fbpx
بانوراما

العثماني … السياسة بالتقسيط

“الصباح” تنشر حلقات  تشخيص نفسي وقراءة سلوكية لأشهر الوزراء والمسؤولين

عاشت أجيال من المغاربة مع بعض السياسيين سنوات كانوا فيها، وما زالوا، حاضرين بقوة، رافضين الانزواء أو الخروج من دائرة الضوء. شخصيات نعرفها من خطاباتها وتصريحاتها في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي. في هذه السلسلة، نعرّف القارئ على مجموعة من هذه الشخصيات، من زاوية مختلفة هي زاوية معالجة الخطاب غير اللفظي وتحليل ما خلف الحركة، تقدمها هند كاسيمي، الخبيرة في “الكوتشينغ” الاحترافي الخاص بالسياسيين ورجال الأعمال وفي الخطاب غير اللفظي و”الميديا ترينينغ”.

إنجاز: نورا الفواري

لا يهدر سعد الدين العثماني، رئيس الحكومة، طاقته في ما لا يفيد، ويعرف جيدا حسن تدبيرها، بما في ذلك الطاقة التي تشع من نظرته.
يتميز العثماني ببساطة وهدوء واضحين، كما يتمتع بصفة “العمودية” وبهيأة هادئة ومرتخية حتى في وضعية الجلوس. إن جسده مستقيم، رغم أنه يميل أحيانا إلى الأمام، إذا أراد تأكيد أهمية حجته وحديثه. أما ملامح وجهه، فتبدو غامضة أحيانا ويصعب رصدها أو ملاحظة ما يختفي من ورائها، خاصة حين يبتسم ابتسامته المتحفظة.

ليس من السهل فك شفرات تعابير وجه رئيس الحكومة. الاهتزاز الخفيف في شفته السفلى وتوسع حدقة عينيه، مثلا، يحيلان على ضغط خفيف. أما حين يختلس النظر إلى الأعلى أو الأسفل، فهو يحاول التنقيب والبحث عن مرجعية مخزنة داخل ذاكرته، وهو دلالة قلق عابر. مظاهر هذه التوترات، رغم قلة أهميتها، تعكس صراعا عاطفيا، إذ أن عقل الإنسان الواعي، عموما، يبذل ما في وسعه من أجل إخفاء عواطفه وانفعالاته.

حين يصافح العثماني بيده، يشعر الملاحظ أن قبضته قوية وديناميكية. أما حركة يديه، فغالبا ما تكون قريبة إلى الجسم وصغيرة وضيقة، ما يمكن أن يؤشر على أننا أمام شخصية انطوائية ومتحفظة، أو أن صاحبها في حالة توجس أو قلق. ف”الستريس” والقلق، يدفعان الإنسان إلى الحدّ من إشاراته وحركاته المعبّرة، وهو ما يضعف قدرته على التأثير ودفع الآخر/المتلقي، إلى تبني رسالته.
حين يأخذ الكلمة، يمسك، غالبا، بقلم بين يديه. وهو التوجه الذي نجده عند العديد من القادة والزعماء. ويتعلق الأمر بحركة نمطية عند الأشخاص المؤثرين، هي بمثابة “حاجز”. إنهم يعتبرون قلمهم سلاحا رمزيا يفترض أن يحميهم من خطر محتمل قد يواجههم.

لا يتحكم العثماني في طريقة اختياره لألوان لباسه، مع أنها تعتبر مهمة في التأسيس لوضعية معينة أو فرض حالة معينة. فاللباس جزء من عملية التواصل غير الشفوي، خاصة في عالم السياسة. إنه وسيلة من وسائل التأثير تحمل الكثير من الرمزية ومن عملية تجسيد السلطة. وغالبا ما يركز السياسيون على محتوى الرسالة، أكثر من تركيزهم على الشكل، مع العلم أن رجل السياسة يجب أن يكون مغريا ومثيرا للاهتمام ومقنعا ومؤثرا. ولكي يتمكن من ذلك، عليه أن يغلف كاريزميته وسلطته داخل “ستيل” وأسلوب معين، يشكلان قيمة مضافة، إلى جانب المهارات الأخرى التي يمتلكها. إن الخطابة عامل مهم بالنسبة إلى السياسي، لكن تأثير الخطاب في الجمهور يصبح أكثر فعالية حين يكون هذا السياسي يتمتع أيضا بالقدرة على إعطاء صورة مميزة عنه.

يتيه العثماني أحيانا في الشتات عندما يتعلق الأمر بسرد حكاية، إذ يحاول تجميع كل التفاصيل فيضيع في ثناياها، وهو ما قد ينقص من فعالية خطابه، على اعتبار أن التحكم في رواية الحكايات، خلال الخطاب، مفتاح أساسي بالنسبة إلى كل متحدث جيد. لكنه، بالمقابل، يمتلك سهولة وراحة في الحديث، ويوظف خطابا منسجما جدا سواء من ناحية الكلمات أو الحركة أو نبرة الصوت أو طريقة الوقوف أو الإشارات، وهي المميزات التي يعرف جيدا كيف يستعملها بطريقة محسوبة تجعل منه خطيبا جيدا.

طبيب في جبة فقيه

يكاد سعد الدين العثماني يشكل حالة منفردة في خانة السياسيين المغاربة. إنه من طراز رجال السياسة الهادئين، الذين تستحيل مهمة استفزازهم. وخلف ابتسامته الدائمة، تختفي “معاني التؤدة وجمال الصبر واتقاد البصيرة ونباهة لا تخطئها العين”، حسب أحد مقربيه. رأى النور في 1956 بإنزكان، التابعة ترابيا لجهة سوس ماسة، لأب فقيه عرف بجهوده من أجل إصلاح التعليم بالمدارس الدينية، هو الذي يعاني اليوم الأمرّين من أجل إنقاذ المدرسة العمومية. جمع في تكوينه بين دراسة الطب النفسي وعلوم الشريعة ودخل باب السياسة والعمل الحزبي من باب حركة دعوية، قبل أن يتدرج في المناصب داخل حزب العدالة والتنمية، ليصبح “بقدرة قادر” رئيس حكومة تائها بين تدبير خلافات “أغلبيته” وصراعات الأجنحة داخل حزبه.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى