fbpx
بانوراما

الرسول الإنسان … أنتم أعلم بأمور دنياكم

يحاجج عدد من الناس بأحاديث نبوية في قضايا معاصرة مرتبطة بشؤون دنيوية، ويعتبرونها تعاليم دينية يجب التقيد بها ولا يحق لمؤمن ومسلم مخالفتها، مستندين في ذلك إلى قوله تعالى “وَمَا يَنْطِق عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْي يُوحَى”.لكن هناك مجموعة من الأحداث تؤكد أن العصمة تهم ما أمر بتبليغه من وحي في شؤون العقيدة والشريعة، لكن اصطفاءه لتبليغ الرسالة لا يخرجه من طبيعة الإنسان، الذي يجتهد، فيصيب في بعض آرائه ويجانب الصواب في أخرى، كما توضحه مجموعة من الوقائع.

“أنتم أعلم بأمور دنياكم”، عبارة يتم ترديدها، لكن عددا من الناس لا يدري سياقها وقائلها. العبارة مأخوذة من حديث نبوي أخرجه مسلم في صحيحه عن رافع بن خديج رضي الله عنه كما ورد الحديث عن عائشة، زوج النبي رضي الله عنها.
ففي صحيح مسلم روي عن رافع بن خديج أنه قال: “قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم يأبرون النخل (بضم الباء وكسرها، أي يلقحون أعذاق إناث النخل بطلع ذكورها) فقال عليه السلام، “ما تصنعون؟” فقالوا شيئا كنا نصنعه في الجاهلية، فقال: «لعلكم لو لم تصنعوه لكان خيرا»، فتركوه، فنفضت النخل (أي لم تثمر)، فلما بلغ الأمر رسول صلى الله عليه وسلم قال «إنما أنا بشر، إذا أخبرتكم بشيء من أمر دينكم فخذوا به، وإذا أخبرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر».

وفي رواية عن عائشة رضي الله عنها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم “إذا أخبرتكم بشيء من أمر دينكم فإنما هو بوحي، وإذا أخبرتكم بشيء من أمر دنياكم فإنما أنا بشر، وأنتم أعلم بأمور دنياكم”، ورواه موسى بن طلحة عن أبيه مرفوعا بهذا النص: «إن كان ذلك ينفعهم فليصنعوه، فإنما ظننت ظنا فلا تؤاخذوني بالظن، ولكن إذا حدثتكم عن الله شيئا فخذوا به، فإني لا أكذب على الله”.

ويوضح المفسرون أن الرسول عليه الصلاة والسلام هاجر من مكة وهي بلدة غير ذي زرع ولا نخيل إلى المدينة الذي يوجد بها زرع ونخيل وشجر وبساتين، فوجد أهلها يلقحون إناث النخيل بطلع ذكورها، ويرجح أنه لنشأته بمكة لم يسبق له أن رأى ذلك ولم يكن يعرف علة التلقيح، فسألهم عن سبب فعلهم ذلك، فلم يشرحوا له بتفصيل أن زهر أنثى النخل لا يثمر إلا إذا لقح بطلع ذكر النخل، علما أن شجرة ذكر النخل مستقلة عن شجرة أنثاه، لذا لا بد من تدخل إنساني للتلقيح، واكتفوا بأن قالوا له أنهم توارثوا هذا العمل عن أسلافهم، فظن الرسول عليه الصلاة والسلام أن عملهم لا يستند إلى أساس تجريبي ويعتبر، بذلك، إسراف في الوقت والجهد، فقال لهم “لو لم تصنعوه لكان خيرا لكم”.

وظن أهل المدينة أن في رأي الرسول عليه الصلاة والسلام توجيه لهم، وكانوا أشد الناس امتثالا لأوامر الرسول وتوجيهاته، معتقدين أن نخيلهم يمكن أن يثمر بدون تلقيح، ما دام أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ارتأى أنه من الأحسن ترك هذه العادة، فتركوا التأبير، فحدث أن لم يثمر النخل في ذلك العام. ولما بلغ ذلك إلى رسول الله، قال لمن أخبروه إن ما أتحدث عنه من أمور الدنيا، فإنما أتحدث فيه برأيي ومبلغ علمي وخبرتي وتجاربي، وقد يكون لكم في بعض أمور الدنيا خبرات وتجارب لم تتح لي.

> يستفاد من هذه القصة أن ليس كل ما يتحدث عنه الرسول عليه الصلاة والسلام يكون بوحي من السماء ويكون من صميم رسالته، وأنه لا يكون كذلك إلا إذا اتصل بأمر من أمور الدين، أما إذا كان ذا صلة بأمور الدنيا فإنه يكون تعبيرا عن رأيه الخاص وخبرته ومعلوماته، ويكون شأنه شأن ما يصدر عن البشر.

عبد الواحد كنفاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى