حوار

لموير: “بيجيدي” يتخبط في أزمة أخلاقية

لموير: الاتحاد الاشتراكي أفرغ من قيادات ذات مصداقية والأحزاب الوطنية تعاني أزمة بنيوية

فسرت شريفة لموير، عضو المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية والمجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، الحضور القوي لحزبي التجمع الوطني للأحرار والعدالة والتنمية، بأنه نتيجة حتمية لأفول نجم الأحزاب الوطنية التي قالت إنها تعاني أزمات بنيوية، دون أن يعني ذلك أن الساحة السياسية الوطنية بخير، مؤكدة أن المشهد ككل سريالي يفتقد إلى الجدية والعمق في أغلبه. في الحوار التالي حاولت الباحثة في العلوم السياسية، تحليل المشهد السياسي، وتفكيك العلاقات بين الأحزاب وعلاقتها بقيادتها، والأدوار التي تلعبها في السباق الانتخابي.

أجرت الحوار: هجر المغلي – تصوير: ( عبد المجيد بزيوات)

<  في ظل الأحداث والتصريحات السياسية الحالية، هل أصبحنا أمام حتمية تنافس ثنائي بين “بيجيدي” والأحرار في أفق الانتخابات المقبلة؟
< طبيعي أن يظهر هذا التوجه، الذي يتحدث عنه الناس في كل مكان رغم أن المشهد السياسي متحرك ومتغير لكن الزمن الذي يفصلنا عن الانتخابات يتسارع. ورغم فراغ الساحة السياسية إلا أن حزبي العدالة والتنمية والتجمع الوطني للأحرار هما الأكثر حضورا في مشهد سياسي سريالي، يفتقد إلى الجدّيّة والعمق في أغلبه، ويسوده الكثير من التخفّي والمواربة، ومستوى عال من الغموض السياسي، بدون أي رهان ولا مدلول سياسي.
ولعل السمة الغالبة هي ممارسة كل طرف سياسي، التكتيك بدون استراتيجية واضحة. صحيح أن الأغلبية الحكومية  مقسمة إلى تكتلين. تكتل العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية يقابله تكتل رباعي: التجمع الوطني للأحرار، الاتحاد الدستوري، الحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، لكن المعارضة بدورها  مقسمة، فالأصالة والمعاصرة يعارض جزءا من الأغلبية ممثلة في العدالة والتنمية والتقدم والاشتراكية، وحزب الاستقلال في معارضة الأحرار الذي حال بينه وبين الدخول للحكومة، فيما يعتبر حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية أكبر الخاسرين وأكبر الغائبين عن الساحة بفعل نتائج المؤتمر العاشر وإفراغ الحزب من قياداته ذات المصداقية، التي تستطيع أن تساهم في ولادة جديدة للحزب، خصوصا بعد التراجعات السياسية والانتخابية التي شهدها الحزب .
< ما الذي يفسر مراهنة حزب الحمامة على تصدر الانتخابات المقبلة بعدما حل رابعا في الانتخابات السابقة؟
< مع الأسف حزب التجمع الوطني للأحرار يعيد إنتاج تجربة حزب الأصالة والمعاصرة في محاولة لاستمالة بعض الأدوات الانتخابية والقوى الإعلامية لصناعة رأي عام مؤمن بتنافسية الحزب خارج القواعد المتعارف عليها في العمل الحزبي والانتخابي، بعقد اللقاءات الجماهيرية المبالغ فيها أحيانا وتصدير خطاب النصر. لكن الواقع لا يقول هذا، رغم أن الأزمة الطاحنة داخل العدالة والتنمية كانت ستفيد في التأثير لصالح البديل الذي لم يظهر لحد الآن، نظرا للضعف الذي تعيشه الأحزاب الوطنية التي تعاني أزمات بنيوية، تظهر بشكل جلي في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي لا يزال يشكو من تصدعات صراعات المؤتمر العاشر، وقبلها المؤتمر التاسع وعجز قيادته عن كسب ثقة المناضلين والمواطنين، بالإضافة إلى ضعف أدائه  الحكومي وشبه اختفاء وزرائه من الساحة، بعدما تورطوا في اختيارات حكومية أبعدت الحزب تماما عن تلبية انتظارات المواطنين وأزمت صورته أمام الرأي العام وأمام المواطنين.
أتحدث عن الاتحاد الاشتراكي خصوصا، لأنه الحزب القادر على تقديم تصور بديل لما نعيشه اليوم، والحزب الذي يمكن أن يستفيد من الأزمة الأخلاقية التي يتخبط فيها حزب العدالة والتنمية والذي تحول إلى حلبة صراع  بين جناحين  داخلهما، القاسم المشترك بينهما يتمثل في عدم القدرة علي تحويل الصراع إلى صراع مشاريع، وهو أمر طبيعي يوضح عدم توفر الجناحيين معا على كفاءات سياسية وتدبيرية مما يجعل التنافس لا يخرج عن التنابز .

< ما الذي يفسر تراجع الحزب الثاني انتخابيا، أي حزب الأصالة والمعاصرة، إلى الخلف مفسحا المجال لحزب الأحرار؟
< الأمين العام الحالي للأصالة والمعاصرة حكيم بنشماش صحيح أنه كان من الجيل الأول المؤسس للحزب، لكنه الآن يدبر مرحلة إلياس العماري. و الحزب عوض أن يكون متصالحا مع مشروعه الذي أنشئ من أجله صار حزبا أقرب للأحزاب العرقية، حيث هيمنت دوائر بقايا اليسار الجذري التي تحاول الاستفادة أكثر، أو بالأحرى التعويض عن سنوات الصراع،  ونخبة الأعيان التي تبحث عن رأس قوي يحمي مصالحها، وهي قوة انتخابية لهذا فإن الحزب ظهر فعلا متفسخا، والأمين العام الحالي يدبر مرحلة ما بعده.

< هل تكفي التطورات الحالية وارتفاع منسوب الاستياء من الأداء الحكومي لتوقع خسارة “بيجيدي” لموقع الصدارة؟
< من السابق لأوانه الحديث عن خسارة العدالة والتنمية جراء الأزمة الاجتماعية، لأن أسلوب العدالة والتنمية في التملص من المسؤولية يجعل الرأي العام يعتبره غير مسؤول، ويدفع شرائح كبرى من المصوتين إلي العزوف. وهناك قاعدة انتخابية هامة مع الإسلاميين عموما، وكلما كان العزوف أكبر، كلما كانت فرصتهم أكبر، لأنهم يتوفرون على قاعدة انتخابية ثابتة، تصوت من أجل الدين وليس من أجل التدبير.

هوس المنخرطين

< وماذا عن انعكاسات بوادر هذا الشرخ على الاتحاد الاشتراكي؟ هل يمكن اعتباره المستفيد الأكبر؟
<  تحول حزب القوات الشعبية من فضيلة صراع الأفكار والتقدم والتغيير إلى رذيلة الهوس بعدد المنخرطين واستقطاب التابعين الذين تقتصر معرفتهم بالحزب على الاسم وبعض المعلومات البسيطة التي تكون خاطئة في أغلب الأحيان. هذا التشوه الخلقي للتنظيم كرس ثقافة الفرد المهيمن.
إن الاتحاد حاجة مجتمعية لتحقيق التوازن، الأمر الذي يحتم التحيين والتجدد والمكاشفة لمسايرة الزمن الدستوري الذي أسس للديمقراطية التشاركية وحقوق الأقلية. هذا التحول يفرض خلخلة المدارك القديمة والتخلص من الوهم وعقدة المؤامرة.

التحالف الحكومي على المحك

< نلاحظ بوادر تململ لتفكيك الرباعي الحزبي الذي تشكل حول الأحرار، من خلال تحركات حزب الاتحاد الدستوري، ما دلالة ذلك؟
< الرباعي  الحزبي الذي أشرتِ إليه لم يكن سياسيا بل كان تدبيريا، وما سميته تفككا، سيرخي بظلاله على المشهد السياسي المغربي،  تصعيدا للمواقف قبل التعديل الحكومي الموسع الذي يروج الحديث عنه وانتخاب هياكل مجلس النواب وسعي كل طرف أن تكون غنائمه أكبر، وهي محطة يمكن  أن تقاس بها مدى  صلابة التحالف الحكومي، ويمكن أن تؤدي إلى تفكيك المشهد وإعادة تشكيله من جديد، وسيكون الجميع في مرمى الجميع.

المشهد السياسي يمكن نعته “بالإكشوانية”

< في مقابل محاولات حزب الاستقلال استرجاع وهجه السياسي مستثمرا موقع المعارضة، هل يتجه الاتحاد الاشتراكي نحو مزيد من التراجع؟
< إن حزب الاستقلال له آلياته الانتخابية، والتقلبات التي يعرفها تكاد  تكون عودة للأصل من خلال بروز عائلة آل الفاسي وتحالفها مع المكون الصحراوي، خلافا للاتحاد الاشتراكي الذي هو حزب فكرة، لهذا يطلب منه أكثر من غيره ضرورة  طرح رؤية واضحة ومحددة للتغيير الحداثي في المغرب، بجعل الاتحاد حاملا لتطلعات  القوات الشعبية. ومن دونه ستظل الطبقات الشعبية محاصرة بين نزعة وصولية ذات رؤية ضيقة ونزعة خرافية باهتة ونزعة ظلامية ونزعة عدمية، والقواسم المشتركة بين هذه النزعات هي افتقادها روح الإبداع إزاء المشاكل الداخلية والتغييرات العالمية.

< بعد الضربات التي تلقاها حزب التقدم والاشتراكية، هل يمكن القول إن اليسار سيفقد آخر مواقعه في الحقل السياسي المغربي؟
<  التقدم والاشتراكية لم يعد الورقة السياسية المهمة في الحكومة بعد دخول الاتحاد الاشتراكي طرف في الأغلبية. والملاحظ أن حزب التقدم والاشتراكية رغم هويته التقدمية والاشتراكية، فإنه في حكومة بنكيران لم يحتج على السياسة اللبيرالية، ووزراؤه لم يعطوا النفحة الاجتماعية، بل ساندوا تحرير المحروقات والاقتطاعات وتمرير إصلاح التقاعد…و جلها إصلاحات ضربت القدرة الشرائية للجماهير الشعبية.
في المقابل فإن الحزب نفسه، لم يتقبل إقالة أمينه العام وبعض وزرائه، الذين أثبت تقرير المجلس الأعلى للحسابات تقصيرهم في مشروع الحسيمة منارة المتوسط ، معتبرا التقرير غير مقدس، دون أن يتبعه ذلك خروج من الحكومة. وبالتالي فإن وجوده  في الحكومة بمنطق الغنيمة وليس المشروع، يسعى نبيل بنعبد الله من ورائه الحصول على ولاية ثالثة مكرسا  ديمقراطية الثبات، رغم أن جوهر هويته التقدمية يقوم على التغيير والاشتراكية والحداثة، وترسيخ الديمقراطية فقط في شقها الإجرائي، دون أي حمولة قيمية.
إن الوضع في التقدم والاشتراكية هو نموذج يعبر عن واقع المنظومة الحزبية، التي أضحت بلا لون ولا مذاق هوياتي، عبر تكريس أحزاب الأفراد التي تفرز تعلقا عاطفيا بشخصية قيادية، تحت مبرر تحقيق مكاسب بالحصول على حقائب وزارية تتجاوز وزنها الشعبي.
هنا يظهر القاسم المشترك بين جميع القيادات الحزبية، وهو التكتيك السياسي، والوجود في الحكومة كهدف لذاته وليس كوسيلة لتطبيق مشاريع اقتصادية أو قيم سياسية، وهذا ما يضرب في العمق منطق التداول السياسي ويتعارض مع مبدأ دوران النخب داخل المنظومة الحزبية، التي  تعاني أعطابا بفعل واقع سياسي شديد التعقيد. ومن تجليات ذلك بروز العديد من القضايا والظواهر، بعضها طارئ عن الفعل السياسي، والبعض الآخر معتاد عرفه الفعل السياسي في السابق.

< ننتقل إلى البيت الداخلي لحزب الوردة، كيف هي الأوضاع؟
<  الآن في الاتحاد ليس هناك رهان سياسي حقيقي، و دعوة الأمين العام إلى المصالحة، توضح بعمق ممارسات حزب الفرد، لأن الخلاف سياسي وليس شخصيا، وهذا ما يجعل خرجاته لا تتجاوز كونها مناورة سياسية تحقق طموحاته من أجل الحصول على حقيبة وزارية خلال التعديل الحكومي الموسع المرتقب.
وما ينجز حاليا هو محاولة إثارة حراك تنظيمي بغرض تقوية موقفه التفاوضي مع رئيس الحكومة، من خلال إشهار ورقة  الانسحاب من الحكومة  من أجل الضغط على رئيس الحكومة.

< تعرف المنطقة العربية موجة احتجاجات شعبية جديدة، كيف يمكن لذلك ان ينعكس على المغرب؟
< المغرب ليس ببعيد عن الحراك الإقليمي ومدعو إلي تحول يعيد المصداقية للفعل السياسي، وما يحصل الآن  في المشهد السياسي المغربي يمكن نعته  ب”الإكشوانية” السياسية أي البحث عن البوز الإعلامي بدون أساس فكري ولا سياسي، وهذا هو  أكبر خطر يهدد المنظومة الحزبية ككل.

في سطور

– من مواليد الرباط سنة 1986
– ماستر  في الدبلوماسية من جامعة محمد الخامس الرباط
– الإجازة في العلوم السياسية من جامعة القاضي عياض مراكش
– عضو المكتب الوطني للشبيبة الاتحادية
– عضو المجلس الوطني لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية
– باحثة في العلوم السياسية
عضو مجلس جامعة محمد الخامس -الرباط
– مهتمة بشؤون الدراسات الدولية والاستراتيجية.
– لها عدة تجارب  في الشأن الثقافي والسياسي وطنيا ودوليا
– مشاركة في عدة  أنشطة علمية وسياسية داخل وخارج المغرب
– فاعلة سياسية و حقوقية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض