القانون الحالي، باعتباره قانونا تنظيميا سيخضع لمراقبة من قبل المحكمة الدستورية، مشيرا إلى أن دستور 2011 نص على صدور القوانين التنظيمية خلال الولاية التشريعية الأولى، والحال أن مشروع قانون الإضراب لم يطرح إلا خلال الولاية الثانية، مشيرا إلى تعدد المشاريع والمسودات منذ 2003 إلى مشروع 2016 .
وتوقف المحامي والمتخصص في قانون الإضراب عند المقتضيات التي تقلص من حق ممارسة الإضراب في المشروع، مشيرا إلى أن العديد من النصوص والمواد تسعى في العمق إلى ضرب حق الإضراب، من خلال منع عدة أشكال من الإضراب من قبيل الإضراب الدائر أو التضامني أو الإضراب بالتناوب، والنية المبيتة وراء طول مدة الإخطار بالإضراب، وتوسيع مجال ممارسة الإضراب في مقرات العمل لتشمل حتى الطرق المؤدية إلى مكان العمل، أو اعتماد مفاهيم فضفاضة من قبيل الخدمة الدنيا والمرافق الحيوية والخدمات الأساسية في حدودها الدنيا.
كما قدم الشرقاني بعض المقتضيات التي اعتبرها متناقضة مع مقتضيات الدستور، مؤكدا أن المغرب تورط في تخصيص قانون تنظيمي للإضراب عوض قانون عاد، ناهيك عن أن المشروع جمع بين القطاعين العام والخاص، ما ترك الكثير من الغموض، بالإضافة إلى عدم الإشارة إلى عدد من المهن.

القري: غياب التوافق

أكد القري يوسفي، الأستاذ الجامعي بمكناس أنه رغم غياب قانون للإضراب، فإن العديد من العمال يحاكمون ويطردون بتهم عرقلة حرية العمل أو ارتكاب خطأ جسيم، اعتمادا على اجتهادات قضائية، مؤكدا معارضته لتطبيق القانون الجنائي في نزاعات الشغل.
وأوضح القري أن مشروع 2015 كان صالحا لأن يشكل أرضية للنقاش بين أطراف الشغل، لاعتماده على المقتضيات الدولية التي تنص عليها منظمة العمل الدولية، مشيرا إلى أن الإضراب ظاهرة سوسيولوجية، قبل أن يكون ظاهرة قانونية، وبالتالي فمهما كانت قساوة القانون، فإنه لن يلغي الحق في الإضراب والمطالبة بالحقوق.
ودعا القري إلى اعتماد ثلاثية التوافق والاستشارة والحوار، من أجل التوصل إلى مشروع متوافق عليه، مشيرا إلى أن المشروع الحالي لم يخضع للاستشارة والتفاوض، وهو بالتالي مشروع انفرادي مرفوض بمعايير منظمة العمل الدولية.
واستعرض القري بعضا من الثغرات التي يتضمنها المشروع وتقييده لحق الإضراب، من خلال منع الإضراب السياسي، مشيرا إلى أن من حق العمال الاحتجاج على السياسات العمومية أو سياسة البنك الدولي أو سياسة التقاعد، مؤكدا أن منظمة العمل سترفض المشروع الحالي، الذي يستغل عامل الزمن لتكسير الإضراب، مشيرا إلى أن اشتراط ثلاثة أرباع العمال وتوقيعاتهم، يعتبر شرطا تعجيزيا هدفه إفشال الإضراب، ناهيك عن أن التنصيص على الإدلاء بأسماء المضربين وأرقام بطاقاتهم الوطنية ومعطيات عائلاتهم ومدها للمشغل يعتبر مسا بالحق في حماية المعطيات الشخصية، وتهديدا لحرية العمل النقابي.

لعتيقي: مشروع انفعالي

أكد عبد العزيز لعتيقي، الأستاذ الجامعي أن المشروع الحالي طرح بالطريقة نفسها التي اعتمدت في إعداد مدونة الشغل في 1993، قبل أن تضطر الحكومة إلى سحب المشروع، والعودة تحت ضغط الكنفدرالية الديمقراطية للشغل التي نقلت النزاع الى منظمة العمل الدولية، وتعيده إلى التفاوض الثلاثي.
وأوضح المحامي والخبير في قانون الشغل أن المشروع الحالي طرح في جو اجتماعي مشحون عطلت فيه آلية التفاوض، وفي سياق يشهد بلقنة المشهد النقابي وتراجع عدد المنتمين إلى النقابات.
وأوضح عتيقي أن سلوك الحكومة الحالي ليس معزولا، إذ سبق تمرير قوانين اجتماعية مثل قانون حوادث الشغل بطريقة متسرعة، أو قانون العمال المنزليين، خارج منطق التوافق المطلوب في مثل هذه القوانين الاجتماعية.
وتوقف الأستاذ الجامعي عند أهمية اعتماد المرجعية الدولية في وضع مشروع القانون، مشيرا إلى ضرورة الإقرار بالتفاوض والرقي به إلى الدرجة الدستورية، مؤكدا ارتباط ممارسة حق الإضراب بالحريات العامة، مع ضرورة استلهام المرجعية الدولية للترافع حول مشروع قانون الإضراب. وخلص عتيقي إلا أن المشروع الحالي انفعالي صيغ بمنطق رد الفعل في مواجهة موجة الإضرابات، مشيرا إلى أنه ليس هناك قانون في العالم يبدأ في بابه الأول بالزجر، وكأنه يعبر عن نية مبيتة منذ البداية لتقييد حرية الإضراب، مؤكدا أن الخوف كل الخوف هو أن يؤدي تقييد حرية ممارسة الإضراب إلى عدم التنظيم، وتشجيع التعبيرات غير المنظمة خارج النقابات.
وخلص عتيقي إلى أن تقييد المشروع لحق الإضراب لن يوقف الإضرابات، وربما سيزيد من حدتها وستتزايد الاحتجاجات من خارج المنظمات النقابية، مؤكدا على أهمية التفاوض، باعتباره المدخل الأساسي لتحقيق توافق حول المشروع قبل عرضه على البرلمان.

بوهرو: 40% من العمال محرومون

أكد أحمد بوهرو، مدير الشغل بوزارة التشغيل سابقا أن الإضراب لا يمكن ضبطه بالقانون فقط، مشيرا إلى أن المشروع الحالي لا يشمل العديد من المهن مثل عمال المناجم والخدمات الحرة، ما يعني أن 40 في المائة محرومون من الحق في الإضراب، مطالبا بوضع تعريف شامل يتسع لجميع الموظفين والأجراء وأصحاب المهن الحرة.
كما انتقد عدم إشارة المشروع إلى إضراب المشغل، مقدما حالة إضراب أرباب المخابز والطاكسيات والصيدليات وأرباب محطات الوقود، متسائلا هل سيطبق عليهم قانون لا يشير إليهم بوضوح.
وأوضح الخبير في قانون الشغل أن كل تجاوز للشروط وكيفية ممارسة الحق في الإضراب، يعتبر عملا غير دستوري، مشيرا إلى عدد من الالتباسات بين المشروع ومدونة الشغل، بخصوص تحديد الجهات الداعية إلى الإضراب، مطالبا بحذف الحديث عن الإضراب السياسي من المشروع، وعدم التمييز بين مختلف أشكال الإضراب. وأكد أن اشتراط توقيع ثلاثة أرباع من العمال قبل خوض الإضراب، مبالغ فيه ويعتبر عرقلة غير مباشرة لحرية ممارسة الإضراب، مطالبا بتوفير ضمانات تعويض للفئات الممنوعة من ممارسة حقها في الإضراب، مثل القيمين الدينيين، أو موظفي إدارة السجون، مطالبا بوضع آلية خاصة
وأوضح بوهرو أنه يصعب تقنين الإضراب، بسبب غياب أي اتفاقية دولية خاصة به، مشيرا إلى أن العديد من المواد التي تحدد شروط ممارسته قابلة للتأويل الضيق والواسع في آن واحد.

فصول قاتلة
حسب الفصل 29 من الدستور، فإن “حريات الاجتماع والتجمهر والتظاهر السلمي، وتأسيس الجمعيات، والانتماء النقابي والسياسي مضمونة”.
ويحدد القانون شروط ممارسة هذه الحريات، حق الإضراب مضمون، ويحدد قانون تنظيمي شروط وكيفيات ممارسته.
فيما مشروع القانون الإضراب يتكون من 49 بندا، وينص في المادة 5 على أن “كل دعوة إلى الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون التنظيمي تعتبر باطلة، كما يعتبر كل إضراب لأهداف سياسية ممنوعا
ويوجب مشروع القانون حسب المادة 7 منه، إجراء مفاوضات بشأن الملف المطلبي للعمّال قبل خوض الإضراب، قصد البحث عن حلول، ويضيف أنه في حال تعذر المفاوضات أو فشلها يتعين بذل جميع المساعي اللازمة لمحاولة التصالح بين الطرفين.
أما في حالة الإضراب فيمنع على المضربين حسب المادة 13، عرقلة حرية العمل خلال مدة سريان الإضراب، ويمنع عليهم احتلال أماكن العمل أو مداخلها أو الطرق المؤدية إليها.
كما يعتبر مشروع القانون العمال المشاركين في الإضراب حال توقف مؤقت عن العمل خلال مدة إضرابهم أنه “لا يمكنهم الاستفادة من الأجر عن مدة إضرابهم”.
ويمنع حسب المادة 23، بعد إنهاء الإضراب أو إلغائه بمقتضى اتفاق بين الأطراف المعنية؛ اتخاذ قرار إضراب جديد دفاعا عن المطالب نفسها، إلا بعد مرور سنة على الأقل.
وحسب المادة 26 فيمكن لصاحب العمل حال ممارسة الإضراب خلافا لأحكام هذا القانون أن يطالب بالتعويض عن الخسائر والأضرار التي لحقت بالمقاولة.

إعداد: برحو بوزياني- تصوير (عبد اللطيف مفيق)

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض