fbpx
حوادث

العمل القضائي والإدارة القضائية

عمل كتابة الضبط قابل للتنسيق بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية (3/2)

بقلم: الجيلالي مكوط *

إن من شأن فرض سلطة المسؤولين القضائيين على موظفي كتابة الضبط في إطار ممارسة أعمال الإدارة القضائية ذات الطابع شبه القضائي، أن يؤدي إلى المساس بحقوق الدفاع، وضمانات الحياد سواء منه الحياد الإيجابي أو السلبي، والمثال ينطبق على تحرير محاضر الجلسات والبحوث ومحاضر الاستنطاق ومحاضر إجراءات التحقيق، حيث يعتبر فيها كاتب الضبط شاهدا على الجميع ويباشر تحرير هذه المحاضر في إطار ما يروج أمامه وما يشهد به، وفق الآليات والضوابط المعمول بها، في إطار تحرير هذه المحاضر، دون إملاء أو ضغط من أي جهة كانت، ولكنه مع ذلك ينبغي أن ينضبط لقواعد تسيير الجلسات والأبحاث والتي تعتبر فيها السلطة القضائية “رئيس الهيأة أو القاضي المقرر أو المكلف بالقضية” صاحبة الإشراف والتسيير.
إضافة إلى ذلك، فإن إجراءات التبليغ والتنفيذ باعتبارها أعمالا من أعمال الإدارة القضائية ذات الطابع الشبه قضائي، تعتبر هي الأخرى مجالا مشتركا بين السلطة القضائية والسلطة التنفيذية الممثلة في الوزارة المكلفة بالعدل، والتي يستدعي المنطق القانوني السليم مباشرتها من طرف السلطة التنفيذية بما تملكه من وسائل القهر والإجبار تحت إشراف السلطة القضائية، ضمانا لحسن سيرها ورفعا لكل صعوبات قد تعتريها سواء من الناحية القانونية أو المادية.
ويمكن في هذا الإطار اعتماد معيار مادي موضوعي للتفريق بين الأعمال القضائية ذات الطابع القضائي المحض، وأعمال الإدارة القضائية، وهو المتعلق بطرق الطعن والتظلم من كل عمل على حدة، إذ أن طرق الطعن في العمل القضائي المحض قد حددتها القوانين المسطرية من ق.م.م وق.م.ج وباقي القوانين ذات الصلة، في حين أن الطعن في قرارات وأعمال الإدارة القضائية يكون وفق قواعد القانون الإداري أمام السلطة الرئاسية المعنية وأمام المحاكم الإدارية المتخصصة.
وللتدليل على ذلك، فقد ذهبت محكمة النقض في قرار لها عدد 59 بتاريخ 16 ابريل 2014 في الملف الإداري عدد 3398/4/2013 بأن أعمال الشرطة المتعلق بتسخير القوة العمومية تعتبر أعمالا إدارية قابلة للطعن بالإلغاء للشطط في استعمال السلطة أمام المحاكم الإدارية، حيث جاء في القرار:”تسخير القوة العمومية لتنفيذ الأحكام المدنية ليس إجراء قضائيا، وإنما هي إجراءات إدارية ترتبط بميدان الشرطة الإدارية، وأن ما تصدره النيابة العامة في هذا المجال عملا بالفصل 433 من ق.م.م يشكل قرارات إدارية قابلة للطعن بالإلغاء للشطط وتختص بالنظر في مشروعيتها المحكمة الإدارية “.
وقد شرح قرار المحكمة الدستورية بشكل مستفيض مفهوم الإدارة القضائية، إذ قسمه إلى ثلاثة مستويات : على مستوى الدستور (الفصل 89 )، وعلى مستوى القانون التنظيمي للمجلس الأعلى للسلطة القضائية (المادة 54 :الهيأة المشتركة، م71 : مقابلة انتقاء المسؤولين القضائيين وضرورة تقديم تصوراتها حول كيفية النهوض بأعباء الإدارة القضائية، م 72 :تقارير وزير العدل حول أداء المسؤولين القضائيين، م110 : تقرير وزير العدل أمام المجلس الأعلى حول سير وأداء الإدارة القضائية)، وجعل بالتالي المسؤولين القضائيين في إطار ممارسة المهام التي يضطلعون بها لا يتولون سلطة ومراقبة تدبير الإدارة القضائية، بل يشرفون فقط على حسن سير عملها.
و أقر القاضي الدستوري من خلال الحيثية 19 التي عالج فيها القاضي الدستوري رسالة الإحالة من حيث الموضوع (الصفحة 8 من قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19)، أن المهام الإدارية والمالية هي صلب موضوع الإدارة القضائية، ولا تمتد للعمل القضائي “والذي قصد به عمل القضاة أو الشأن القضائي كما أسماه القرار”، الذي يخضع لسلطة ومراقبة المسؤولين القضائيين في إطار مبدأ استقلال القضاء، حيث جاء في الحيثية :”وحيث إنه، يَترتب عن ذلك، أن ازدواجية المسؤولية بالمحاكم، المنصوص عليها في المادة السابعة (الفقرة الأولى) من القانون، تَنحصر في المهام الإدارية والمالية للإدارة القضائية، ولا تمتد لعملها القضائي الخاضع للسلطة المباشرة للمسؤولين القضائيين دُون سِواهم”.
إذن، نستنتج من خلال ما سلف أن قرار المحكمة الدستورية رقم 89.19 الذي عالج فيه رسالة الإحالة من حيث الموضوع قد ميز بين ما أسماه بالشأن القضائي وهو العمل القضائي لقضاة الأحكام وقضاة النيابة العامة، والذين يظلون خاضعين فيه للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وبين الإدارة القضائية والتي تعتبر مجالا مشتركا بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية.
وعليه، فإن عمل كتابة الضبط سواء اتخذ طابعا إداريا محضا أو ماليا أو شبه قضائي، يبقى مندرجا في الشأن المشترك للإدارة القضائية والقابل للتنسيق بين السلطة التنفيذية والسلطة القضائية، باعتبار موظفي كتابة الضبط – حسب منطوق القرار – من مساعدي القضاء، وإلا لتوجب إخضاع باقي مساعدي القضاء من محامين ومفوضين وخبراء وتراجمة لسلطة ومراقبة المسؤولين القضائيين، وهو ما سنعمل على توضيحه في النقطة الثانية من هذا المقال.
العمل الإداري والمالي وشبه القضائي أو الإدارة القضائيـــة
في إطار معالجته الموضوعية للمواد 7 و19 و23 من مشروع قانون التنظيم القضائي رقم 38.15، أكد القاضي الدستوري على أن هيأة كتابة الضبط تتميز عن باقي الإدارات العمومية بممارسة بعض المهام شبه القضائية، حيث جاء في الحيثية :” وحيث إنه، إلى جانب الأعمال الإدارية والمالية للإدارة القضائية، فإن هذه الأخيرة، تتميز عن باقي الإدارات العمومية، في أدائها لعمل موسوم بالطبيعة القضائية، ما يُضفي خصوصية على نشاط مرفق العدالة قياسا بباقي المرافق الإدارية الأخرى، فتلقي الشكايات، على سبيل المثال، والمحاضر والمقالات وتحرير الاستدعاءات وحضور الاستنطاق وتحصيل الرسوم القضائية وأداء مهام التبليغ والمشاركة في هيأة الحكم وتحرير محاضر الجلسات وعمل التنفيذ، أعمال تندرج في خانة الولوج إلى العدالة وإجراءات التقاضي، مما يُسبغ صفة مساعدي القضاء على هيأة كتابة الضبط المشكلة للمورد البشري للإدارة القضائية”.
وعليه، فإن الإدارة القضائية تكون مشكلة حسب الحيثية أعلاه من ثلاثة مكونات أساسية : هيأة كتابة الضبط وهي المكون الرئيسي، الكاتب العام باعتباره الرئيس التسلسلي لهذه الهيأة، والمسؤولين القضائيين باعتبارهم المشرفين على المكونين معا.
* الكاتب العام للهيأة الوطنية للمسؤولين الإداريين لوزارة العدل

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى