fbpx
الأولى

حديث الصباح: مدانون إلى الأبد…

أسر تطالب بتوقيف الضرر النفسي والاجتماعي الذي يسببه برنامجا “أخطر المجرمين” و”مسرح الجريمة”

حدثني، منذ أيام، صديق عزيز يشتغل في ميدان حقوق الإنسان عن عائلات بعض المتهمين في قضايا قتل واغتصاب وغيرها، ممن راسلوا المجلس الوطني لحقوق الإنسان، للمطالبة بتوقيف الضرر النفسي والاجتماعي الذي يلاقونه بسبب بعض البرامج التلفزيونية. يتعلق الأمر ببرنامجي «أخطر المجرمين» و«مسرح الجريمة»، وهما برنامجان يلاقيان إشعاعا ونجاحا كبيرين تبينه أرقام المشاهدة. الأمر يدعو فعلا إلى طرح مجموعة من الأسئلة المتعلقة بحقوق هؤلاء المجرمين وعائلاتهم، سألخصها في ثلاث نقاط.
أولا، فهؤلاء المجرمون نالوا عقابهم عبر القضاء. وتمت محاكمتهم ومعاقبتهم بالسجن أو الإعدام. فإلى متى سيستمر المجتمع في معاقبتهم عبر الإعلام والتشهير بهم وبجرائمهم؟ قد يعتبر البعض أن الأمر يتعلق بمجرمين، وأن هذا جزاؤهم. البعض الآخر قد يعتبر أن من ارتكب جرائم بشعة لا يستحق أن نتحدث في شأنه عن حقوق الإنسان. لا أتفق مع هذا الطرح طبعا. على المذنب أن يُعاقب، لكنه يستحق دائما أن نحترم كرامته وإنسانيته. أتذكر هنا قصة رواها رجل قانون على أعمدة جريدة اقتصادية أسبوعية. القصة (الواقعية) تتحدث عن لص سرق حقيبة امرأة كانت رفقة زوجها في أحد شوارع أجمل بلد في العالم. استطاع الزوج اللحاق باللص والإمساك به، ليلتحق به بعض سكان المنطقة ويبدؤوا جميعا في ضربه وركله بعنف، قبل تسليمه إلى الشرطة. في المحكمة، سأل القاضي السارقَ عن سبب الندوب والجروح التي على وجهه، وإن كانت الشرطة قامت بتعذيبه، ليرد السارق بالنفي. أمام إصرار القاضي، وقف الزوج مزهوا بأنه هو من ضرب هذا اللص الذي، في نظره، يستحق مزيدا من الضرب. هنا، أمر القاضي بسجن اللص، حسب ما ينص عليه القانون، وبسجن الزوج أيضا بتهمة الضرب المتعمد على أساس أنه حين أمسك باللص، كان من واجبه أن يسلمه للشرطة، لا أن يحاول تنفيذ العقاب بنفسه. هذا هو صلب الموضوع. إن كنا نريد بلد المؤسسات والقانون، فعلينا أن نعي أولا أن لمخالفي القانون أيضا حقهم الأدنى في الحفاظ على كرامتهم. فالقانون يعاقبهم في ما بعد على جنحهم وجرائمهم.
لا يمكننا أن نحاول تطبيق القانون بشكل منفرد. وبعودة إلى موضوع هذه البرامج التي تتطرق إلى جرائم شهيرة، فإن مخالفي القانون نالوا جزاءهم من العقاب، دخلوا السجن و/أو دفعوا الغرامات، حوكموا بالإعدام أحيانا، لأن جرائمهم كانت بشعة. المهم أنهم بشكل أو بآخر دفعوا ثمن أخطائهم، فلماذا وباسم ماذا سنستمر في معاقبتهم إلى الأبد؟   
النقطة الثانية تتعلق بعائلات هؤلاء المدانين. ما ذنب أب أو زوجة أو ابن يعاقبون باستمرار من طرف المجتمع، ليأتي الإعلام ويعاقبهم أكثر، بسبب جريمة قريبهم؟ سأسرد هنا حكاية شابة كان والدها محكوما بالإعدام، وتم تقديم جريمته في أحد هذه البرامج. بث الحلقة جعل أصدقاء الفتاة وزملاءها في المدرسة يستهزئون منها باستمرار ويعيرونها بجريمة أبيها وبأنه محكوم بالإعدام، مما جعلها ترفض الذهاب إلى مدرستها، وبالتالي اجتياز امتحانات الباكلوريا.

أليست هذه مأساة حقيقية أن تدفع فتاة من مستقبلها ومن دراستها ثمن جريمة ارتكبها والدها؟ لنتخيل جميعا نفسية طفل(ة) أو مراهق(ة) أو شاب(ة) يتعرضون بشكل يومي للتهكم من طرف أصدقائهم وجيرانهم وزملائهم، لأن كل هؤلاء شاهدوا والدهم في التلفزيون، وتعرفوا على تفاصيل جريمته؟ لنتخيل أما لا نتفهم أي قدر جعل ابنها مجرما قاتلا أو مغتصبا، تحاول أن تهاود الزمن، لكي تنسى ليذكرها التلفزيون من جديد ويُذكي فضول الجيران والأقارب الذين، مثلها، يتظاهرون بالنسيان. أليس من حق المدانين وعائلاتهم الاستفادة من “الحق في النسيان”؟ أليس من حق العائلات أن يرحمها المجتمع من ذنب تدفع ثمنه بشكل مباشر بدون أي وجه حق؟   
النقطة الثالثة ليست أقل أهمية من النقطتين السابقتين. تحدث برلماني، أخيرا، عن عصابة تم القبض عليها خلال الأشهر القليلة الماضية في إحدى مدن مغربنا الجميل. أعضاء العصابة اعترفوا أنهم استفادوا من “نصائح” هذه البرامج التلفزيونية المخصصة لفضح الجرائم، لكي ينفذوا جرائمهم المتعددة. كيف ذلك؟ حين يتحدث المحققون في “مسرح الجريمة” أو “أخطر المجرمين” عن تفاصيل التحقيق وعن الأدلة التي قادتهم إلى المجرمين وعن أخطاء هؤلاء التي ساهمت في العثور عليهم، فإنهم بذلك يقدمون للمشاهد “المهتم” ما يمكن تسميته “الوصفة الناجعة لجريمة كاملة وبدون خطأ”. هكذا، يتحول دور الردع الذي من المؤكد أنه أول أهداف هذه البرامج إلى دور عكسي تماما، لأنه يبين للمجرمين المستقبليين أحسن الوسائل لتنفيذ جرائمهم بدون خطأ.
نحن هنا لسنا بصدد انتقاد كيفية إنجاز هذه البرامج، بل هي على العكس برامج جيدة على مستوى الإعداد، وتستفيد من نسب مشاهدة مهمة جدا، كما أن برامج مشابهة توجد في دول كثيرة من العالم. إنه ليس نقدا إعلاميا، بل تساؤلات تتعلق بالتأثير المجتمعي لمثل هذه البرامج التي قد تصبح مدرسة لمجرمين آخرين. تساؤلات تستمد مشروعيتها أيضا من أن أسر المدانين قد تصبح ضحايا ظلم مجتمعي لا تستحقه؛ إضافة إلى أن المدانين أنفسهم، رغم جرائمهم التي قد تكون بشعة، يستحقون الاستفادة من حق مهم من حقوق الإنسان: ألا يدفعوا الثمن أكثر من مرة.

بقلم : سناء العاجي, كاتبة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى