fbpx
بانوراما

جوامع فاس: الأشراف … أول جامع بعدوة القرويين

اهتم القائمون على شؤون فاس العتيقة، كثيرا بالعلم والدين، في مختلف الحقب التاريخية. وبنوا المدارس والجوامع موازاة مع اهتمامهم بتحصين هذه المدينة عسكريا، حتى أنك نادرا ما تجد حيا بدون جامع شكل قبلة للتعليم والصلاة ودروس الوعظ والإرشاد. والحصيلة 780 مسجدا بتجهيزات وموارد مالية من مصادر الأحباس حتى من نساء، جلها بني في عهدي المرابطين والموحدين.

“نزل منها بموضع يعرف بالمقرمدة، وضرب فيه “قيطونه”، وأخذ في بناء الجامع، وهو المسجد المعروف الآن بجامع الشرفاء” هكذا قدم أبو الحسن علي بن أبي زرع الفاسي في كتابه “روض القرطاس”، رحلة الإمام إدريس من عدوة الأندلس إلى القرويين، وكيفية بنائه ثاني مساجد المدينة والأول في هذه العدوة، مشيرا إلى إقامته الخطبة فيه قبل أن يبني “دار القيطون” التي يسكنها الشرفاء الجوطيون.
في عهده تجاورت الدار والجامع والقيسارية المحاطة بمختلف الأسواق، وبنى 6 أبواب موصلة لمركز المدينة مؤسسا نواة مركزية بهذه العدوة كما فعل بالأندلس، قبل تشكل الحارات الخمس التي وجد سكانها في الجامع منبعا للعلم والتدين.
يقع هذا الجامع المسمى في الوقت الراهن ب”الأشراف”، أمام باب الوفا في قلب المدينة العتيقة لفاس. وتقول بعض المصادر التاريخية إن قبر الإمام إدريس الثاني، يوجد وسطه بعد اكتشافه بعد مدة طويلة من اختفائه فاقت 6 قرون أعقبت وفاته، إذ أعلن سابقا عن ظهور جسد والده إدريس الأول في كفنه، عكس ما تؤكده الرواية القائلة بدفنه في وليلي، وهذا سر الاحتفال بموسم المولى إدريس الأزهر.
دار القيطون أول مسكن للمولى إدريس في البدايات الأولى لبنائه فاس ومسجد الأشراف حيث كان يؤدي الصلاة، معلمتين تشم منهما رائحة تاريخ مدينة أعرق عربيا، مشكلا ثلاثيا مهما مع ضريحه الذي اتخذ مسجدا تقام فيه صلاة الجمعة، ووسع وعدلت بنايته في عدة ترميمات زادت إبان حكم الوطاسيين والسعديين والمرينيين والعلويين، قبل أن يفقد إشعاعه بعد بناء مسجد القرويين ونقل الخطبة إليه.
ورغم ذلك ظل الجامع والضريح محافظين على إشعاعهما الديني وعناصرهما البنيوية والمعمارية وخضعا عبر مراحل مختلفة إلى عمليات تزيين متواصل وتحويلات هامة، حتى القرن 14 الميلادي قبل إعادة بنائهما بمبادرة من الحاج المبارك مفتي مدينة فاس، قبل أقل من قرن على ترميمهما من قبل الوطاسيين الذين اكتشفوا حينها تابوت إدريس الثاني، قبل أن يتعرف رجال الدين وعلماء هذا العصر، على رفاته.
وكان للسلطان المولى إسماعيل دور كبير في ذلك، باعتباره من جهزه بالقبة الكبيرة الهرمية الخضراء الحاضنة للقبر الإدريسي المغطى “بقبة من الخشب المنحوت والمرصع بترصيعات نحاسية وذهبية، والمحاط بعواميد رخام أسود وأبيض” حسب ما ذكرت مصادر تاريخية تطرقت بالتفصيل اللازم للمعلمتين، وتحدثت عن تزيين هذا السلطان، الصحن بنافورة بديعة وتشييده مئذنة كبيرة متعددة الألوان.
وتعتبر هذه المئذنة الأعلى والأهم والأجمل والأشهر في المدينة العتيقة بفاس. وبنيت في عهد هذا السلطان الذي أولى اهتماما كبيرا بالضريح ومسجد الأشراف، كما خلفه السلطان المولى عبد الرحمان الذي بنى به مسجدا جديدا بموضع منزل شقشاق تميز سجله الزخرفي بالتنوع ما يتضح من بوابته الكاشف عن نقش و”كتابات حسنة التنسيق بألوان متعددة براقة ومتموجة تذكر بمجد الله ونبيه”.
ويشهد جامع الأشراف الصغير المبني في 808 للميلاد، على أول خطبة تاريخية للإمام إدريس فوق منبرها، بعدما انتهى من بناء المدينة، وذكرتها المراجع التاريخية لما رفع يديه ودعا لناسها بالأرزاق وأن يهديهم للخير ويكفيهم شر أعدائهم ويغمد عنهم سيف الفتنة والشقاق والنفاق، مبررا بناء المدينة بجعلها مكانا يعبد فيه الله ويتلى كتابه وتقام فيها حدوده وشرائع الدين الإسلامي وسنة النبي محمد.

> على غرار جامع الأشياخ، أقيمت الخطبة بهذا المسجد. لكنهما لما ضاقا بالمصلين لصغرهما وامتدادهما على مساحتين غير كافيتين لاحتضان كل الوافدين عليهما لأداء الصلوات، واستجابة إلى طلب ورغبة علماء وفقهاء فاس، نقلت الخطبة لجامعي الأندلس والقرويين، سيما في مطلع القرن الرابع للهجرة، لما عرف الجامعان زيادات مهمة خاصة في عهد أحمد بن أبي بكر الزناتي والي فاس.

حميد الأبيض (فاس)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى