حوارمنبر

المختاري: العلم يعرفنا أفضل على الكون

نجيب المختاري قال إن الإيمان بالخرافة ينتشر في المجتمعات ذات التعليم الرديء

قال نجيب المختاري إن الإيمان بالسحر والخرافة ينتشر في المجتمعات ذات التعليم الرديء. وأضاف الباحث في الرياضيات والفيزياء ومهندس الاتصالات والتكنولوجيا الرقمية أن المنهج العلمي يتيح تعرفا أفضل على الكون وكيفية اشتغاله، وأشار صاحب سلسلة برامج لتبسيط العلوم على “يوتوب” إلى أن العديد من المعتقدات الخرافية يتم بناؤها حول نصوص من كتب التراث الديني، وشدد الباحث الشاب على أنه ليس بالضرورة أن يكون المرء مسلما ومؤمنا بالخرافة في الآن نفسه.

< بماذا يمكن تفسير النفوذ الذي ما زال يحظى به السحر في مجتمعنا؟
< إذا نظرنا إلى خريطة العالم وإلى تاريخ البشرية نجد أن الاعتقاد بتأثير السحر على العالم الملموس ينتشر في المجتمعات ذات التعليم الرديء. في إفريقيا جنوب الصحراء مثلا أو المناطق الفقيرة في آسيا نجد انتشارا واسعا للاعتقاد بتأثير الأشباح أو دمى الڤودو أو السحر الأسود. بينما في المجتمعات التي تحظى بتعليم جيد نجد أن الأعداد أقل بكثير. التعليم الجيد ينشر في المجتمعات أمرين مهمين: أولا التعرف الأفضل على الكون وكيفية اشتغاله. مثلا الشخص الذي سبق وتعرف على مرض الصَرَع في المدرسة وفهم أنه مرض عصبي وأدرك كيفية اشتغاله وفهم كيف تقوم السيالة العصبية بالتأثير في العضلات حتى تحدث تشنّجات الصرع، والشخص الذي فهم كيفية التعامل مع الصرع وكيفية علاجه لن يكون ضحية سهلة لمشعوذ، يريد أن يسوّق له أن عمّته المصابة بالصَرَع هي مسكونة بأرواح شريرة تغضب وتجعلها تنتفض. الشخص الذي درس عن حالة التشنج المهبلي أو Vaginisme سيدرك جيدا أن الأمر هو حالة عصبية معروفة في كتب الطب ولها أسباب عصبية ونفسية ولا علاقة له ب"التقاف" أو التأثير على البشر عن بعد.
المسألة الثانية وهي في نظري الأهم، التعليم الجيد ينشر في المجتمع المنهج العلمي وطريقة التفكير النقدي. المثير عندنا أن في موروثنا الحضاري بعضا من أعظم المؤسسين لهذا الفكر النقدي، نجد مثلا مقولة لابن الهيثم: "على الباحث عن الحقيقة أن يضع نفسه خصما لكل ما ينظر إليه". كم ستتغير مجتمعاتنا إذا طبقنا هاته المقولة. تطبيقها المقولة هو أنه إذا قال لك أحدهم "لقد سمعت أنهم يقولون إن جارتنا بدأت تتكلم الألمانية بطلاقة رغم أنها لم تتعلمها أبدا" فالأحرى بمن يتحلّى بملكة التفكير النقدي أن يتحرّى الأمر مباشرة وأن يطلب لقاء هاته الجارة ويسجّل كلامها ويعرضه على ناطق بالألمانية، حتى يتأكد من أن المصابة تتحدث فعلا بالألمانية، وأن المسكينة لا تردد فقط بركاكة كلمتين سمعتهما في قناة فضائية بفعل مرضها العصبي أو النفسي.
الحريّ بنظامنا التعليمي أن ينمي عندنا ملكات نقدية مثل هاته، وهي في نظري أكثر الأسلحة فتكا بالخرافة.

< هناك ربط عضوي ما بين الاعتقاد في السحر والدين.. ما سبب ذلك؟
< لستُ خبيرا في الشؤون الدينية ولكن تجد أحيانا كثيرة أن العديد من المعتقدات الخرافية يتم بناؤها حول نصوص من كتب التراث الديني. الرقية والمس والجن والعين هي أمثلة. ولكن في المغرب، الأمر لا يرجع دائما للكتب الدينية، إذ أن الكثير من المعتقدات الخرافية المحلية تتحدر من معتقدات وثنية قديمة سابقة لدخول الديانات التوحيدية للمغرب، أو روافد من إفريقيا جنوب الصحراء. يجب علينا بناء منظور صلب ومتناغم حول سؤال مركزي وهو سؤال تقاطع العلم والدين. هناك مقالة شهيرة لابن رشد يقول فيها ما مفاده بأنه إذا كنا أمام ظاهرة طبيعية الظاهر فيها هو تعارض بين ظاهر النص الديني وبين العلم التجريبي أو المنطقي، فيجب الأخذ بما يقوله العلم الطبيعي وتأويل النص الديني حتى يوافق العلم الطبيعي. فالأسبقية عند ابن رشد في تفسير الكون الملموس هي للعلم الطبيعي.
في موضوع السحر والجن يجب كذلك التمييز بين الاعتقاد الديني الحميمي بوجود الجن وبين ادعاء أن الجن يؤثر مباشرة في الكراسي فيحركها أو في الأورام فيكبُّرها. يمكن للإنسان أن يكون متدينا مؤمنا بوجود الجن، دون أن يعزو انتفاخ وجه ابنته بالضرورة لكائنات عاقلة لا مرئية سكنت وجهها.

< هل هناك تعارض بين عدم الاعتقاد بالسحر والدين؟
< هناك من يحاول تصوير المؤمن أو المتدين على أنه ذلك الشخص الساذج الخرافي الذي يصدق أي شيء دون تمحيص. لا أعتقد أن هذا يجب أن يكون حتمية. سأعطي مثالا. لنتخيل أن هناك شخصين في غرفة ذات إضاءة خافتة ليلا. ولنتصور أن هناك كرسيا في الغرفة وأن الكرسي تحرك فجأة من مكانه. هناك من يريد أن يصور لنا أن الشخص الذي يقول "ها! إنه الجنّ الذي حرّك الكرسي" هو أكثر تدينا وإيمانا من الذي قال "انتظر لحظة، ربما هناك تيار هوائي في الغرفة أو ربما أحد أرجل الكرسي انكسر، لنذهب ونتحقق".
نجد هذا في نقاشاتنا في المجتمع، مثلا عندما يروي أحدهم أنه رأى بأم عينيه "باب السماء" تنفتح في إحدى ليالي رمضان، وإذا قام أحدهم باقتراح تفسير علمي للأمر، تجد الحاضرين يهاجمون صاحب التفسير العلمي على أن "إيمانه ضعيف". أرى أن هذا إساءة للدين نفسه. أعتقد أن مجتمعنا عليه أن يتقدم بكافة أطيافه نحو عقل نقدي سليم، بما فيه التيارات الدينية في المجتمع. نحتاج إلى رجال ونساء دين وخطباء منابر متشبعين بالحس النقدي، حتى نتقدم جميعا.

< هل يمكن التمييز في رفض السحر بين اعتباره فعلا قبيحا وشرا، وبين الاعتقاد بفعاليته وجدواه؟
< هناك العديد من الممارسات المرتبطة بالسحر والشعوذة في المغرب التي ليست فقط شريرة، ولكنها انتهاكات صارخة للقانون ويجب أن تزج بفاعلها في السجن. مثلا هناك من المشعوذين من يقوم بتعذيب الحيوانات وتخييط فم قطة لا حول لها ولا قوة، وهو أمر مقيت اخلاقيا وممنوع قانونيا. هناك من المجرمين من يمارس ما يسمى "التوكال" وهو عبارة عن استعمال مواد سامة تصيب الجهاز العصبي من أجل تسميم ضحية ما أو إصابتها بهلوسات سمعية أو بصرية. وهناك من يبحث عن كنوز مزعومة عن طريق جرح يد طفل مسكين لإراقة دمه فوق بقعة من التراب.
تخييط فم القطط بكل تأكيد ليس هو ما سيجلب لك الحبيب، ولكن في حال تورطك في ممارسات مثل هاته، أعتقد أنه يجب الزج بك في السجن.
إذا كان السجن ضرورة عاجلة قصيرة الأمد لمعاقبة من يمارس التسميم والتعذيب، فمن ناحية أخرى، الحل الحقيقي البعيد الأمد للظاهرة هو أن ننشر المنهج العلمي والتفكير النقدي. كلما زاد فهمنا للكون وفهمنا للعلم وكيفية اشتغاله، كلما انكمشت رقعة الخرافة والشعوذة.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض