fbpx
بانوراما

جامع الحمرا… بصمة مرينية

جوامع فاس 3

اهتم القائمون على شؤون فاس العتيقة، كثيرا بالعلم والدين، في مختلف الحقب التاريخية. وبنوا المدارس والجوامع موازاة مع اهتمامهم بتحصين هذه المدينة عسكريا، حتى أنك نادرا ما تجد حيا بدون جامع شكل قبلة للتعليم والصلاة ودروس الوعظ والإرشاد. والحصيلة 780 مسجدا بتجهيزات وموارد مالية من مصادر الأحباس حتى من نساء،
جلها بني في عهدي المرابطين والموحدين.

يشكل جامع الحمرا واحدا من أهم جوامع فاس الجديد المحدودة عددا مقارنة مع مواقع أخرى بالمدينة العتيقة، بما فيها مسجدا البيضاء والصفصاف المعروف بمسجد العباسيين، وهما مجهولا التأسيس والبناء وتاريخهما مما لم يرد في مختلف الكتب التي اهتمت بهما وتطرقت إليهما ضمن معالم فاس الدينية.
يقع هذا الجامع بالشارع الكبير المعروف بمولاي سليمان، وهو أحد أهم المساجد المبنية في عهد المرينيين بمختلف الدول التي حكموها، بنفس الشكل والنمط بما فيها مسجدا العباد وسيدي الحلوي بتلمسان والمسجدان الكبيران بالرباط وتازة، الشاهدان على اهتمام خاص بالمعالم الدينية في هذه الفترة. ولها خاصيات سيما مساحتها الصغيرة عكس تلك للموحدين، ما تربطه المصادر بالسياسة المرينية بالمدن التي حكمتها واهتمت ببناء المدارس والعلم قبل الدين.
وتنفرد هذه الجوامع المستطيلة، بشكلها الفريد وطبيعة قاعات الصلاة بها. وتتشابه في تجهيزاتها ومرافقها خاصة احتواءها بلاطات متعامدة مع جدار القبلة، بما فيها بلاطتان أمامية ومحورية تعلوهما قبب، وعرضهما أكبر من ارتفاعهما، ما يمكن الوقوف عليه بهذا الجامع العريق المبني في عهد أبي حسن المريني، كما تداولت ذلك كتب تاريخية، فيما قال محمد السنوسي معنى، إن بعض الروايات التاريخية قالت إن امرأة سمراء (حمراء) بنته وسمي باسمها.
في 1331 ميلادية بني جامع الحمرا قرب سوق تجاري على مرمى حجر من روضة أبي شعيب بباب البلاغمة قريبا من ضريح حسين طرطورة، بتصميم مطابق تقريبا للجامع الكبير بالحي نفسه والمساجد الأربعة المذكورة، وبمجنبات صحن مستطيل أقرب إلى المربع بزوايا رباعية وبعمق أصغر من عرضه، رغم ما قد يوحي للناظر من تشابهه نسبيا مع المنارات الموحدية، قبل فتحه في وجه المصلين، إذ كان محمد بن محمد السرغيني أول من ولي الخطابة فيه.
ويظهر وجه المعيار المريني جليا في البلاطات المتعددة والصوامع والأبواب والأقبية في كل الجوامع التي بناها بنو مرين، بما فيها هذا الجامع المتكون من قاعة للصلاة يتخذ شكلا مستطيلا مزينا في مركزه بمكان للوضوء وبه محراب بزخرفة وتشكيل مثيرين، قريبا من تقويرة متعددة الأضلع حفرت على عتبة مدخل بيت الصلاة المحاط بأروقة تعتبر امتدادا للبلاطات الجانبية الخمسة، لتوجيه المصلين نحو القبلة أثناء أدائهم الصلوات الخمس وصلاة الجمعة، بالصحن.
تلك المعلومات حول شكل وتشكيل الجامع، وردت في عدة كتب كما أبحاث تاريخية وأركيولوجية دققت في شكلها وهندستها وبنيتها وتناسق ألوانها وتجهيزاتها ومرافقها المختلفة بالداخل والخارج. وهذا ما زكاه مهتمون بدراسة الشأن الديني في المدينة العتيقة بفاس، ذكروا صومعته ذات الشكل المتعدد الزوايا، واحدة من أهم صوامع جوامع فاس، كما صحنه المكشوف وقاعته الجنائزية المنتصبة أمام المحراب والمخصصة لاستقبال نعوش الموتى من الجنسين.
وتمتد القاعة الجنائزية خلف الجزء الجنوبي الشرقي من القبلة التي تنفتح على بلاطها قاعة الصلاة بنفس انفتاح المحراب على بيتي الإمام والمنبر، بنفس وضع محراب المساجد المرابطية.

زخرفة رائعة
حرص مهندسو بناء جامع الحمرا المبني وجامع الزهر في النصف الأول من القرن الثامن الهجري، على منحه شكلا خارجيا مميزا يعلوه الزليج بألوان مختلفة وزاهية تسر الناظرين، بنفس زخرفة واجهات الصوامع الجميلة ذات التشكيلات الزخرفية الرائعة والجذابة والشبيهة إلى حد كبير بتلك لصومعة مسجد القصبة بمراكش، شكلا يبدو أن المرينيين احتدوا به في بناء صوامع كل الجوامع التي كان لهم فضل بنائها طيلة سنوات حكمهم.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى