حوار

رحاب: الصراعات أنهكت الحزب

عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي أكدت أن الحزب دخل انتخابات 2016 بمشروع غير مقنع

أكدت حنان رحاب، عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي على أنه لا يجب الاستهانة بذكاء المغاربة، فلا يمكن أن تكون مشاركا في حكومات منذ 1997 إلى 2011، وتقرر الدخول إلى المعارضة بدون تقديم الحصيلة، وبناء الموقف السياسي الضروري والواضح والجريء. وأوضحت رحاب أن الحزب قرر عدم المشاركة في حكومة يشكلها حزب محافظ، في الوقت الذي كان هناك نقاش داخلي قوي بين من يدافع عن المعارضة ومن يدافع عن المشاركة.

في ما يلي نص الحوار:

< يعيش الاتحاد الاشتراكي حالة من الوهن بسبب تجميد عدد من الاتحاديين نشاطهم. أين وصلت جهود المصالحة التي أعلن عنها الكاتب الأول؟ < سبق للأخ الكاتب الأول أن اقترح عودة كل الاتحاديين للاشتغال داخل الحزب. وهناك مجهودات فردية تبذل على مستوى التواصل مع كثير من إخواننا الذين ابتعدوا عن التنظيم. أعتقد أن الاتحاد الاشتراكي اليوم بحاجة إلى طاقات كل من يؤمن بالفكرة الاتحادية وعمقها، لكن خطاب الإرادة والرغبات غير كاف، ولن تسعفه دائما الشروط الواقعية المعقدة داخل البيت الاتحادي . فلابد من إبداع أفكار تحفز جديا إرادة المصالحة، بعيدا عن المنطق "العاطفي/ النوستالجي" للفكرة، يكون قريبا من إيجاد أجوبة جماعية حول طبيعة الحزب الذي نريد داخل الحقل السياسي. ما المطلوب بالضبط؟ المطلوب هو التحفيز الجماعي للفكرة والمشروع، ما سيطور قدرتنا على استقطاب أطر جديدة من داخل مختلف الفئات المهنية والمجتمعية، وهذا يتطلب منا أن نبدع بالحوار والنقاش والتجديد الناضج لوسائل إقناع جديدة وآليات تواصلية فعالة وناجعة. وللمزيد من التوضيح، أقول إن لم نستمع جيدا ونتفهم ما يتمنى المغاربة أن يروا عليه الاتحاد الاشتراكي، باعتباره حزبا ممانعا، مناصرا لقضاياهم، سنكون في طريق تقسيم آخر ما تبقى من "إرث" تركه لنا السابقون من المناضلين والشهداء والمعتقلين والمجاهدين، ومما قد ينبئ بالاندثار النهائي. وللأسف، تعاملنا مع ما قدمه المناضلون طيلة 60 سنة من عمر الحزب باعتباره إرثا قد يقسم بيننا، وليس مشروعا مجتمعيا مطلوبا منا تطويره وتحصينه. < مني الاتحاد الاشتراكي بهزيمة انتخابية في 2016 أثرت على حضوره. ألم تكن تلك الهزيمة كافية لمراجعة خطه السياسي وتحالفاته؟ < للجواب عن هذا السؤال، لابد من العودة إلى ما قبل 2016، للتأكيد على معطيين أساسيين، الأول تنظيمي مرتبط بالتداعيات الصعبة التي عاشها الحزب بعد المؤتمر الوطني التاسع، والثاني سياسي مرتبط بموقع المعارضة الذي اختاره الحزب، بعد سنوات التدبير الحكومي، وما خلفته من تأثيرات واضحة على شعبيته ومكانته داخل المجتمع . وخلفت محطة المؤتمر التاسع وما تلاها من وقائع وأحداث خلافات وصراعات داخلية طاحنة أدت إلى إنهاك الحزب وأضعفت حضوره في المجتمع، فالجهد الذي بذل في تدبير تلك الخلافات استنزف الكثير من الوقت، وكلفنا ثمنا باهظا، لأنه بدل الانصراف إلى تقوية الذات التنظيمية، والبحث عن سبل معالجة الاختلالات، وجدنا أنفسنا في قلب صراعات بدون أي أفق أو معنى سياسي . وكانت نتائج 2016 قاسية على الحزب ومناضليه، لأنهم اعتادوا أن يحتل الرتب الأولى، ونحن نتحمل جزءا كبيرا من المسؤولية في تلك النتيجة غير المرضية، بسبب الصراعات التي خاضها البعض داخل التنظيم، والتي لم تبق حبيسة الحزب، بل انتقلت عدواها إلى كل التنظيمات الموازية، من تنظيم شبابي ونسائي، بل إن الفدرالية الديمقراطية للشغل تأثرت بدورها سلبا. وبدل التحضير الجيد للانتخابات، وجدنا أنفسنا لسنوات رهائن لنقاشات حول أسئلة التنظيم وتدبير الخلافات، وهذه العوامل الداخلية كان لها تأثير في الانتكاسة التي تعرضنا لها في 2015 و2016. < هل كان المشكل داخليا بالأساس؟ < هناك عوامل خارجية كذلك، فلا يجب أن ننسى أن هناك معاول هدم استغلت الطفرة الإعلامية ووسائل التواصل الحديثة، وكان هناك سعي ممنهج  لتخريب الحزب، والإساءة له خاصة مع ظهور خطابات تدعو إلى طمس الأحزاب الوطنية، والتشكيك في مشروعها المجتمعي، وتبخيس عملها والإساءة إلى المناضلين وشيطنتهم. لم ندخل غمار انتخابات 2016 بمشروع سياسي مقنع. وبقينا رهائن لصراعات ما بعد المؤتمر التاسع . وأتذكر هنا أنه أثناء الحملة الانتخابية، وجد مرشحو الاتحاد أنفسهم أمام  "كليشيهات" سلبية مرتبطة بالصراعات الداخلية، وللأسف كان علينا الانتباه لذلك، وتسخير الإعلام الحزبي لشرح تلك القضايا، خاصة أننا نملك مؤسسة إعلامية إلى جانب الاشتغال على الوسائل التكنولوجية الجديدة، وما تتيحه مواقع التواصل الاجتماعي من بدائل رائدة لتسويق الخطاب، والتواصل الفعال مع كل الفئات الاجتماعية. ولهذا فشلنا ربما في التواصل مع الناخبين بشكل أفضل. < هل تقصدين أن الإعلام الحزبي لم يقم بدوره لمحو تلك الصورة؟ < لم نسع بشكل عملي إلى تصحيح  الصورة السلبية التي ترسخت في الأذهان عن الحزب. ولا يجب الاستهانة بذكاء المغاربة، فلا يمكن أن تكون مشاركا في حكومات منذ 1997 إلى 2011، وتقرر العودة إلى المعارضة بدون تقديم الحصيلة، وبناء الموقف السياسي الضروري والواضح والجريء، علما أننا قررنا عدم المشاركة في حكومة يشكلها حزب محافظ، في الوقت الذي كان هناك نقاش داخلي قوي حول الموقف من المشاركة والمعارضة. واليوم نكرر الخطأ نفسه، إذ لا نشرك إعلامنا بالشكل المطلوب في طرح القضايا، والإجابة على كل ما يروج بشكل مغالط وممنهج عن الاتحاد الاشتراكي، كذات جماعية ومؤسسة حاملة لأفكار ومواقف ناظمة لا تناقض يشوبها ولا تضارب. تماهي الحزب مع المخزن < ألا تعتقدين أن رهان الحزب على القرب من مواقع القرار عمق الهوة بين الحزب والمجتمع؟ < الحضور في مواقع القرار غاية كل تنظيم سياسي من أجل ممارسة قناعاته، وحين يكون أي حزب في موقع المسؤولية، فإن ذلك يمكنه من خدمة المواطن عبر تدبير الشأن العام عن قرب. ولعل هذا السؤال ينطوي على فكرة ظلت سائدة وتعكس نوعا من الخصومة بين الشعب والمسؤولين، نتيجة تراكم تجارب كانت تدبر الأوضاع بعيدا عن حاجيات وانتظارات المواطن. وعلى العكس، فبنية الاتحاد منذ تأسيسه في 1959 إلى تشكيل حكومة التناوب، جعلته في صلب المعارك والقضايا المجتمعية، وهنا لا نعني فقط الحركات الاجتماعية المجالية أو الجهوية أو المهنية، بل الحضور في الميدان بشكل مكثف، إلى جانب المطالبين بالماء والكهربة وتشييد الطرق، وبجانب المطالبين بتحسين الأجور وتحسين التعليم، وغيرها من المطالب التي ترفعها مختلف مكونات المجتمع. هذه هي الصورة التي ترسخت في أذهان المغاربة، أي الحزب اللصيق بهمومهم، وبالخصوص القوات الشعبية، لكن بدءا من انتخابات 2007، بدأ التشويش والهدم، حتى فقدنا جزءا ليس باليسير من مكانتنا، ولم نعد نشتغل بشكل "عضوي" في  القضايا الاجتماعية. ولا ننسى أننا في 2007 أعددنا تقريرا تركيبيا تم فيه تقييم النتائج المحصل عليها في الانتخابات، وتحدثنا فيه عن تماهي الاتحاد مع الكرسي والتماهي مع "المخزن"، واتخذنا في بعض الأحيان مواقف،  اعتقدنا أنها في صالح بلدنا،لكن خطاب المصلحة العليا للبلد تحول إلى  مفهوم فضفاض, دون تحديد تجلياته . العثماني اقتنع بمشاركة الاتحاد < كيف تبررين الانقلاب في الموقف من "بيجيدي"، فبعد حرب ضروس ضد بنكيران، عاد الحزب ليشارك في حكومة العثماني. أليس هذا تعبيرا عن الارتباك؟ < العدالة والتنمية هو الذي اقتنع في النهاية بأهمية مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، بعدما فشل أمينه العام السابق الذي حاول أن يفرض على الجميع تصوراته وآرائه لتشكيل الحكومة، وفق منطق "الحزب المهيمن". وحكم بذلك على نفسه بالإعفاء من رئاسة الحكومة. وسعد الدين العثماني فضل عدم السير في الاتجاه ذاته، بعد أن اقتنع في النهاية ورجح مصلحة البلاد، ضدا على المصلحة الحزبية والفهم الضيق للتحالفات التي تمسك بها سلفه عبد الإله بنكيران. ولحد الآن، الحزب منخرط في الأغلبية، ويشتغل وفق البرنامج الذي أعدته مكوناتها، وهو يضمن الحد الأدنى لبرنامج كل حزب. ونحن نحتفظ بالمواقف التي تميزنا كحزب  ديمقراطي وتقدمي،  خاصة المرتبطة بالمساواة وحقوق الانسان والحريات الفردية والعدالة الاجتماعية، ناهيك أننا نلاحظ أن العدالة والتنمية بعد تجربته في تدبير الشأن العام بدأ بدوره يغير كثيرا من مواقفه. ولعل لحظة انتخاب ممثل الأغلبية في منصب رئاسة مجلس النواب، كثالث منصب في الدولة برتوكوليا تفند كل الادعاءات،  وأبانت أن حبيب المالكي بكفاءته وغيرته الوطنية نال ثقة مكونات الأغلبية، بل والمعارضة أيضا، وهي ثقة في قيادي اتحادي. ويمكن القول إن وجود الوزراء الاتحاديين في الحكومة له قيمة مضافة. التحالفات تمليها الظرفية < عاش الحزب "لخبطة" انعكست على تحالفاته. كيف تفسرين التحالف مع "البام" والابتعاد عن الهوية اليسارية؟ < لم تكن هناك "لخبطة" ولا تيه، لأن التحالفات مع أي حزب تمليها الظرفية، والتنسيق مع الأصالة والمعاصرة في فترة ما أملته وضعية وجودنا معه في المعارضة، لم يكن هناك تحالف بمعنى التحالف والتماهي التام، بل تنسيق سياسي وبرلماني لتمكين المعارضة من القيام بأدوارها. وأظن أن فترة التقارب مع الأصالة والمعاصرة يجب أن تناقش داخل الحزب وتقييمها بعيدا عن كليشيهات الإعلام والأحكام المسبقة. ولابد من الانطلاق من معطى أن "البام" من حقه الحضور في الساحة السياسية، ولا يمكن إقصاؤه ولا تجريم التنسيق معه أو مع غيره. فالاتحاد يلتقي معه في عدد من المواقف، ويختلف أيضا معه في تقييمات عديدة، خاصة المرتبطة بالسياسات العمومية. نحن ضد الحزب الواحد وضد الهيمنة والقطبية المصطنعة. وبقدر ما نتفق مع تعددية حقيقية، فإننا مع أحزاب تشتغل وتتنافس في ما بينها تنافسا شريفا، بعيدا عن أي "دوباج" مصطنع خدمة للصالح العام. لقد أثبتت الوقائع كذلك تقاطع الفساد المالي بالفساد الانتخابي ووجود هذا في خدمة ذاك، بل وتقاطع هذا الفساد مع ممارسات خطيرة تتعلق بالعنف والإرهاب في بلادنا. ويبقى التحالف مع الأحزاب الوطنية الديمقراطية هو الرهان الحقيقي لحزبنا، وهنا نحتاج فعلا إلى عمل جديد يعيد الدفء الى علاقتنا مع حزبي الاستقلال والتقدم والاشتراكية وأحزاب فدرالية اليسار وباقي القوى المجتمعية الأصيلة . قوة اقتراحية في البرلمان < يلاحظ تراجع صوت الحزب داخل البرلمان كما عهده المغاربة لسنوات. لماذا فشل الفريق في ممارسة دوره الرقابي المعهود؟ < أولا فريقنا لا يتعدى عدد نوابه في مجلس النواب 21 نائبا. لدينا فقط دقيقة و20 ثانية لطرح السؤال والتعقيب عليه، ولنا الحق في سؤالين فقط في الأسبوع، حسب القطاعات المبرمجة، وهي غير كافية لمراقبة العمل الحكومي. ورغم ذلك، فحجم الإنتاج التشريعي للفريق ووجود أعضائه في كافة اللجان والأجهزة البرلمانية يؤكد جدية وقوة الحزب وخبرته . إن النظام الداخلي الحالي لمجلس النواب لا يتيح لنا القيام بدور رقابي أكبر. ورغم تلك الإكراهات، فإننا نشتغل داخل اللجان بشكل كبير، وداخل المهام الاستطلاعية. وأظن أننا قوة اقتراحية نوعية داخل المؤسسة التشريعية، إذا أخذنا بعين الاعتبار المجهود الذي يبذله الفريق لتجويد القوانين المعروضة للدراسة داخل مختلف اللجان. تصحيح العلاقة مع قوى اليسار < ألا ترون أن عودة الاتحاد إلى أسرته اليسارية تتطلب إنهاء حالة الجفاء التي تطبع العلاقة بين مكونات اليسار؟ < جمود توحيد اليسار سببه أن كل مكون من مكوناته يريد احتكار تمثيله لهذه المرجعية، ونحن مطالبون بإعادة النظر في علاقات بعضنا البعض. وأظن أن الواقع اليوم يفرض علينا جميعا، وبعيدا عن منطق "من سيقود"، الإجابة الجماعية عن المظاهر التي صارت سائدة داخل المجتمع، ولعل أبرزها تراجع قيم التضامن والعمل الجماعي لصالح نزعات ذاتية مبالغ فيها، تضع المصلحة الشخصية أو الفئوية فوق أي اعتبار، وخارج أي منظومة أخلاقية، وتضخم النظرة التبخيسية للعمل السياسي، مقابل توسع كبير لجمعيات المجتمع المدني ذات الحساسية المفرطة تجاه العمل الحزبي والسياسي، وتراجع الدور التأطيري للمثقفين والطلبة والفئات الوسطى، وهي القوى التي كانت في مقدمة العمل الديمقراطي. إن خصوم الديمقراطية الحقة هم قوة لا يستهان بها، تتشكل من سلطة المال السياسي وسلطة التقليد بمختلف ألوانه، بما فيها اللون الذي يوظف الدين باعتباره مشتركا عقديا في الصراع السياسي والحزبي. ولا شك في أن رفع التحدي الذي يمثله خصوم التقدم الديمقراطي والحداثة الفكرية، هو مهمة ملقاة على قوى اليسار بالدرجة الأولى، ما يفرض عليها توسيع مجالات فعلها في المجتمع. أجرى الحوار: برحو بوزياني

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض