حوار

هند كاسيمي: “الكوتشينغ” مهنة غير منظمة

الخبيرة هند كاسيمي قالت إن علاقة الكوتش والزبون تقوم على عقد واتفاق حول طريقة العمل والهدف المنشود

أكدت هند كاسيمي، الخبيرة في التنمية الذاتية والمهنية، أن مهنة «الكوتش» يجب أن تمارس بمسؤولية لأنها تتعاطى مع الإنسان. وقالت، في حوار طويل مع الصباح إن الفرق بينها وبين علم النفس هو التركيز على الحاضر والمستقبل، عكس المتخصص في علم النفس الذي يهتم بالماضي، مضيفة أنها مهنة غير منظمة قانونيا في العالم كله، وليس في المغرب فقط. المزيد من التفاصيل في الحوار التالي:

أجرت الحوار: نورا الفواري (تصوير: أحمد جرفي)

< هل يمكن أن تشرحي للقارئ طبيعة مهنتك «كوتش»؟
< “الكوتشينغ” كلمة جاءت من المجال الرياضي. دور “الكوتش” هو المواكبة ومرافقة الأشخاص الذين هم في حاجة إلى ذلك. الفرق بيننا وبينهم أن المواكبة التي نقوم بها ليست على مستوى الجسد، بل على مستوى العقل والنفسية.

< العديدون يختلط عليهم الأمر بين العلاج النفسي و”الكوتشنيغ”. ما الفرق بين المجالين؟
< لقد بدأ الجدل حول هذه المسألة منذ فترة طويلة. أستطيع القول إن الأمر يتعلق بطريقتين في العلاج. “الكوتشينغ” يشتغل على ما يقع اليوم، ويركز على الغد. إنه يهتم بالحاضر وبالمستقبل فقط، في حين أن علم النفس يشتغل على ما يقع اليوم وما وقع أمس. إنه يعود إلى الماضي لمحاولة إيجاد حل للمشكلة من المصدر. “الكوتش” لا يهتم بالماضي. ما يهمه الحاضر والمستقبل.

< الكل اليوم أصبح “كوتش”، إلى درجة أن البعض أصبح يتحفظ على هذه المهنة لأنها لا تتطلب تكوينا طويلا ويقول إنها أصبحت مهنة من لا مهنة له. كيف ترين الأمر؟
< مشكل المهنة هي أنها غير منظمة قانونيا. وأي شخص، في جميع أنحاء العالم وليس في المغرب فقط، يمكن أن يدعي أنه “كوتش”. هناك جمعية تمنح الاعتمادات وتصنف “الكوتش” إن كان معترفا به أم لا. بالنسبة إلي، هناك “كوتشات” ممتازون، لكنهم غير معتمدين، والعكس صحيح.

< وما هي شروط الحصول على هذا الاعتماد؟
< حسب المعهد الذي تابعت فيه دراستك وتكوينك. يجب أن يكون مركز التكوين معتمدا أولا ومنضما إلى مؤسسة “إنترناشونال كوتش فيديريشن”. بالنسبة إلي، يتعلق الأمر، أولا وقبل كل شيء، بالمسؤولية. مهنة “الكوتش” لها علاقة مباشرة بالإنسان، لذلك يجب أن تمارس بمسؤولية. صحيح أن عامل الربح مهم، لكن المسؤولية لا تقل أهمية. على “الكوتش” أن يعي أن من يجلس أمامه ويحتاج مواكبته، هو إنسان. وجانب المسؤولية الذي أتحدث عنه لا ينقص فقط في مجال “الكوتشينغ”، بل في جميع المجالات.

< كيف يمكن للشخص أن يفرق بين “الكوتش” الجيد وغير الجيد؟
< بالنسبة إلي هي مسألة “فيلينغ” أو إحساس. إنه عامل في غاية الأهمية. قد يكون “الكوتش” جيدا، لكن إذا انتفى “الفيلينغ” بينه وبين الطرف الآخر، الذي هو الزبون، يطرح مشكل. شخصيا، لا يمكنني أن أقبل زبونا إلا إذا شعرت بوجود رابط بيننا. يتعلق الأمر بعقد بين الطرفين. فأنا، ك”كوتش” لا أملك عصا سحرية أحل بها المشاكل. بل أحتاج إلى أن أفهم الزبون وحاجته ورغبته ونوعية التغيير الذي يريده. إن حياته مهمة بالنسبة إلي. وأنا هنا من أجل منحه الآليات الضرورية ومواكبته في هذه الفترة التي يشعر فيها أن الأمور ليست على ما يرام. أحيانا يسيطر “الكوتش” على المشكلة، لكنه لا يجد الرابط من أجل التعاطي معها. بالنسبة إلي، إنها مسألة احترام للذات. إننا في خدمة الآخر ومواكبته. يجب علينا أن نكون صريحين. “الكوتشينغ” مهنة لا يمكن ممارستها إلا إذا تخلصنا من “الإيغو”. يجب أن يكون الطرفان، “الكوتش” والزبون، متفاهمين. كل شيء يقوم على معادلة بسيطة هي أن الزبون لديه الرغبة والإرادة من أجل التغيير، و”الكوتش” يملك الكفاءة اللازمة من أجل الوصول إلى الهدف. هناك بعض الأشخاص لا يتوفرون على الاستعداد اللازم وبالتالي فلا يمكنني أن أحل مشكله بعصا سحرية. فإذا كان لا يرغب في تغيير نفسه، لست أنا من سيمكنه من ذلك.  يقتصر دوري على التحفيز ولكن العمل يجب أن يكون من الطرفين. في حين نجد أشخاصا لديهم الرغبة لكن “الإيغو” حاضر. على “الكوتش” أن يعرف كيف يتصرف من أجل تجاوز ذلك.

< هل اللجوء اليوم إلى خدمات “كوتش”، أصبح أولوية أم لا يزال مجرد ترف ونوع من “اللوكس”؟
< صراحة، هذا السؤال غير مطروح بالنسبة إلي. حين تكون متعبا أو تحس أن بك مرضا، تذهب إلى الطبيب مباشرة دون أن تطرح السؤال. يتعلق الأمر بصحة الشخص وبحاجته إلى أن يكون في حالة جيدة وفي إحساسه بأنه يحتاج إلى مواكبة.

< هل تحتاجين إلى “كوتشينغ” أحيانا؟ كيف تتعاملين مع مشاكلك الخاصة؟
< كلنا نحتاج إلى “كوتشينغ” في فترة من الفترات. الحياة “فيها الهابط وفيها الطالع” والكل يمر بفترات سهلة وأخرى صعبة. بالنسبة إلي، أتوفر على العديد من التقنيات الكافية التي تمكنني من مواكبة نفسي بنفسي، لكن حدث أن وقعت في مشكل، ولأنني لم أكن متجردة تماما أو على مسافة مناسبة منه، طلبت المواكبة و”الكوتشينغ”. كان الأمر يتعلق بابني. كنت واعية بما يقع لكن غلب جانب الأم على جانب “الكوتش”. يحدث لنا جميعا أن نسقط ونعيش كبوات. الفرق بيننا، نحن المتخصصين في التنمية الذاتية، وبين أي شخص آخر، هو في المدة التي يستغرقها كل منا قبل النهوض من جديد وفي التقنيات التي يوظفها. إذا كان الشخص “العادي” قد يستغرق شهرا من أجل تجاوز مشكل ما، فيمكن ل”الكوتش” أن لا يأخذ منه سوى يوم واحد على أقصى تقدير لأنه يملك الأدوات الكافية من أجل تجاوزه. بدل أن أستمر في دور الضحية، أقول لنفسي أنا بطلة حياتي وأتعامل على هذا الأساس. الحياة لا يجب أن تكون وردية فقط، وإلا ستكون مبعث ملل. لا أظن أننا نتطور حين تكون الأمور جيدة، بل حين نشعر بأننا لسنا على ما يرام.
< لماذا؟
< لأنه يعتمد على الحركة (الأكشن) و”الشو” (الفرجة). كل شيء فيه مباح، إذ يمكن ل”الكوتش” مواكبة الزبون مهنيا، دون أن يمنعه ذلك من الخروج بصحبته والاستمتاع أو الرقص أو القفز واللعب معه… إنها الثقافة الأمريكية التي يمكن أن تصدم في المغرب.
< هل يمكن القول إن لكل ثقافة نوعية من “الكوتشينغ” الخاص بها مثلا؟ وما هي طريقتك الخاصة التي تفضلين الاشتغال من خلالها؟
< هناك خيط رابط بين جميع أنواع “الكوتشينغ”. الاختلاف فقط يكون في كيفية التعاطي مع الزبون. لدينا خارطة طريق وأدوات موحدة، لكن التقنيات متعددة ومختلفة. هناك من يفضل المدرسة الفرنسية وهناك من يحب الاشتغال على الطريقة الأمريكية… بالنسبة إلي، أستعمل تقنيات متعددة وأمزج بينها حسب كل حالة. هناك تقنيات معينة قد تناسب شخصا ما، لكنها لا تناسب غيره. المهم هو تقديم الخدمة للزبون كما يجب والوصول معه إلى الهدف. لا تهم الطريقة أو التقنية المستعملة. وغالبا ما أختار تقنية دون غيرها اعتمادا على إحساسي. لا يكون لدي تفسير معين. مثلا بالنسبة إلي، أحب أن أستقبل زبوني شخصيا في الباب. لأنني أبدأ “الكوتشينغ” منذ اللحظة الأولى التي أستقبله فيها. علي أن أحدد طاقته ومشاعره وأفكاره قبل أن يجلس أمامي.

< أنت حاضرة بقوة في مواقع التواصل الاجتماعي ولديك نسبة متابعين مهمة.  لماذا اخترت العالم الافتراضي؟
< اختياري نابع من الدور والتأثير الذي أصبح اليوم لدى مواقع التواصل الاجتماعي. وباعتباري “كوتش” مواكبة ما يقع وأتوجه إلى العديد من الفئات والأعمار. الهدف هو التعريف بنفسي وبما أقوم به، خاصة في ظل معلومات كثيرة خاطئة عن المهنة، وفي ظل وجود عدد قليل من النساء “الكوتشات” المعروفات إعلاميا، فكبار الأسماء المعروفة في هذه المهنة رجال. أريد أن أقول إننا أيضا لدينا ما نقوله وما نقدمه.

< هل لأنك امرأة تصادفين مصاعب في مهنتك؟ هل يثق فيك الزبون بسهولة أم يفضل استشارة “كوتش” رجل، ربما لأن الطبيعة جعلته أكثر سيطرة على مشاعره وانفعالاته من المرأة؟
< لا، صراحة لم ألمس ذلك. شخصيا، لا يمكنني الحديث عن صعوبات. تكمن الصعوبة في العمل المقاولاتي بالنسبة إلى المرأة. الزبون الذي يطرق بابي إما يبحث في عن جانب الأم أو الأخت الكبرى أو الصديقة، أو هو في حاجة إلى الخروج من وسطه الذكوري. بالنسبة إلي، ليس هناك فرق بين امرأة ورجل. الكفاءة هي المعيار والحكم. لم أطرح السؤال يوما على نفسي. وأظن أن زمن “الراجل والمرا” ولّى وأدبر.

من 500 درهم إلى 4000

< كم تستغرق مدة حصص “الكوتشينغ”؟ وما أسعارها؟
< ليست لدينا مدة معينة. كل شخص حر في اختيار المدة التي تناسبه بناء على العقد والاتفاق الذي عقده مع “الكوتش”، إذ يحددان معا هدفا معينا يجب الوصول إليه والطريقة التي يجب الاشتغال بها. حصصي مثلا تبدأ من ساعة إلى ساعتين، حسب الحالات. بالنسبة إلى رجل أعمال مثلا، يحتاج من ثلاث إلى أربع ساعات. إذ بالكاد يستطيع في ظرف ساعتين أن يتخلص من عالمه الخارجي ومواعده واتصالات هاتفه المحمول وضغطه. لذلك يحتاج إلى أكثر من هذه المدة. ساعة أو ساعتان ليست مناسبة لا لي ولا له. بالنسبة إلى الأسعار، فليست هناك تعريفة محددة، بل تختلف حسب نوعية “الكوتشينغ”، هل هو “لايف بيزنس” أو “برو” أو “كوربوريت”. يمكن للأسعار أن تبدأ من 500 درهم لتصل إلى 4000 درهم للحصة الواحدة.

“كوتشينغ” بدافع الاكتئاب

< كيف بدأت علاقتك ب”الكوتشينغ”؟ وما سبب اختيارك هذه المهنة؟
< تزوجت في سن 20 سنة وأنجبت طفلين. كنت أقوم بما يتطلبه المجتمع والعادات والتقاليد مني. في سن 22 سنة أصبت باكتئاب، وهي الحالة التي جعلتني أطرح الكثير من التساؤلات وأحاول الفهم، لأنني بطبعي شغوفة بالمعرفة والفهم. كان السؤال الأساسي الذي قادني إلى هذه المهنة هو ماذا وقع لي؟ وما هي الميكانيزمات التي انطلقت في جسدي وعقلي وجعلتني أصاب بالاكتئاب؟ بعد محاولات عديدة وأجوبة كثيرة، قررت أن أعود إلى صفوف الجامعة وإلى التحصيل الأكاديمي. كان عمري حينها 30 سنة. اخترت المجال الذي أجد نفسي فيه وهو السلوك البشري والإنساني. دخلت جامعة علم النفس في باريس، ثم التحقت بعدها بتكوين ومنهج دراسي قصير في العلاجات البديلة، خاصة “الكوتشينغ”. أحب الاشتغال بطرق وتقنيات متعددة وأحاول الإبداع ما أمكن في طريقة مواكبتي للزبائن، لذلك أحببت “الكوتشينغ” على الطريقة الأمريكية.

الطلب موجود والإقبال كبير

< هل هناك إقبال على خدمات “الكوتشينغ” وما هي نوعية زبائنه؟
< الإقبال موجود والطلب موجود من فئات اجتماعية مختلفة. هناك حالات لم أكن أتصور يوما أن أستقبلها هنا في المغرب، ل “كوبلات” يحاولون إصلاح حياتهم الجنسية وأزواج وشركاء يرغبون في إيجاد حل لمشكلتهم لأنهم متمسكون بالطرف الآخر. وغالبا ما تكون المبادرة من الرجل نفسه الذي يطلب أن يقوم ب”الكوتشينغ” هو وشريكته، معا. أستطيع أن أقول إن هناك طلبا وحاجة حقيقية وانفتاحا نسبيا. بالمقابل، لا يزال بعض الأشخاص يعتقدون أنهم لا يحتاجون أحدا من أجل مواكبتهم. والبعض الآخر يكتفي بقراءة كتاب حول التنمية الذاتية ليشعر أنه فهم كل شيء، في حين أن “الكوتش” يحتاج إلى تعلم الأشياء الجديدة كل يوم. لأن الأمر يتعلق بالإنسان وسلوكه، ولأنه عالم يتغير ويتحرك دائما.

في سطور:

– “كوتش” وخبيرة في التنمية الذاتية والمهنية.
– فتحت عيادتها بالبيضاء قبل ثلاث سنوات.
– حاصلة على دبلوم في علم النفس من جامعة باريس.
– حاصلة على تكوين وتدريب في مجال “الكوتشينغ” في العديد من المراكز المتخصصة بفرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.
– صاحبة منهج “القوة الداخلية والقيادة” (تادوسي نوغنيس أوف أمزوارشيب).
– صاحبة قناة “هند تي في” على “يوتوب”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض