fbpx
بانوراما

جامع الأندلس… دور سياسي

جوامع فاس 5

اهتم القائمون على شؤون فاس العتيقة، كثيرا بالعلم والدين، في مختلف الحقب التاريخية. وبنوا المدارس والجوامع موازاة مع اهتمامهم بتحصين هذه المدينة عسكريا، حتى أنك نادرا ما تجد حيا بدون جامع شكل قبلة للتعليم والصلاة ودروس الوعظ والإرشاد. والحصيلة 780 مسجدا بتجهيزات وموارد مالية من مصادر الأحباس حتى من نساء، جلها بني في عهدي المرابطين والموحدين.

لم تخلف مريم الفهرية، الموعد وسارت على نهج أختها فاطمة بانية جامع القرويين. وبدورها خصصت كل مالها الموروث عن والدهما الفقيه التونسي، لبناء ثاني أكبر جامع تقام به الخطبة وصلاة الجمعة بفاس العتيقة، في الفترة نفسها لبناء الأول. وسمته “الأندلس” اسم العدوة نفسه الحاضنة له. لكنه لم ينل الشهرة والاهتمام المشابه للأول الذي أولاه الحاكمون عناية كبيرة في كل العصور والعهود.
انطلقت أشغال بناء جامع الأندلس في 860 للميلاد، بعد سنة من بناء جامع القرويين، بمباركة من الإمام يحيى الذي ضاقت فاس في عهده بالوافدين عليها من الأندلس وإفريقيا، فيما ذكر الدكتور عبد الهادي التازي أن هذا الجامع الذي عوض مسجد الأشياخ في الخطبة، كان أقل ضما للمصلين مقارنة مع جامع القرويين الذي حظي بالأفضلية الرسمية، ما يجعل المقارنة بينهما غير مجدية في ظل الفارق.
ويقول معنى السنوسي محمد، في كتابه “نبضات من فاس”، إن جامع الأندلس الذي تشبه صومعته جامع القرويين، بقي على حاله كما بني دون إضافات لمدة طويلة إلى أن حل عهد السلطان محمد الناصر الموحدي الذي أمر بإصلاحه وتوسيعه وتجديد ما تقادم منه. حينها “أمر بفتح الباب الكبير الذي بصحنه وجعل بأسفله بيلة من رخام أحمر، وأمر ببناء السقاية والميضأة وجلب الماء إلى ذلك”.
بعد بناء الناصر لدار الوضوء والسقاية، أصبح الجامع من أعظم مساجد فاس وأشبه بكلية متخصصة في الفقه تستقطب كبار العلماء المعروفين في ذاك العصر. واستقطب عشرات المصلين خاصة في السنوات الأولى لإصلاحه، لأداء الصلاة والاستماع إلى العلماء والخطباء في جلسات علمية، قبل تراجع دوره من جديد إبان غزوات عرفتها المدينة، ومحاولة بني مرين إحياء الكتب التي أحرقت.
وفي عهد الأمير يحيى الموحدي، بنيت الخصة والبيلة اللتين صنعهما المعلم أبو شامة الجباس، فيما أشرف الإمام الفقيه محمد بن مسونة على إصلاح الجامع المتصف ببيت صلاة أكثر عرضا من العمق ويتكون من 7 بلاطات موازية لجدار القبلة و”صحنه يتخذ شكلا مربعا منحرفا ويتموضع قبالة بيت الصلاة وبوسطه حوض وضوء”.
وتقول المصادر إن المسجد عرف إضافة نافورة ماء وخزانة في العهد المريني، وأدخل عليه السلطان العلوي المولى إسماعيل، عدة إصلاحات وكان له دور سياسي بعد نقل الخطبة إليه، إذ وجه منبره لتوجيه الشعب حسب رغبة الدولة الحاكمة مع إطلاع الناس على المبادئ والخطط التي تسير عليها، وفرملة كل محاولة للتمرد أو الخروج عن صف الإجماع حول الملوك الحاكمين في تلك الفترة.
لكن هذا الدور الذي لم يفقد الجامع دوره العلمي، سرعان ما تراجع تدريجيا، دون أن يمنع ذلك من استمرار الاستقرار السياسي، رغم مهاجمة فاس وقتل أبنائها وعلمائها وأسر أميرها أحمد بن أبي بكر الزناتي وأعيانه وحملهم إلى القيروان في “أقفاص من خشب”، وتطويفهم قبل سجنهم في واقعة لا تنكر المصادر مساهمتها في فقدان الجامع مركزه الثقافي والعلمي، الذي اضطلع به طيلة عقود طويلة.

ازدهر في عهد المرينيين

تؤكد مصادر تاريخية أن هذا الجامع عرف أوج ازدهاره في عهد المرينيين سيما بعد بناء مدرسة الصهريج التي اتخذت مأوى للطلبة، كما مدرسة السبعين التي أصبحت فضاء للروايات السبع في القرآن، بل درس بالجامع فطاحل العلماء وخطب فيه فضلاؤهم ومنهم العلامة علي بن عبد الرحمان الأنفاسي المطلع جيدا على الفقه المالكي، الذي تخرج على يده كبار العلماء وبعضهم تولى الخطابة فيه.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق