fbpx
بانوراما

الرسول الإنسان … محمد بشر يغضب ويلعن

يحاجج عدد من الناس بأحاديث نبوية في قضايا معاصرة مرتبطة بشؤون دنيوية، ويعتبرونها تعاليم دينية يجب التقيد بها ولا يحق لمؤمن ومسلم مخالفتها، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى “وَمَا يَنْطِق عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى”.لكن هناك مجموعة من الأحداث تؤكد أن العصمة تهم ما أمر بتبليغه من وحي في شؤون العقيدة والشريعة، لكن اصطفاءه لتبليغ الرسالة لا يخرجه من طبيعة الإنسان، الذي يجتهد، فيصيب في بعض آرائه ويجانب الصواب في أخرى، كما توضحه مجموعة من الوقائع.

روي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقائع أثبتت كلها أنه إنسان يمكن أن يغضب على أحد ويتراجع بعد ذلك، وكان رأي الوحي مخالف لبعض ما ذهب إليه، مثل الدعوة على بعض الناس من كفار ومؤمنين لما وقع لهم من أحداث أثارت حفيظة رسول الله عليه وسلم.
وهكذا جاء في رواية للبخاري ووافقه فيها مسلم والترميدي عن ابن عمر أنه قال، قال رسول الله عليه الصلاة والسلام يوم (موقعة) أحد لما جرح وكسرت رباعيته ورأى تمثيل الكفار بعمه حمزة وبالمسلمين “اللهم العن أبا سفيان، اللهم العن الحارث بن هشام، اللهم العن سهيل بن عمرو، اللهم العن صفوان بن أمية”، وكانت ردة فعل الرسول عليه الصلاة والسلام من طبيعته البشرية بعدما آلمه ما فعله الكفار بعمه حمزة رضي الله عنه، فبادر بالدعاء على من مثل بقتلى المسلمين.

لكن الوحي جاءه مخالفا لما ذهب إليه بل منبها إياه في الآية 128 من سورة آل عمران “ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم أو يعذبهم، فإنهم ظالمون”.
ويرجع المفسرون أسباب نزول هذه الآية إلى هذه الواقعة ودعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على الكفار، وعقد البخاري في كتابه بابا سماه باب “ليس لك من الأمر شيء..” موضحا سبب نزول هذه الآية وساردا الحديث بصيغ مختلفة حول هذه الواقعة.

ويستخلص المفسرون أن دعاء الرسول صلى الله عليه وسلم على الكفار كان من اجتهاده الشخصي، لذا أنزل الله سبحانه وتعالى الآية، لتوضح أن الأمر كله بيد الله.

وهناك قصص مختلفة، أيضا، في الدعوة على الكفار، بل حتى المؤمنين، فمسلم يروي في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت “دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلان فكلماه بشيء لا أدري ما هو فأغضباه فلعنهما وسبهما، فلما خرج قلت يارسول الله ما أصابا من خير في شيء؟ فقال وماذاك؟ قلت:لعنتهما وسببتهما، قال: أو ما علمت ما شارطت به ربي عليه؟ قلت : اللهم إنما أنا بشر، فأي المسلمين لعنته أو سببته فاجعله له زكاة وأجرا”.

> هكذا يتضح من خلال هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم سلك مسلك الإنسان العادي يغضب ويلعن لأمر يثير نفسه ثم يعود ويطلب من ربه أن يجعل الدعاء على من دعا عليه من المسلمين دعاء له بأن يكون زكاة وأجرا. ويروي مسلم عن أبي هريرة، في هذا الصدد، أنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول “اللهم إنما محمد بشر، يغضب كما يغضب البشر وإني قد اتخذت عندك عهدا لن تخلفنيه، فأيما مؤمن آذيته أو سببته فاجعلها له كفارة وقربة تقربه بها  إليك يوم القيامة”.

وتؤكد هذه الرواية على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه بشر يجوز عليه ما يجوز على البشر، في ما عدا ما خصه الله به من رسالة، التي هو فيها معصوم وقوله فيها قول الحق.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى