حوار

إصلاح التعليم طاله التشويه

اليوسفي قال إن قانون الإطار كشف الاختلافات العميقة بين الأحزاب الحكومية
قال عبد اللطيف اليوسفي الخبير في قضايا التعليم والتربية على حقوق الإنسان إن إصلاح التعليم اختيار سياسي ومسؤولية سياسية، تتطلب إرساء آلية للتعاقد المنتج، واعتبر المسؤول التربوي أنه كلما ارتفع منسوب الصراع السياسي ارتفع منسوب الصراع حول المدرسة، مشيرا إلى أن قرار التربية ظل شعارا دون التزامات، كما تطرق إلى مواضيع أخرى تجدونها في هذا الحوار.

< في كل مرة يتجدد فيها النقاش حول إصلاح التعليم بالمغرب، منذ أزيد من ستين سنة، نشعر وكأننا سنبدأ من الصفر.. هل يتعلق الأمر بمسلسل إخفاقات تتكرر دون تراكم يتحقق؟
< من يرجع إلى تاريخ المغرب منذ القرن 19 يجد صيحات كثيرة نادت بالعناية بمجال التعليم، وظهرت العديد من المبادرات الرسمية مثلما كان في عهد الحسن الأول وبعثات الطلبة المغاربة إلى الخارج وكانت هناك مبادرات غير رسمية من بعض العلماء المتنورين وخاصة أولئك الذين احتكوا بالغرب أو المشرق و الذين وعوا مبكرا بأهمية التعليم ولكن صيحاتهم ذهبت في وادي المحافظة الجارف.
وإثر الاستقلال تشكلت سنة 1957 اللجنة الملكية لإصلاح التعليم التي انبثقت عن أشغالها وامتداداتها المبادئ الأربعة. بالتالي فإن أول ملف سيعرف الصراع وسيتوجه إليه التركيز هو التعليم.
واستمر الصراع إلى اليوم تخللته بعض فترات التوافقات السياسية التي انعكست على التوافق حول التعليم، مثلما وقع في بلورة الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 مع أجواء حكومة ما سمي "بالتناوب التوافقي". ورغم أن هذه المحاولات كلها كانت لها نتائج وواكبتها تحولات نسبية وأخرى مهمة إلا أن الإصلاح المطلوب لم يدخل القسم إلا لماما ونسبيا.

< ما هي هذه الإصلاحات؟
< هناك مثلا إصلاح المناهج والبرامج بإصدار الكتاب الأبيض، وتغيير المقررات والكتب المدرسية التي عرفت التعددية والتنوع، وطال الإصلاح الامتحانات وأساليب التقويم، وتغيرت الخرائط المدرسية وتم استدراك العجز الحاصل في نسبة التمدرس، إذ انتقلت النسبة العامة مما يقارب 70إلى 96 في المائة. وهي نسبة هامة ستحد منها موجات الهدر المدرسي وما واكبها من محاولات للتربية غير النظامية وبرامج استرجاع المتسربين. ومما يسجل من تحولات مهمة أن ورش الجهوية انطلق بإرساء الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والشد والجذب الذي واكبه وما يزال بين المركزية المفرطة والجهوية الموسعة إضافة إلى تغييرات في التعليم الجامعي لم تكن دوما موفقة.

< لماذا لم تتوفق هذه الإصلاحات في بلوغ أهدافها؟
< أكيد أن محاولات الإصلاح أطلقت ديناميات مهمة وقوية ولكن الإصلاح لم يجد سنده السياسي القوي ولم يعرف التعبئة المجتمعية الشاملة المطلوبة وبقي قرار التربية أولوية وطنية شعارا دون التزامات ملموسة ودون التعبئة الوطنية الضرورية، ومنذ 2015 ونحن ننتظر إطلاق ديناميات قوية لإصلاح المنظومة وفق ما صاغته الرؤية الإستراتيجية التي يعتبر الميثاق مرجعيتها الأساس، وقد عرفت الفترة الحالية مشاريع وإجراءات ذات أولوية تمهيدا لإصلاح شامل ونسقي لقطاع حيوي يعتبر استثمارا إستراتيجيا.

< ما هي الملامح الكبرى لأعطاب التعليم بالمغرب وما هي أسبابه؟
< لقد عددت الكثير من التقارير الوطنية الدولية الأعطاب الأساسية والراجع إلى تقارير الاستشارات الموسعة والأيام الدراسية وتقارير المجلس الأعلى وتقارير منتديات الإصلاح وتقارير الجمعيات التربوية وجمعيات الأمهات والآباء يجد تفاصيل كثيرة، حتى إن التشخيص أصبح متقاسما ومعترفا به حتى في الخطابات الرسمية ولكن الكثير من الآراء التي تملأ الساحة لا تستند في الغالب الأعم إلا على الجاهز من الأحكام ولا تعتمد على نتائج البحث الرصين. وأرى أن الأسباب الكبرى تكمن في غياب المشروع المجتمعي المتعاقد عليه وفي غياب الإرادة السياسية في إصلاح شامل سياسي ودستوري يكون إصلاح التعليم حلقة من حلقاته المتضافرة . وبعدها هناك أسباب داخلية مرتبطة بالحكامة وإرساء اللامركزية وبالقيم المشتركة والمنسجمة التي يلزم أن تخدمها كافة المواد وفي كافة المستويات، هذا إضافة إلى غياب كبير للتعبئة المجتمعية التي يلزم أن تسند المجهودات المبذولة وتحصن التراكم الايجابي.

صراع سياسي حول المدرسة

< هل بإمكان رؤية 2015 – 2030 تجاوز أعطاب تجربتي "الميثاق الوطني" و"المخطط الاستعجالي"؟
< الأمر لا يتعلق بتجارب منفصلة، كما يوحي بذلك سؤالكم وكما يعتقد الكثيرون، وكأننا أمام مشاريع مفصولة عن بعضها بل إن كل هذه المشاريع بداية من الميثاق الوطني للتربية والتكوين الصادر نهاية 1999 والذي انطلق تطبيقه الجزئي والانتقائي سنة 2000 ؛ أو البرنامج الاستعجالي الذي جاء سنة 2009 ليجدد نفس الإصلاح ويطوره وينقذه من الركود والتردد والانتقائية بمرجعية أساسية هي الميثاق الوطني للتربية والتكوين …أو الرؤية الإستراتيجية 2015- 2030- التي تستند هي الأخرى إلى الميثاق الوطني . بالتالي فإننا مازلنا في المنطق نفسه الذي يبقى مرجعه الأساس هو الميثاق. وسبب الاحتكام لمرجعية الميثاق تعود إلى عدة أسباب أذكر منها اثنتين فقط أولاهما أن الميثاق ثمرة توافق وطني واسع مع ما يرتبط بمنطق التوافقات من تنازلات والقبول ببعض الأمور على مضض، وتغييره غير ممكن الآن لأن شروط التوافق التي توفرت سنة 1999 منعدمة علما أن الصراع السياسي يتقوى. وكلما ارتفع منسوب الصراع السياسي ارتفع منسوب الصراع حول المدرسة؛ لارتباطها ببناء المستقبل وارتباطها بالقيم والمرجعيات والمشاريع المجتمعية المضمرة والمعلنة، وثانيهما أن الكثير من مقترحات الميثاق الصالحة مازالت لم تطبق وحتى التي طبقت منها كانت بانتقائية وطالها التشويه. الأمر ليس تقنيا لأن كثيرا من مجهودات التقنيين في الوزارة والجهات والأقاليم والمؤسسات والفصول جيدة ولكنها مفصولة ومفككة وغير مسنودة بسياسات عمومية متضافرة ومتلاقية. فتصبح أعمالنا مثل جزر جميلة ولكنها معزولة لهذا فإن توفر الإرادة السياسية في الإصلاح الشامل والنسقي ضروري وإلا فإن جميع المشاريع بما فيها الرؤية الإستراتيجية وغيرها ستعرف المصير نفسه وإن بطرق وأساليب ونسب مختلفة . علما أن الزمن لا يسعف شعبنا ووطننا وإصلاح المنظومة التربوية أمر مستعجل لهذا وجب أن يتحمل كل مسؤوليته.
تعدد المشاريع يؤدي إلى التشتت

< الملاحظ أن الإطار القانوني ل"الرؤية" ما زال يناقش في المؤسسات النيابية في الوقت الذي بدأ تطبيقها منذ 2015. من يتحمل فارق أربع سنوات من هذا الهدر الزمني؟
< ما يناقش اليوم في البرلمان هو قانون إطار يراد منه توفير سند قانوني لاستمرارية تطبيق الرؤية الإستراتيجية على الأقل إلى حدود 2030 دون أن يتأثر التطبيق بتقلبات الزمن السياسي وتغيير الوزراء. … وهذه الفكرة أثيرت منذ صدور الميثاق ولم تر النور وعادت اليوم إلى الواجهة. ولم تقف البنود عند هذا الحد بل استثمرت المناسبة لتمرير قضايا ومواقف أخرى . ولهذا وقع التقاطب وسيكون الصراع قويا حول بعض البنود التي لم تكن ضرورية لأنها مجال اختلاف قوي وعميق يعتقد البعض أنها تقنية والحال أنها ليست كذلك.
نعم صدرت الرؤية عن المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي لتغطي المرحلة ما بين 2015 إلى 2030 وانطلقت الوزارة بمشاريع نعتتها بذات الأولوية وهو اجتهاد في رأيي جيد لأن الزمن لا يرحم. وكل ما يمكن أن يسهم في إنقاذ المدرسة المغربية العمومية أساسا مطلوب ومحبذ.
وأعتقد أن العديد من تلك المشاريع جاء لتوفر شروط نجاح تطبيق الرؤية رغم مما لاحظته مرارا من أن عدد المشاريع كثير، وقد علمتنا تجربة البرنامج الاستعجالي أن المشاريع كلما تعددت أدت إلى التشتت وانعدام التركيز، فيؤدي ذلك إلى تشتت الجهود وضياع الإمكانات وهدر الزمن. والحقيقة أن الإدارة المسؤولة لا يمكن أن تبقى في انتظار ما سيأتي ولا يأتي. إن كل المبادرات في القضايا العملية المؤثرة على جودة الخدمة العمومية يلزم تشجيعها وهو أمر لا ينسحب طبعا على القضايا الخلافية من مثل التوظيف بالتعاقد وأداء الأسر والسياسة اللغوية ..وفي هذا السياق فإن ما ورد في القانون الإطار يكشف الاختلافات العميقة والفارقة الموجودة حتى بين أطراف الأحزاب الحكومية وأحرى أحزاب المعارضة ولا يمكن الحسم بتسريع تطبيق الإجراءات الخلافية وتسبيق العربة أمام الحصان.

لا تغيير بدون تعبئة وطنية
< شرعت الوزارة خلال السنوات الأخيرة في تنزيل مجموعة من الدعامات الخاصة بمشروع الإصلاح الجديد رغم عدم اكتمال الرؤية القانوية له، ألا ينطوي الأمر على نوع من المغامرة في اتخاذ قرارات خارج القانون؟
< مبادرات الوزارة والأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين والمديريات الاقليمية والمؤسسات التعليمية كلها مطلوبة ومحبذة في حدود دائرة المشترك الذي يهدف إلى الإصلاح والتقدم في اتجاه الجودة المرجوة. وبالتالي فالعمل بالمشاريع ذات الأولوية، رغم الملاحظات المسجلة بشأنها، يستحق التشجيع لأن تلك المشاريع تهيئ الأرض التي من المفروض أن يحرثها محراث الإصلاح. وحتى لا تكون الوزارة ومشاريعها الحالية خارج القانون الذي تحدثت عنه وجب أن تتوجه إلى المشترك والمتفق عليه والذي ليس فيه خلاف.

< كيف ذلك؟
< من أمثلة ذلك: التعليم الأولي الذي يعتبر قاعدة لتكافؤ الفرص وقد كان من المفترض حسب مخطط الميثاق ووثائقه التطبيقية أن يعمم سنة 2006 . والعمل الجاد على تعميمه مطلوب ويلزم أن يسند من قبل الجميع بتعبئة وطنية شاملة. تلك التعبئة التي تبقى شرطا أساسيا لنجاح أي إصلاح بعد توفر الإرادة السياسية وإمكانيات التطبيق المبدع، ومن ذلك ورش المناهج والبرامج والكتب المدرسية، وكذا التجديد البيداغوجي، وتطوير آليات التقييم والامتحانات، والارتقاء بالحكامة الإدارية، والتوجه إلى تطوير سياسة التكوين الأساس والمستمر للموارد البشرية… تلك أمثلة من مجالات كثيرة مطلوب تسريع وتيرتها. ولن يكون القانون الإطار، إن صدر بعد تعديله وتصحيح ثغراته، إلا مساندا لها وهناك كفاءات عالية في كل مفاصل المنظومة باستطاعتها، إذا ما تم تحفيزها وتثمين قدراتها، أن تقدم عطاءات هائلة ومشرفة. والحاجة ماسة إلى إطلاق المبادرات المختلفة وتوسيع دائرة الاجتهاد وليس التخويف من القانون الذي ما زالت أمام إقراره مناقشات ومحطات .

التربية والتعليم أكثر القطاعات خطورة

< مسألة إصلاح التعليم هل هي مسألة تقنية أم تتعلق بإرادة سياسية؟
< إصلاح التعليم لم يكن إطلاقا ولن يكون أبدا مسألة تقنية، وإنما هو في المبدأ والمنتهى اختيار سياسي ومسؤولية سياسية فمجال التربية والتعليم أكثر القطاعات خطورة وأكبرها وزنا وأعمقها إستراتيجية وأهمها تأثيرا على الحاضر والمستقبل. ولذلك دار حوله الصراع طويلا ومازال. وأعطته الدول المكانة الأولى في اهتماماتها . وكان سلم الترقي الشامل للعديد من المجتمعات. وبالتالي، فهو مجال يحتاج إلى حنكة وكفاءة وتجربة وذكاء المسؤول والمطبق التقني ولكنه قبل ذلك وبعده مسؤولية سياسية ويحتاج في المقام الأول إلى توفر إرادة سياسية حقيقة وحاسمة بل وصارمة للتنفيذ والتطبيق لما يتم التعاقد عليه بين مكونات المجتمع. ومن البديهي أن إصلاح التعليم ليس إصلاحا معزولا عن الإصلاح الشامل بمدخليه الدستوري والسياسي وأنه مرتبط أيما ارتباط بالمشروع المجتمعي المراد تطبيقه والمتعاقد عليه بين مكونات المجتمع لأن الأمر هنا لا يتعلق بأصوات الأغلبية أو الأقلية، إنه يتعلق بإرساء آلية للتعاقد المنتج الذي يفتح أفقا رحبا لتطوير الوطن عبر تأهيل بناته وأبنائه وتسليحهم بالمُشرق والمتطور والمواكب من ثقافة العصر وقيمه الكونية. وبالتالي فإن الأمر رهين بالإرادة السياسية العميقة في إقرار الإصلاح الشامل لتأهيل البلاد للديمقراطية الحقة والحداثة الفعلية.
أجرى الحوار: عزيز المجدوب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق