fbpx
خاص

طانطان … مدينة آيلة للسقوط

البطالة قدر شبابها وضعف البنيات التحتية وانعدام مشاريع تنموية ملفات بقيت مستعصية على الحل

تقع طانطان على أعتاب الصحراء المغربية، ويبلغ عدد سكانها 80 ألف نسمة، وتنتمي إلى جهة كلميم واد نون في إطار التقسيم الجهوي الجديد الذي اعتمده المغرب. صنفت في 2004 من قبل منظمة اليونسكو موقعا للتراث العالمي. يتشكل المجلس الجماعي لطانطان من عمر أبركى رئيسا، الذي ينتمي إلى حزب الأصالة والمعاصرة، وماء العينين اعبيد نائبه الأول الذي يمثل حزب العدالة والتنمية، ومولود مناض، نائبه الثاني من الأصالة والمعاصرة وعبد المغيت شوطي، نائبه الثالث (العدالة والتنمية) ومحمد الإمام لغفيري، النائب الرابع (الأصالة والمعاصرة) ومحمد شرفي، نائبه الخامس (العدالة والتنمية).

إنجاز : محمد بها – تصوير : عبد اللطيف مفيق (موفدا “الصباح” إلى طانطان)

في الوقت الذي تعيش خلاله مختلف مدن الصحراء المغربية على إيقاع الأوراش الكبرى والمشاريع التنموية الاقتصادية والاجتماعية، ما تزال طانطان تعيش مظاهر التخلف في مختلف القطاعات وهو ما جعلها خارج مواكبة الدينامية التي أطلقها الملك لتطوير الحواضر والقرى بمختلف جهات المملكة.
“ليس من سمع كمن رأى” مقولة يحق استحضارها لتسليط الضوء على ضعف البنية التحتية والخدمات الصحية لطانطان، فزائر هذه المدينة الصحراوية لا بد أن يقف على فقدانها لأبسط مقومات العيش الكريم، من بينها قنوات الصرف الصحي عبر الأحياء وقنوات المياه الصالحة للشرب وتوفير مواد التطهير بصفة دائمة والمعالجة المستمرة لجميع خزانات ونقاط الماء الموجودة عبر أحياء المنطقة، بل هناك أحياء قدر سكانها الاختيار بين العيش في زمن القرون الوسطى بالإضاءة بالشموع أو قضاء لياليهم وسط الظلام الدامس.

كارثة بيئية
وأنت تتجول بأحياء طانطان للتأكد من صورة البؤس التي تعيش فيها المنطقة، لا بد أن تشاهد انتشار مطارح عشوائية يتم فيها تفريغ مختلف أنواع النفايات المنزلية وكذا الصناعية، وهو ما جعل الروائح النتنة تزكم أنوف السكان المجاورين أو زوار المدينة، وليس هذا فحسب فخلال تجمع الأزبال يتم حرقها للتخلص منها وهو ما يجعل المنطقة تستنشق هواء ملوثا ينذر بكارثة بيئية.

طرق متردية
أغلب وضعيات شبكة الطرقات الحضرية توجد في حالة متردية غير صالحة للاستعمال، إذ تظل غير معبدة و تحتاج إلى تزفيت، وتتحول إلى برك وأوحال عند تساقط الأمطار أو إلى شقوق وحفر بسبب عدم تجديد إصلاحها، الأمر الذي يجعل السكان يجدون صعوبة كبيرة في التنقل من وإلى مقرات سكنهم أثناء خروجهم لقضاء حوائجهم.

مشاريع موقوفة التنفيذ
من بين المشاريع التي لم تخرج إلى الوجود بعد، مصانع تتلاءم والتكوين المهني الذي تلقاه شباب المدينة وتمكنهم من الولوج إلى الشغل، حتى لا يسقطوا في مستنقع المخدرات والانحراف بمختلف أنواعه.
وأجمع عدد من سكان طانطان أنه على أن المسؤولين مطالبون بوضع مخطط استعجالي يصحح الاختلالات التي تعيش على وقعها المدينة، ويقوم بتحسين مستوى عيش سكانها حتى ينعكس ذلك على الشباب والأسر، لإنقاذ ما يمكن إنقاذه للنهوض بالمدينة، حتى يتم تصحيح الصورة السوداوية التي كونها الطانطاويون عن مدينتهم.
تمنى سكان المدينة إيفاد لجنة من وزارة الداخلية للتحقيق في الخروقات التي يعرفها تسيير شؤون المنطقة، متمنين أن تحظى المدينة بزيارة ملكية من أجل إخراج المنطقة من مستنقع الفوضى والبؤس.

حدائق للأشباح
قدر سكان طانطان ألا يستفيدوا من حدائق في المستوى، كباقي سكان المدن الأخرى، إذ أدى إهمال بعض الحدائق بها، وعدم إخضاعها للتنظيم والمراقبة من قبيل بستنتها وتخصيص حارس خاص للإشراف عليها، إلى تحولها إلى فضاءات عشوائية يجتمع فيها المراهقون والشباب العاطل لتلقي دروس في “البلية” والفساد، أو مناسبة يتعرض فيها المارة لتحرشات جنسية أو اعتداءات من أجل السرقة.
ومن الأمثلة التي وقف عليها طاقم “الصباح”، الحديقة التي توجد بشارع بئر انزاران قرب المحكمة الابتدائية، إذ لا تحمل أي اسم ولا يوجد بها حارس، وأدى إهمالها إلى تحولها من فضاء للترويح عن النفس إلى فضاء لتفريخ الإجرام ومسرح للجريمة.
وأدى تحولها إلى ممر للراجلين، بسبب استعمالها من قبل تلاميذ الثانوية الإعدادية المسيرة الخضراء وطلبة التكوين المهني وبعض السكان، إلى طريق يتم فيها تهديد حياتهم، سواء بتعريضهم للسرقة أو الاغتصاب بسبب اختباء المنحرفين والمشتبه فيهم بها للتمويه على الأمن والمتطفلين خاصة عندما يحل الظلام.
وتظل حديقة حي النهضة بشارع الحسن الثاني المتنفس الوحيد لطانطان، والتي يمكن القول إنها منظمة نوعا ما رغم أنها ليست في مستوى تطلعات السكان.

شاحنات خطيرة
تحول شارع بئر انزاران إلى حفر ومستنقعات بفعل كثرة استعمالها من قبل الشاحنات الكبيرة كما أن خطرها امتد ليهدد حياة الأطفال بفعل سياقتها بسرعة مفرطة رغم حمولتها الزائدة، الأمر الذي يستدعي وضع مطبات للتخفيف من سرعتها أو إنشاء طرق خاصة بها تكون بعيدة عن المجال الحضري.

مسلسل البطالة
تعاني طانطان نقصا حادا في المشاريع الصناعية التي يمكن أن تخفف من وطأة البطالة التي تنخر أجساد شباب المدينة، الذين لم يجدوا إلا الهجرة نحو المدن الأخرى أو البحث عن فرصة لولوج الخدمة العسكرية، في حين باقي الفئات العمرية استسلمت للوضع وبقيت تنتظر مصيرها المجهول مكتفية بخدمة النساء اللواتي قررن إعالة أسرهن عوض البقاء رهينة الجوع والحاجة.

مشاريع جديدة
رغم أن طانطان تشهد بعض التغييرات الإيجابية التي تروم تحسين الحياة اليومية لسكانها من خلال مهرجان طانطان السنوي الذي يحول المنطقة إلى قبلة للسياح المغاربة والأجانب ويحرك عجلة التنمية، إلا أن شباب المدينة الصحراوية يعتبرون ذلك غير كاف لأنه مهرجان موسمي ولا يمكن لمن يعاني البطالة انتظار تاريخ محدد في السنة للعمل.
وأشار عدد من الشباب في حديث مع “الصباح”، إلى أن طانطان في أمس الحاجة إلى مشاريع جديدة لتغيير وجهها، من قبيل تدارك نقص الموارد البشرية واللوجسيتكية بمستشفى الحسن الثاني وكذا البحث عن فرص للاستثمار بعقد شراكات مع مستثمرين مغاربة وأجانب لفتح مصانع صناعية وغذائية على شاكلة ما يوجد بالقنيطرة وطنجة والبيضاء.

صرخة وتظلم
أجمع عدد من شباب طانطان التقتهم “الصباح”، على أنه لم يتبق اليوم من ملامح إشعاع المدينة التي كانت تعتبر ملتقى للقوافل التجارية ومنفذا لعدة مدن وأقاليم سوى تحولها إلى منطقة للبؤس، مشيرين إلى أن واقعها المتردي يجعل الغيورين عليها يقررون عدم السكوت لأن الصمت مشاركة في جريمة إهمالها وتهميشها.
ومن خلال رحلة المعاينة يمكن استنتاج أن ما تعرفه طانطان من مظاهر الفوضى والتسيب في جميع المجالات وتردي مستوى خدماتها الذي ينعكس سلبا على حياة سكانها، يجعل المدينة أسيرة زمن القرون الوسطى وتحتاج إلى نموذج تنموي يعيد الاعتبار إلى المدن والقرى المهمشة حتى يكون هناك إقلاع اقتصادي وتنموي يستفيد منه المغاربة بالتساوي.

ملعب النهضة
من خلال جولة لطاقم “الصباح”، بالملعب الرياضي “النهضة” لكرة القدم، تم الوقوف على الخراب الذي يعم بنياته وفضاءاته بعدما تعرض للإهمال من قبل المسؤولين، ما حوله من معلمة رياضية إلى أطلال استبيحت معه حقوق الفرق الرياضية وشباب الأحياء في اللعب في مركب يحتضن مواهبه لتفجير طاقاتهم الخلاقة.
الملعب الرياضي الذي كان يعول عليه ليكون مجالا لتطوير كرة القدم بالمدينة وفرصة سانحة لإنشاء فريق يمثل المدينة خير تمثيل في مختلف البطولات الجهوية والوطنية، أصبح مرتعا للمتشردين والمنحرفين، ومطرحا عشوائيا لرمي القمامة، وهو ما يهدد صحة المارة والسكان، إضافة إلى تشويه المنظر العام بأحد أهم شوارع طانطان.
وبدوره تسكن بالمركب الرياضي النهضة لكرة السلة الأشباح، إذ رغم الميزانية الكبيرة التي صرفت على إنشائه إلا أنه لا يفتح في وجه العموم إلا للمناسبات، حيث يتم استقدام فرق لخوض مباريات فيها، في حين باقي أيام السنة يظل مغلقا في وجه شباب المنطقة.

الصحة مريضة
رغم الإصلاحات التي عرفها المستشفى الإقليمي الحسن الثاني بطانطان، إلا أن المرفق الذي يعول عليه ليستجيب لحاجيات سكان المدينة، أخلف الموعد بسبب ضعف تجهيزاته وكذا قلة موارده البشرية.
ويضطر مسؤولو المستشفى إلى إرسال الحالات المستعصية إلى مستشفى أكادير، كما أن السمعة السيئة أصبحت وصمة عار عليه بعد تسجيل عدد من حالات الوفيات في قسم الولادة منذ أعوام وكذا كثرة الطلب على العرض.
وقال أسامة فوشال، فاعل جمعوي وأحد شباب طانطان، إن المدينة تعرف عدة مشاكل خاصة في الصحة التي تسجل وفيات كبيرة في قسم الولادة وضعف الآليات وقلة الطاقم الطبي للاستجابة لحاجيات المرضى والمرتفقين.
وكشف فوشال أن أغلب النساء الحوامل يضطررن إلى السفر إلى أكادير أو كلميم أو مراكش، لوضع أجنتهن، بسبب صعوبة توفر ذلك في المستشفى الإقليمي، بفعل قلة الأطر الطبية المتمرسة وضعف الآليات والتجهيزات التي يمكن استخدامها لعلاج الحالات الصعبة والخطيرة.

بنيات تحتية متهالكة

الطرق المهترئة، والإضاءة الباهتة في معظم أحياء المدينة الصحراوية، وعدم اشتغال الفضاءات والمرافق العمومية التي تحولت إلى أطلال تفتح فقط في المناسبات، وتراجع المساحات الخضراء أمام انتشار المشاريع الإسمنتية بفعل مشكل التوسع العشوائي للنسيج العمراني، إضافة إلى المزابل، والتلوث البيئي، واقع يمكن وصفه ب”خليها على الله”.
ورغم ما تشهده طانطان من نهضة عمرانية إلا أنه لم ينعكس إيجابيا على سكانها، إذ لا تتوفر المدينة على البنيات التحتية الضرورية والتي تعتبر شيئا عاديا في باقي مناطق المغرب، والنموذج عدة أحياء بالمدينة زارها طاقم “الصباح”، فعلى سبيل المثال لا الحصر، حي “النهضة” اسم على غير مسمى، حي ناقص التجهيز ويفتقر لأبسط الضروريات، من قبيل الإنارة العمومية والطرق المجهزة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى