خاص

المؤثرون … “صناع” الرأي الجدد

يبيعون الحلم ويشترون مقابله “لايكات” تضمن لهم مالا وفيرا وامتيازات أكثر

الكل، اليوم، يتهافت عليهم ويلجأ إلى خدماتهم. وكالات التواصل والعلاقات العامة والشركات والمؤسسات والإعلام، وحتى منتجو وصناع الأفلام والمسلسلات، الراغبون في التعريف بمنتوجهم واستقطاب أكبر قدر من المستهلكين لمشاهدته. إنهم “المؤثرون” أو “الإنفلونسر”، الذين يتابعهم الملايين عبر شبكات التواصل الاجتماعي، والذين أصبحوا، بقدرة تكنولوجيا حديثة وهاتف ذكي، يلعبون دورا مهما في “التأثير” على سلوكات متابعيهم ومعجبيهم، يبيعونهم الحلم، ويشترون مقابله “الجمجمات” و”البارتاجات” ونسبة مشاهدة تمكنهم من انتشار أكبر يضمن لهم مالا أوفر وفرص عمل أفضل وامتيازات أكثر. في هذه الورقة، نتعرف أكثر على هذا المجال الذي أصبح يتطور سريعا في المغرب، وعلى آليات وطرق اشتغال “المؤثرين”، وعلى الكيفية التي يتم من خلالها “التأثير” على المتابعين والرأي العام وصناعة ثقافة استهلاكية جديدة.
إنجاز: نورا الفواري

العديدون يجمعون على أن المجال “فيه وفيه”، مثله مثل أي نشاط أو قطاع آخر. ومثلما هناك “مؤثرون” صالحون، هناك الطالحون والمزيفون والكذابون، والذين يتخذونه مهنة لأن لا مهنة لهم، خاصة في المغرب، حيث الممارسة عشوائية وغير مقننة، وحيث يختلط “التأثير” مع “التسلكيط” و”التشلهيب” وكثير من “دفيع الجبهة”. لكن كل ذلك غير مهم بالنسبة إلى العلامات التي ترغب في رفع نسبة “مشاهدتها” وتقوية وإنعاش مبيعاتها وتحقيق شهرة أكبر، بقدر ما يهم عدد “الفانز” و”الفولوورز” ومدى تفاعلهم على “الديجيتال”.

إعلام عفا عنه الزمن

تقول مسؤولة في قطاع التواصل داخل إحدى المؤسسات الكبرى، رفضت الكشف عن هويتها أو عن هوية الشركة التي تشتغل فيها، إن “المؤثرين” أصبحوا عنصرا هاما في الإستراتيجية التواصلية والتسويقية للمؤسسة، والتي أصبحت تخصص لهم ميزانية مهمة بعد أن لمست مدى تفاعل المتابعين معهم في شبكات التواصل الاجتماعي، عكس “الميديا” التقليدية، من صحافة وتلفزيون وإعلام، التي أصبحت اليوم متجاوزة لأنها تشتغل بأساليب قديمة لا تناسب العصر والجيل الجديد. وأضافت في حديث مع “الصباح”: “يجب أن نكون أبناء الوقت، وتكون سياساتنا منسجمة مع الثقافة الجديدة، بغض النظر إن كنا معها أو ضدها. والأكيد أن المعجبين، حين يختارون اسما معينا لمتابعته بكثافة، نكون مجبرين كماركات، على الانصياع لاختياراته في إطار سياسة الجمهور عايز كدة”.

بائعات الوهم

السؤال الذي يطرحه الكثيرون اليوم: من الذي ساهم في بروز ظاهرة هؤلاء “المؤثرات”؟ هل هي “موضة” مواقع التواصل الاجتماعي؟ هل هم “الفانز” والمتابعون الذين كرسوا بعض الأسماء ومنحوها أهمية ليست لها في الواقع؟ هل هي “حمّى” الكمّ وعدد نسب المشاهدة التي أصبحت المحدد الرئيسي للنجاح، بغض النظر عن المضمون والكيف؟ أم كل هذه العوامل مجتمعة؟ أم هي بعض وكالات الاتصال والعلاقات العامة، التي وجدت في هؤلاء “المؤثرات” سوقا جديدة وأصبحت تستغلهن، إن جاز التعبير، في الترويج لعلامات ومنتوجات زبنائها؟
في محاولة للإجابة عن هذا السؤال الأخير، تحدثت “الصباح” مع لطيفة (اسم مستعار)، صاحبة وكالة تواصل وعلاقات عامة، التي اعتبرت أن الأمر يتعلق ب”ظاهرة على الموضة” تظل “مقبولة وعادية”، كلما كان للأمر علاقة بتسويق أو التعريف بمنتوجات استهلاكية، لكن حين تتجاوز الأمر إلى التأثير على قيم المجتمع، هنا يجب دق ناقوس الخطر. كيف ذلك؟ تضرب لطيفة المثل بإحدى “المؤثرات” التي خرجت على مواقع التواصل الاجتماعي لتعرض على متابعيها صور الهدايا التي توصلت بها من أحد الشخصيات المعجبة بها، أو تلك التي ارتدت 30 جلابة في رمضان، وكأنها تملكها كلها، في حين أن إمكانياتها المادية لا تسمح لها بذلك، وهو ما اعتبرته “رسالة في غاية السوء” ل”وليداتنا” وللجيل الجديد، الذي تنمي لديه ثقافة الجشع وثقافة الحصول على المال والهدايا “فابور” بدون عمل أو مجهود، كما “تبيعهم الوهم” وتبين لهم أن “الحياة سهلة”، في حين أن الواقع غير ذلك.

دعــارة رقـمـيـة
وعن سؤال لها حول ما إذا كانت تستعين بخدمات هؤلاء المؤثرين، في عملها، أكدت أنها نادرا ما تفعل ذلك، وحين تكون مضطرة إليه، تحرص على البحث عن أسماء لها سمعة جيدة ومصداقية. تقول “أشترط على زبائني عدم فرض أسماء المؤثرات والمؤثرين أو اللجوء إليهم في عملنا. وإلا أوقف التعامل نهائيا. لدي إستراتيجيتي التي أشتغل بها وعلى الزبون أن يحترمها”.
ودعت لطيفة، في معرض حديثها إلى “الصباح”، إلى تقنين هذا المجال الذي يعاني “فوضى” و”عشوائية”، وأصبح مثل نوع من أنواع “الدعارة الرقمية”، لأن من هبّ ودبّ يتطفل عليه، دون أن يكون بالضرورة حاملا لمضمون أو أخلاقيات أو خط تحريري معين، وبالتالي يمرر رسائل سلبية لأطفالنا. وقالت “هناك العديد من لمكلخين في مواقع التواصل الاجتماعي، وحنا كا نزيدو نكلخوهم”. ثم تساءلت “يقولو لينا هاد الناس كيفاش كا يتخلصو وكيفاش كا يخدمو؟ ويقولو لينا واش كا يخلصو الضرائب؟ وعلاش كلشي عندهم فالنوار؟”.

شــراء “الـفـانـز”
العشوائية التي تحدثت عنها لطيفة، نجدها فعلا في العديد من “البروفيلات” المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، خاصة “إنستغرام”، إذ يمكن أن تجد خبيرة مثلا في “الماكياج”، تقوم من خلال صفحتها بالترويج لعلامة خبز أو حلويات أو مجازر، دون أدنى احترام للتخصصات، ومن خلال مضمون فارغ ورسالة غبية، في حين نجد “المؤثرات” الغربيات، أو حتى في العالم العربي، لا يخرجن عن نطاق خبرتهن وتخصصهن، ويقدمن للمتابعين خدمة ذات مصداقية، تمكنهن من الاستمرار على المدى البعيد واستقطاب المزيد من “الفولورز”.
إضافة إلى ذلك، كيف يمكن الحديث عن “تأثير” محتمل في “الآلاف المؤلفة” من المتابعين، إذا كان هؤلاء، في الواقع، وفي الافتراضي أيضا، غير حقيقيين، ويتم شراؤهم بطرق ووسائل مختلفة؟
يؤكد أمين فارس، المدير العام لشركة “بي إر ميديا”، العاملة في مجال التواصل والعلاقات مع الصحافة والاستشارة، في لقاء مع “الصباح”، وجود هذا النوع من التحايل، والذي يسهل اكتشافه من خلال اللجوء إلى خدمات شركات متخصصة في التدقيق في “البروفيلات” والتأكد من صحة أرقام المتابعين لها، قبل التعامل مع بعض “الإنفلونسر”. “مسألة شراء الفانز كاينة. والتخلويض كاين أيضا. لكن يمكن التأكد من ذلك من خلال رصد نسبة تفاعل المتابعين ومن خلال التعرف على الإحصائيات والأرقام الخاصة بكل صفحة”.

3 ملايين لـ”الستوري”
وتحدث فارس، الذي تتعامل شركته كثيرا مع “المؤثرين”، عن نوعيات متعددة ومختلفة من “الإنفلونسر”. ويتعلق الأمر، بمؤثريين “ميديا”، مثلهم مثل وسائل الإعلام، لديهم جمهور عريض يتجاوز الملايين، ويكون الهدف من التعامل معهم هو التعريف بالعلامة فقط، لكنهم لا يمثلونها بأي شكل من الأشكال، ثم المؤثرون الذين بدؤوا ب”الويب” وتكون لديهم فعالية أكثر على مستوى وسائط التواصل الاجتماعي، لأن التفاعل معهم يكون مهما رغم أن نسبة “الفانز” لديهم غير مرتفعة، إضافة إلى “المؤثرين الاجتماعيين”، الذين لا يتجاوز عدد متابعيهم 4000 أو 5000، لكنهم يشكلون “النكعة”، وأغلبهم صحافيون “كا يرونوها” ويثيرون الجدل والنقاش حول تدويناتهم وآرائهم.
أما بالنسبة إلى أسعارهم، فيقول فارس إنها تختلف أيضا، حسب نوعية الزبون والمنشور أو الحضور، إذ تبدأ من 3 ملايين سنتيم ل”البوست” أو “الستوري”، وقد تتجاوزها بكثير إذا كان الأمر يتعلق مثلا بشركة هواتف أو اتصالات، ف”المؤثر” يعرف حينها أن اسمه سيظل ملتصقا بتلك الشركة، ولن يمكنه العمل مع شركات منافسة لها، وبالتالي يطلب سعرا مرتفعا”.

“الكوزينة”والماكياج
وإذا كان العديد من المؤثرين في الغرب يحملون في قلوبهم قضية معينة يدافعون عنها من خلال تدويناتهم وتغريداتهم و”بوستاتهم” وصورهم، سواء كانت لها علاقة بالبيئة أو حقوق اللاجئين أو الحروب أو حقوق المرأة أو غيرها من القضايا الكبرى، فإن أغلب “مؤثرينا” لا يخرجون عن نطاق “قضايا” التجميل و”الكوزينة” والماكياج و”القفاطن” و”التكاشط” وكل ما له علاقة بالمظاهر الفارغة، التي عادت بصورة المرأة المغربية سنوات إلى الوراء، بعد أن جاهدت مناضلات وحقوقيات من أجل تغيير نمطيتها. “أغلب المحتويات تشمل الماكياج وتصميم الأزياء والموضة، لأنه التخصص الأكثر سهولة، مع العلم أن هناك تخصصات أخرى مهمة جدا، لكن لا يتم استغلالها مثلما يجب، مثل الأسفار والتكنولوجيا الحديثة أو بعض التخصصات الأخرى ذات المضمون الفكري والثقافي”، يقول أمين فارس، الذي ألقى باللوم على الصحافيين الذين “لم يركبوا موجة التأثير، والذين لا يعبرون عن آرائهم، خاصة أن أقلامهم تمنحهم الشرعية والمصداقية ليكونوا أول المؤثرين”، مضيفا “أسهل حاجة الصحافي يكون مؤثر، خاصة أنه عندو مضمون أفضل ومصداقية أكبر، لكن حضورهم في الويب وفي وسائل التواصل الاجتماعي غير قوي للأسف، داكشي علاش كا نلقاو مستوى الويب المغربي هابط بزاف”.

غزو تلفزيوني
ولم يكتف “المؤثرون”، وأغلبهم وأكثرهم شهرة من الجنس اللطيف، بالأنترنت و”البلوغات” و”فيسبوك” و”إنستغرام” و”سناب شات” وغيرها من “السوشال ميديا”، بل أصبحوا يدخلون على المغاربة في عقر بيوتهم، بعد أن غزوا التلفزيون، وأصبح المنتجون يفضلون الاستعانة بخدماتهم في أعمالهم لضمان نسبة تتبع عالية لها، على حساب إشراك فنانات حقيقيات وموهوبات، خاصة في رمضان. يحكي مصدر مطلع ل”الصباح”، حضر كواليس تصوير “الماضي لا يموت”، أن رشيد الوالي، الفنان القدير، غضب بشدة أثناء تصوير إحدى حلقات المسلسل، بعد أن اضطر لانتظار “الإنفلونسر” فاتي جمالي، أكثر من ساعة، لتنهي ماكياجها قبل البدء في التصوير. وهو الشيء نفسه الذي وقع للممثلة السعدية لاديب، التي انتفضت في وجه صفاء احبيركو، أثناء تصوير مسلسل “وعدي” بعد أن أزعجتها بسبب كثرة صور “السيلفي” التي تلتقطها مرارا أثناء العمل.

“الفولورز” أهم من الموهبة
منتج معروف في الساحة الفنية، فضل عدم الكشف عن هويته، دافع عن حضور “المؤثرات” في الأعمال الفنية، لأنها تمكنها من رفع نسبة انتشارها ومشاهدتها، خاصة على مستوى شبكات التواصل الاجتماعي، ضاربا المثل بمسلسل “الماضي لا يموت”، الذي لم يكن سيعرف النجاح الذي وصل إليه لولا الدور الذي لعبته الوسائط الاجتماعية، خاصة أنه كان يبث على التلفزيون خارج وقت الذروة، ولولا أغنية حاتم عمور، الذي يتابعه الملايين عبر هذه الوسائط نفسها. كما استشهد بالشريط التلفزيوني الذي لعبت بطولته سلمى رشيد، والذي حقق نسبة مشاهدة مرتفعة، مع أن بطلته لا علاقة لها بالتمثيل من قريب أو بعيد”.
أما عن الموهبة، فاعتبر صديقنا، في لقاء مع “الصباح”، أنها لم تعد ضرورية بقدر ما أصبح عدد “الفولورز” أهم منها، إضافة إلى عنصر الجمال. يقول مبرّرا “لم نعد اليوم نتحدث عن المشاهد الكلاسيكي للتلفزيون. أصبح الجمهور اليوم متحركا ولا وقت لديه للجلوس أمام الشاشة. إنه يتابع الأعمال عبر الهواتف الذكية واللوحات الإلكترونية في كل وقت وحين، لذلك يجب أن نستقطبه بطرق جديدة حتى نضمن متابعته ووفاءه”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق