مقالات الرأي

أولحاج: مؤهلات سياحية ناذرة تشكو الإهمال في جبال تزنيت

تميل النفس البشرية إلى كل ما له علاقة بالطبيعة ووفق هذا المنظور تتحدّد القيمة الحقيقية للأشياء، فالناس مثلا وإن أبدعوا بما أوتوا من العلم ومهما بلغوا مرتبةً في تشييد ناطحات السحاب والمسابح المزركشة المغلقة بخدع التكنولوجيا الخارقة، وإن جالوا أقطار السماوات والبحار والأرضين بطائراتهم النفاثة وسُفنِهم العملاقة وقطاراتهم الفائقة السرعة ، تجدهم أكثر انجدابا إلى البساطة ،إلى الهدوء، إلى الأماكن الطبيعية حيث السكينة، حيث خرير المياه وخضرة النبات ونسيم الشجر وزقزقة العصافير بعيدا عن ضوضاء المدن وصخب التكنولوجيا.

من هذا المنطلق،كثيرا ما ترتفع أصوات غيورة داعية إلى التقاط الإشارة، والاستثمار في كل موروث طبيعي متوفر أحسن استثمار ، وضرورة استغلال المؤهلات الطبيعية سياحيا حتى تعود بالنفع العام على التنمية الاجتماعية والاقتصادية والمجالية وحتى تُعوِّض ذلك النقص الحاصل تنموياً، خاصة في المناطق المعزولة التي تشكو الإهمال والتهميش.

أربعاء آيت احمد جماعة قروية بجبال إقليم تزنيت (تقع على بُعد 70كلم عن مركز المدينة ) تعد واحدة من بين المناطق النائية المنسية التي راكمت سنوات من الفقر والتهميش عمرت ستة عقود من الزمن،حتى هجرها الأهالي في اتجاه المدن والحواضر ولم يتبقى بين ثنايا جبالها إلا كل مضطر لم يجد بديلاً أو ملجأً آخر للرحيل.

وهذا النقص الملاحظ الذي يُقر به القاصي والداني ومردُّه إلى ضعف المداخيل المرصودة وغياب فرص الاستثمار المحلية ؛ كان ولازال بالإمكان تداركه لو توفرّت الإرادة لدى القطاعات الحكومية الوصيّة وبُدلت جهود أبناء البلدة؛ لأن المنطقة تزخر بنقط قوى طبيعية وبمؤهلات واعدة لا ينكرها إلا جاحد.

على سفوح جبلي إمزي وأضاد مدني بذات الجماعة القروية-مثلا- ينتشر شجر ناذر في العالم يسمى محليا ب”أجكال”، اكتشفه عالم فرنسي CUZIN في تسعينيات القرن الماضي، قدم أبحاثا علمية حوله مقيما رابطا علائقيا بينه وبين شجر التنين Dragonnier المكتشف قديما بجزر الكناري، مُعددا مزاياه وفوائده وسبل حمايته من الاندثار .

فمنذ ذلك الحين تستقطب المنطقة سياحا كُثُر من جنسيات أجنبية مختلفة من هواة الطبيعة ومن محبي مغامرات تسلق الجبال والاستكشاف.

الحسين بورگراگ شاب من أبناء المنطقة أحبَّ موطنه الأصلي ويطمح كثيرا في تحسين أوضاع قريته المنسية “أكادير أوكجگال” ،حبُّه الممتزج بعشق الطبيعة دفعه لتسخير قسط وافر من جهوده ووقته للسياحة القروية هناك بجبال آيت احمد، كان قد استمر على ذلك النهج منذ عام 1998.

يرى الحسين أن المنطقة هذه تزخر بمؤهلات واعدة ترضي جميع الأذواق، هذا ما استشفه من خلال تجربته الميدانية لأزيد من عقد من الزمن، جبل إمزي وجبل “أضاض مدني” بمناخهما الجبلي المعتدل وصفاء هوائهما النقي يغريان بالزيارة وإعادة الزيارة ؛ الطيور المتنوعة في جنبات واد أماغوز والنباتات العطرية قرب دوار أدار” و”الزواحف”بأنواعها وشجر الأجگال النادر ورحابة صدر أهل القرية التي تفتح أبوابها لكل باحث عن الهدوء والراحة..

هي مؤهلات – يعتبرها المتحدث-تُحفِّز على جذب عشاق الطبيعة من جنسيات مختلفة، وتغريهم لقضاء أيام و ليالي تحت الخيام أو كضيوف مُرحَّب بهم لدى السكان.

لكن بالمقابل ، ذكر الحسين بورگراگ وهو الذي ينشط في جمعية أدرار للسياحة الجبلية جملةً من النقائص تقف حجر عثرة أمام السياح المتوافدين على هذه الرقعة الواعدة على الرغم من تواجدها ضمن نطاق المحور السياحي للأطلس الصغير؛ لعل أشهرها نقص التجهيزات والمنشئات السياحية والبنيات التحتية من طرق ومسالك.

ودائما في النفوذ الترابي لآيت احمد ينبع عين بوتبوقالت الرافد الأساسي لسد يوسف بن تاشفين بصبيب مائي يتجاوز ال 15لترا في الثانية في فترات الأمطار ولا يقل عن لتر ونصف في الفترات القاحلة.

على جنبات المنبع تتجمع المياه المتدفقة مُشَكِّلةً بحيرة طبيعية مُغرية؛ يزيدها جمالا انتشار أشجار النخيل الباسقة الممتدة طولا و الممتزجة ببقايا أطلال سوق قديم تبدو من بعيد على شكل نوع من حلي محلي (الخلالة) تتزين به النساء الأمازيغيات في الأعراس والمناسبات..

إنها لوحة طبيعية غاية في الروعة تستهوي المئات من الزوار في عطل نهاية الأسبوع وبإمكانها استقطاب المزيد والمزيد إذا ما رُصدت لها الإمكانيات وأُعطي للمكان ما يستحق من عناية.

نقائص حملناها إلى السيد العربي الگزار ،مدبر الشأن المحلي على رأس الجماعة الترابية أربعاء آيت أحمد ، وهو شاب حديث في منصب المسؤولية هذا ، بتجربة ميدانية مشهود بها،عَدَّد المسؤول الجماعي حزمة من الخطوات والمراسلات موجهة للقطاعات المسؤولة تُوِّجت في آخر المطاف بإنجاز دراسة تقنية لتهيئة منتجع بوتبوقالت ومحيطه-تنتظر التمويل-و تضم مسبحا كبيرا و ملعبا لكرة القدم وفضاءات للترفيه ومرابد وعدة مرافق أخرى.

وأضاف الگزار أن المجلس الجماعي سبق أن راسل كل المصالح المختصة ولا زال يرافع من أجل التسريع بتعبيد المسالك الطرقية بما في ذلك تعبيد المسلك الطرقي المؤدي إلى دوار أكادير أوگجگال.. الوجهة الأولى للسياح وقِبلتهم المفظلة في مناطق أدرار…
تلك مؤهلات سياحية واعدة من بين أخرى تنادي بالتثمين هنالك في ادرا آيت احمد في تزنيت تظل رهينة بالتسريع في إنجاز مشاريع طرقية وسياحية؛ من شأنها أن تعيد لساكنة الجبل بعضا من حقوقها المؤجلة.

أحمد أولحاج : أستاذ وإعلامي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق